Menu Close

يومية الجمعة الموافق ٩ تشرين الثاني ٢٠١٨

يومية الجمعة الموافق ٩ تشرين الثاني ٢٠١٨

في اليومية السابقة ، أي في يومية الجمعة ، ٢ تشرين الثاني ٢٠١٨، تَحَدَّثْتُ عن مساعي دولة الكيان الصهيوني للسيطرة على الأرض خلال الفترة التي إنتهت مع حزيران ١٩٦٧ باستكمال سيطرة قوات دولة الكيان الصهيوني على باقي أراضي فلسطين ، أي على ما مساحته ٢٢٪؜ من مساحة فلسطين الكلية ، وهي أراضٍ كانت في يد الاْردن ومصر .

كما ونَجَحَتْ بتوسيع سيطرتها خلال حرب حزيران ١٩٦٧ لتشمل أرض سُورية لأول مرة ( أراضي هضبة الجولان )، وأراضٍ مِصْرية للمرة الثانية خلال (١١) سنة .

في القسم الأخير من الجزء الثاني من تعليقنا على مقالة الدكتور محمود يزبك ، كُنْتُ منهمكاً في إبداء عددٍ من الملاحظات .

في هذا الجزء، أي الجزء الثالث، سأستكمل ملاحظاتي .

•واحدةٌ من الملاحظات التي يتعين إبداءها تتعلق بالسلوك الذي إتبعته الدول العربية في فترة ما بعد “حَرْب ” أو ” أحداث ” العام ١٩٤٨.

هي ” حرب ” لأنها إنتهت بأربعة إتفاقيات هدنة مع دولة الكيان الصهيوني الوَليد ، ثلاثة منها وُقِّعَتْ قَبْلَ أنْ تُنهي دولة الكيان عامها الاول ، وهي:

(الأولى)، وقد وُقِّعَت في رُودُوس مع مِصْر في ٢٤ شباط ١٩٤٩بعد نحو تسعة شهور فقط من مُشارَكَتِها في ” الحرب ” ، وقد إستخدمتها دولة الكيان لإنتزاع صِفَة أنها “دولة مُحِبّة للسلام”، والذي هو شَرْط ٌ مُسْبَق للإستحواذ على عضوية الأُمم المتحدة .

(الثانية)، وقد وُقِّعَت مع لبنان في ٢٣ آذار ١٩٤٩،

(الثالثة)، وقد وُقِّعَت مع الاْردن في ٣ نيسان ١٩٤٩،

وقد دَعَمَ توقيعهما طلب دولة الكيان طلب العُضوية المذكور ، وشَجّع دولاً في الجمعية العامة التصويت لصالح قبول طلب العُضوية.

أما (الرابعة)، فقد وُقِّعَها حُسْني الزعيم بعد أنْ نَجَحَ في ٣٠ آذار ١٩٤٩ في إستلام السلطة في سورية بإنقلاب عسكري على الحكم الجمهوري النيابي الشرعي إثر الإنتقادات الشعبية التي تلت هزيمة جيوش الدول العربية الخمسة التي شاركت في حرب فلسطين في العام ١٩٤٨ ، وقد وُقِّعَت في ٢٠ تموز ١٩٤٩، بعد أسبوعين من قيامه بتسليم أنطون سعادة – قائد الحِزب القومي السوري، الى السلطات اللبنانية التي قامت بإعدامه في ٨ تموز ١٩٤٩ – أي بعد يوم واحد من تاريخ تسليمه لها .( أُعدُمَ حُسني الزعيم في ١٤ آب ١٩٤٩ ، بعد توقيعه إتفاقية الهدنة بِـ(٢٤) يوماً فقط)

بعد صدور قرار التقسيم في ٢٧ تشرين الثاني ١٩٤٧، شَكَّلَت الهيئة العربية العليا لفلسطين ” قوات الجهاد المقدس ” – والتي تشكل عُمادها من المقاتلين الفلسطينيين ومتطوعين عرب – .

تولّى مُهمة تَشكيل هذه القوات القائد عبد القادر الحسيني الذي عاد الى فلسطين من منفاه في ٢٠ كانون اول ١٩٤٩( بعد غياب عنها إمتد لنحو أحد عشر سنة ) ،

قبل دخول الجيوش العربية الى فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، كانت المقاومة المسلحة لمشروع إقامة دولة يهودية في فلسطبن (على ٥٥٪؜ من مساحتها – وفق أحكام قرار التقسيم -)، قد إستؤْنِفَت في أواخر كانون اول ١٩٤٧، أي بعد نحو شهر من تاريخ صدور القرار ( وبعد نحو ثمانية سنوات من تاريخ قمعها وإخمادها في العام ١٩٣٩) .

كانت تلك المقاومة مَقصورة على نشاطات قوات الجهاد المُقَدَّس المُشَكّلة أغلب هياكلها ووحداتها من أبناء الريف والمدن الفلسطينية ، وكذلك ، على قتال وِحدات من المُتطوعين العرب من قوات جيش الإنقاذ التي تم تَشكيلها بعد أن أصدرت جامعة الدول العربية قرارها بهذا الخصوص إثر اجتماعات مجلسها في كانون اول ١٩٤٧ – أي بعد نحو أسبوعين من صدور قرار التقسيم– .

لقد دخلت تلك الوحدات ( جيش الإنقاذ ) الى فلسطين تِباعاً خلال الشهورالثلاثة الاولى من العام ١٩٤٨ . لم تكن تلك الوحدات تعرف تضاريس الأرض ، ولا جغرافيا المكان بصورة كافية ، ولَم تكن مُلِمّة بدور مئات المُستعمرات التي أقيمت حول المدن والقرى الكبيرة في فلسطين ، وفي المواقع الإستراتيجية على رؤوس التلال ، وفِي أماكن مُشْرِفة على مَفاصل وتقاطعات الطرق. كما لم يكن جُزْءاً كبيراً من أفرادها قد تلقوا تدريبا عسكرياً كافياً ، وكانت تجهيزاتها غير مكتملة .

كانت قوات الجهاد المقدس تُمارس القتال على إمتداد الأرض الفلسطينية من شمالها الى جنوبها . ولكن إمكاناتها كانت محدودة . كانت قيادتها تطلب من الجامعة العربية إمدادها بالأسلحة والذخيرة والتجهيزات ، ولكن تلك الإمدادات كانت تذهب لوحدات جيش الإنقاذ والتي كانت تتألف من مقاتلين أو متطوعين من مواطني الدول العربية وعلى الأخص سورية ولبنان والعراق والأردن.

وبعد نحو ثلاثة شهور ونصف ، فقدت قوات الجهاد المقدس ، قائدها عبد القادر الحسيني في مَعْرَكة القَسْطل في ٩ نيسان ١٩٤٨.

وكان في فلسطين خلال تلك الفترة أيضاً ( أي قبل ١٥ أيار ١٩٤٨ ) عِدّة سرايا تابعة للجيش العربي ( الاردني) ، مُرابطة في عدد من المدن والمناطق فيها.

كانت تلك السّرايا تعمل في فلسطين تحت إمرة قيادة قوات الإنتداب البريطاني المُرابطة في فلسطين وتُكَوِّن جُزْءاً من تشكيلاتها ، وتتحرك بأوامرها .

كان أفراد وقادة هذه السّرايا مُتعاطفين تماماً مع المُقاومين الفلسطينيين، ويُحاولون وبسرية تقديم الدعم والإمداد لهم قدر ما تسمح به ظروفهم. وفِي العديد من الحالات، كان هؤلاء يخرجون على أوامر الضباط الإنچليز ويقدموا الدعم اللوجستي للمقاومين . لا بل ان بعضهم شارك مراراً في القتال .

لقد تَجاوزات بعض سرايا الجيش العربي الاردني أوامر قياداتها البريطانية ، وشاركت مع قوات الجهاد المقدس في الهجوم على مجمع مستوطنات غوش عتصيون في جبل الخليل ، جنوبي القدس وبيت لحم ، وتمكنا معاً خلال النِّصف الاول من شهر أيار ١٩٤٨ -أي، قبل موعد الإنسحاب الرسمي لقوات الأنتداب البريطاني من فلسطين – من تدمير المستوطنات / المستعمرات الأربعة التي يتألف منها المُجمع وإحتلالها وأسرِ مئات من القادة والجنود الصهاينة.

لقد كانت تلك العملية واحدة من أهم العمليات المشتركة لسرايا الجيش العربي مع المقاومين من وحدات الجهاد المقدس ، لا بل إنها تُعْتَبر واحدة من أهم إنجازات الجيوش العربية وقوات الجهاد المقدس خلال ما يُسمّى ” حرب ١٩٤٨ ” برمتها .

وهذه المستوطنات هي الوحيدة التي تمكنت قوات المقاومة من تدميرها وإحتلالها وإخلائها من المستوطنين خلال المواجهات التي تمت قبل ١٥ أيار ١٩٤٨.

بعد دخول الجيوش العربية الى فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨، وبعد هذا التاريخ ، فَقَدَت قوات الجهاد المُقَدَّس إستقلاليتها ، وتم تحجيم دور ها ، وتم إلحاقها بالتدريج بوحدات الجيوش العربية في فلسطين ، الى أن أصدرت الحكومة الاردنية أمراً من عمان بحلها في ١٨ كانون اول ١٩٤٨، لكنها بقيت ترابط في أماكنها حتى أتاها أمر الحل من الهيئة العربية العليا في القاهرة في ١٥ أيار ١٩٤٩، بعد ستة أسابيع من توقيع الاْردن على إتفاقية الهدنة مع دولة الكيان الصهيوني في جزيرة رودوس اليونانية.

إذن، بعد توقيع إتفاقيات الهدنة ، صدر قرار حل ” قوات الجهاد المقدس ” الفلسطينية المَدعومة بالمتطوعين العرب. والتزمت جيوش الدول العربية بعدها بوقف إطلاق النار ، وبأحكام تلك الاتفاقيات التي تقضي بعدم السماح بأي إختراقات لخطوط الهدنة من قبل قوات عسكرية مُنظمة أو مجموعات شبه عسكرية ، أي فِرَق الفدائيين .

وكانت الحكومة الاردنية قد أعلنت في وقت سابق لتوقيع اتفاقية الهدنة مع دولة الكيان عن منح الجنسية الاردنية لفلسطينيي الضفة الغربية ( في ١٣ كانون اول ١٩٤٨) .

وقبلها كان قد إنفجر الخلاف المصري الاردني حول مسألة الإعتراف بحكومة عموم فلسطين التي أَعْلَنت الهيئة العربية العليا لفلسطين تَشكيلها في ٢٠ أيلول من العام ١٩٤٨.

ومع التغييب العربي الرسمي للفلسطينيين بعد الخلاف الأردني المصري خلال الربع الأخير من العام ١٩٤٨، وتغييب الفلسطينيبن من الساحة الدولية أيضا ، صادرت الدول العربية المحيطة بفلسطين حق تقرير المصير من الشعب الفلسطيني ، ونَقَلَت حق التّحكم به الى الحكومات العربية، أي الى حكومات كل من الاْردن و سوريا ولبنان– وهي الدول التي إستقبلت اللاجئين الفلسطينيين وسَمَحَت بإقامة مُخيمات لجوء لهم على أراضيها – وكذلك الى حكومة مصر.

ومنذ ذلك الوقت ، وحتى العام ١٩٦٤، دخلت القضية الفلسطينية في حالة تَنويم قَسري ولَجْم ، الى أن دفع الرئيس المصري جمال عبد الناصر مؤتمر القمة العربي الاول الى الموافقة على تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية.

خلال ستة عشر سنة( ما بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٦٤) ، مُنِعَ الفلسطينيين من إعادة تنظيم صفوفهم في البلاد التي يُقيمون فيها ، ومن حق تنظيم وممارسة أي عمل مسلح عابر لخطوط الهدنة( لا من الضفة الغربية ولا الشرقية ولا من سورية ولا من لبنان أو مصر ) تحت ذريعة أن تحرير فلسطيني هي مهمة الدول العربية وجيوشها وأن عليهم الركون على ذلك ، أي أنها، وبكلمات أخرى ، مهمة قومية وليست مهمة وطنية فلسطينية .

وعليه وتحت ذريعة أن التصدي لدولة الكيان الصهيوني يستدعي بناء الجيوش العربية وإعدادها لتحرير فلسطين ، ويستدعي تحقيق تنمية وتطوير اقتصاديات ومقدرات الدول العربية ، وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين ، ودوّل العمق الاستراتيجي العربي، تم ولمدة ستة عشر عاماً ، إلغاء دور الفلسطينيين وعزلهم عن القيام بأي دور رئيس للتعامل مع قضية شعبهم الوطنية.

وبالتوازي وخلال ذات الفترة ( ١٩٤٨-١٩٦٧)، تم على الصعيد العربي الرسمي أيضاً تجميد أي عمل سياسي ودبلوماسي لحل القضية الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأُمم المتحدة ، وعلى الأخص القرارين ١٨١ و ١٩٤ ، بإعتبار أن حل القضية يستدعي تحريرها بالقوة المسلحة للدول العربية – وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين – أي بذات الطريقة التي تم فيها الإستيلاء على فلسطين في العام ١٩٤٨ ، وطرد الفلسطينيين منها.

وخلالها أيضاً ( أي خلال الفترة ما بين ١٩٤٨و١٩٦٧) ، ومع تغييب الفلسطينيين ، وبالذرائع المذكورة أعلاه ، تم منح دولة الكيان الصهيوني كل ما تحتاجه من وقت لتمكين وتثبيت إحتلالها للأراضي العربية الفلسطينية ، ولبناء قوتها العسكرية والاقتصادية فيها ، ولإستقبال مئات الألوف من المهاجرين اليهود الجدد ، حيث إرتفع عدد السكان في فلسطين مع نهاية العام ١٩٤٨ – أي بعد نحو سبعة أشهر من تاريخ الإعلان عن تأسيس دولة الكيان في ١٤ أيار ١٩٤٨ – ومع تَدَفق آلاف اليهود الأوروبيين إليها ، الى ٧١٦،٧٠٠ يهودي.

وعليه ومع قيامها بطرد نحو (٨٠٠،٠٠٠) فلسطيني عربي من الأراضي التي إحتلتها في العام ١٩٤٨ ، فقد إنخفض عدد الفلسطينيين في تلك الأراضي المحتلة الى ١٥٦،٠٠٠ نسمة فقط ، وأصبح عددهم فيها يشكل ما نسبته ١٧،٨٪؜.

ومع فتح أبواب الهجرة على مصراعيها وسن قانون العودة الصهيوني في ٥ تموز من العام ١٩٥٠ – ورفع القيود التي كانت مفروضة على الهجرة إبان العقد الأخير من حكم الانتداب البريطاني على فلسطين – فقد إرتفع عدد يهود دولة الكيان الصهيوني العُنصري في العام ١٩٦٥ – أي بعد (١٧) عاما من تاريخ الإعلان عن تأسيسها – الى ٢،٢٩٩،١٠٠ يهودي و عدد الفلسطينيين فيها الى ٢٩٩،٣٠٠ فلسطيني.

خلال هذه الفترة ( ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٧) أُخْضِعَ الفلسطينيون العرب الذين بقوا داخل الأراضي التي خَصَّصها قرار التقسيم للدولة اليهودية ، وكذلك في داخل ذلك الجزء من الأراضي المُخَصَّصة في القرار المذكور للدولة العربية الفلسطينية – التي إحتلتها قوات دولة الكيان في العام ١٩٤٨ ، للحُكم العسكري – وفُرِضَ عليهم قوانين تمييزية جائرة سَنّها مجلسٌ تشريعي ( الكينست ) تم إنتخابه في كانون الثاني من العام ١٩٤٩ ، وقد انتهكت تلك القوانين ، والأوامر والتعليمات الصادرة عن الحكم العسكري ، بصورة صارخة أحكام قرار التقسيم نفسه التي تمنع سلطات أي من الدولتين المُشَكَّلَتين بموجب قرار التقسيم إصدار قوانين أو تعليمات او أوامر ذات طابع أو مضمون عنصري تمييزي يتعارض والأحكام الواردة في قرار التقسيم نفسه .

[[يتضمن قرار التقسيم رقم ١٨١ ، أحكاماً بالنصوص التالية :

•من ديباجة القرار – أ – تحت البند

ج- أن يعتبر مجلس الأمن كل محاولة لتغيير التسوية التي ينطوي عليها هذا القرار بالقوة تهديدا للسلام، أو خرقا له، أو عملا عدوانيا، وذلك بحسب المادة 39 من الميثاق.

•من الجزء الأول المعنون ” دستور فلسطين وحكومتها المستقلة –

البند (ب) المُعَنوَن : خطوات تمهيدية للإستقلال /

من الأحكام التي يتعين أن يحويها دستور كل من الدولتين :

“- تضع الجمعية التأسيسية لكل دولة مسودة دستور ديمقراطي، وتختار حكومة مؤقتة لتخلف مجلس الحكومة المؤقت الذي عينته اللجنة. ويضم دستورا الدولتين الفصلين الأول والثاني من التصريح المذكور في القسم (ج) أدناه، ويحويان في جملة ما يحويان، أحكاما لما يلي:……..

د- أن تكفل الدولة لكل شخص وبغير تمييز حقوقاً متساوية في الشؤون الدينية والمدنية والاقتصادية، والتمتع بحقوق الإنسان وبالحريات الأساسية، بما في ذلك حرية العبادة، وحرية استعمال اللغة التي يريدها، وحرية الخطابة والنشر والتعليم وعقد الاجتماعات وإنشاء الجمعيات.”

ومن البند(ج) المعنون : تصريح ، ورد ما يلي

“ترفع الحكومة المؤقتة في كل دولة مقترحة قبل الاستقلال تصريحاً إلى الأمم المتحدة يتضمن في جملة ما يتضمنه، النصوص التالية:

حكم عام

تعتبر الشروط التي يتضمنها التصريح قوانين أساسية للدولة، فلا يتعارض قانون أو نظام أو إجراء رسمي مع هذه الشروط أو يتدخل فيها، ولا يقدم عليها أي قانون أو نظام أو إجراء رسمي”.

ومن الفصل الثاني المُنْدرج تحت بند ” حكم عام ” ، ورد ما يلي : …….

“لا يجوز التمييز بين السكان بأي شكل من الأشكال بسبب الأصل أو الدين أو اللغة أو الجنس.”و….

“لن تفرض أية قيود على حرية أي مواطن في استعمال أية لغة في المحادثات الخاصة أو في التجارة أو الدين أو الصحافة أو المنشورات على أنواعها أو في الاجتماعات العامة.”و….

“لا يجوز أن يسمح بنزع ملكية أي أرض تخص عربيا في الدولة اليهودية أو يهوديا في الدولة العربية إلا للمنفعة العامة. وفي جميع الحالات يجب دفع تعويض كامل وبالمقدار الذي تحدده المحكمة العليا، وأن يتم الدفع قبل تجريد المالك من أرضه”.

ومن الفصل الرابع المعنون ” أحكام متنوعة ” ورد ما يلي :

” أحكام متنوعة

  • تضمن الأمم المتحدة أحكام الفصلين الأول والثاني من التصريح، ولا يجري عليها أي تعديل دون موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويحق لأي عضو في الأمم المتحدة أن ينبه الجمعية العامة إلى أي خرق لهذه البنود أو إلى خطر خرقها. ويجوز للجمعية العامة بناء على ذلك أن توصي بما تراه ملائما للظروف.

  • يحال كل خلاف متعلق بتطبيق هذا التصريح أو تفسيره على محكمة العدل الدولية -بناء على طلب أحد الطرفين- ما لم يتفق الطرفان على أسلوب تسوية آخر.” ]]

لقد تعرض إثنا عشر ألف رجل منهم ممن كانت أعمارهم تتراوح ما بين ١٥ و٥٥ سنة للحجز والإعتقال في معتقلات إجليل ، وعِتْليت وصَرفند . تم “لَمْ” أي ، حَجْز وإعتقال الجزء الأكبر من هؤلاء المواطنين المدنيين من أحياء المدن والبلدات الفلسطينية التي تم طرد أغلب سكانها ومن القُرى التي لم تكن قوات دولة الكيان قد قامت بتدميرها .لقد إعتبرتهم جميعاً ” أسرى ” حرب مع أن الجزء الأكبر منهم كانوا مُجَرَّدَ مُواطنين مدنيين بُسَطاء ، ومُوظفين ومِهَنيين وقّرويين فلاحين أو عمال زراعيين لم يحملوا السلاح في حياتهم . خُيِّرَ هؤلاء وَهُم في المُعتقلات بين البقاء فيها مُعْتَقَلين ، حُريتهم مُصادَرة ،وجرى إغرائهم بإعادة حريتهم لهم عبر السماح لهم بترك دِيارهم ، والخروج الى المنفى في الاْردن أو لبنان أو سوريه .

أثناء فترة إلاعتقال تلك ، لَعِبَ المُعتَقلون الفلسطينيون الشيوعيون المُنتمون لـ ” عُصْبة التّحرر الوطني ” في هذه المعتقلات دوراً وطنيا بطولياً في قيادة المُعْتَقَلين وتَعبئتهم ، ودفعهم للتمسك بالبقاء في فلسطين، ورفض عروض التهجير والطرد ، وقاموا بتنظيم الإضرابات ، وكتابة وتوزيع المنشورات داخل تلك المعتقلات لانتزاع حقوقهم كمعتقلي رأي ، أو أسرى حرب ، أو كمناضلين ، ومقاومين في سبيل الحرية .

يُسلط كتاب ” أسرى بلا حِراب ” الذي أهداني إياه مؤخراً الصديق عبد الله حمودة ، الأضواء على سيرة هؤلاء المعتقلون الأسرى المَنْسِيّون .

الكِتاب من إعداد مصطفى كبها ( من قرية أم القطف – المثلث الفلسطيني الشمالي- أُستاذ جامعي وباحث في مادتي التاريخ والإعلام ) و وديع عواودة ( كاتب وصحافي من بلدة كفر كَنّا – قضاء الناصرة ) وهما من أبناء فلسطين الذين بقوا فيها منذ أن أبصرت عيونهم النور .

بتضمن الكتاب توثيقا للروايات المَحْكِيّة لعدد كبير من ” أسرى ” تلك المعتقلات وشهاداتهم المروية باللهجة العامية الفلسطينية . و

تُعطي شهادات أولئك المُعتَقلين صورة إنسانية حَيّة مؤلمة لكيفية الإعتقال وذَرائِعه ، وللحياة اليومية في المُعْتَقلات الصهيونية خلال الأعوام ١٩٤٨، ١٩٤٨، ١٩٤٩ ، ولأعمال السُّخرة أثناء الإعتقال ، وتشغيلهم في تفريغ محتويات بيوت الفلسطينيين في حيفا ويافا وغيرها ، والمُقتنيات التي تم سرقتها من تلك البيوت والمتاجر والمستودعات ، بما في ذلك محاصيل حقول المزارعين الفلسطينيين، ورواياتهم عن إلإعدامات التي تم تنفيذها بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب ، وذكرياتهم مع بعضهم البعض ومع الأسرى من الجنود المصريين ، والاردنيين ، والسوريين واللبنانيين ، والعراقيين ،…الذين وقعوا في الأسر في معارك تلك الفترة .

لم يتدخل مجلس الأمن ولا الأُمم المتحدة في ذلك الوقت ( أي منذ إصدار قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وحتى الآن ، مروراً بحزيران ١٩٦٧ ) ، لإعمال أحكام قرار التقسيم ذاته ، او القرار ١٩٤ ، وأحكام ميثاق الامم المتحدة ، والمعاهدات والإتفاقيات الدولية .

لقد تُرِكَت دولة الكيان قبل و بعد قُبول عضويتها في المنظمة الدولية دون أن تُبذل جهوداً حقيقية جِدّية مُخلِصة ، لا من مجلس الأمن ، ولا من الجمعية العامة ، ولا من الدول العربية ، لإجبار دولة الكيان للإلتزام بتطبيق أحكام الشرعية الدولية .

وتُرِكَ الشعب الفلسطيني المُشَرَّد والمُهَجَّر الى خارج دياره في فلسطين ، في المَنافي وفِي الشّتات ، ويعيش مئات الألوف منه في مخيمات البؤس والشقاء، في حين أُشْغِلَت بُيوته ومَساكِنه ومَزارعه ومّتاجِره في مُدُن وقُرى فلسطين – التي سيطرت عليها قوات دولة الكيان الصهيوني في العام ١٩٤٨– من قبل المهاجرين اليهود الذين أُسْتُقدِمَ أغلبهم من مخيمات اللجوء التي أُنشئت لهم في أوروبا أثناء وبعد الحرب الكونية الثانية.

تَحَوَّل المُضْطَهَدون البهود في أوروبا خلال أقل من خمس سنوات بعد الحرب الى مُضْطَهِدين للشعب الفلسطيني ، يُمارسون بحقه أبشع أنواع الإضطهاد .

أَخْلى يهود أوروبا المُضْطَهدين مُخيمات اللجوء فيها خلال الفترة الممتدة من ١٩٤٤ و ١٩٥٠، ونُقِلوا الى فلسطين ليقيموا في بيوت الفلسطينيين التي طَرَدَت الحركة الصهيونية منها سكانها بالقوة المسلحة .

ومع مَنعهم في العودة الى دِيارهم ، ومع رفض دولة الكيان الصهيوني وإستمرار تَهَربها من تطبيق قرار الشرعية الدولية رقم ١٩٤، يكون يهود أوروبا ويهود الدول العربية بقيادة الحركة الصهيونية العالمية ودولة الكيان الصهيوني التي أقامتها في فلسطين قد نجحت في إطالة أمد إقامة اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من دِيارهم في مخيمات البؤس والشقاء والعار ، باذلة كل نفوذها وجهودها وإمكاناتها أيضاً لتأبيد ذلك .

هل نجحت الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها ؟

في العام ١٩٧٠ ، كان عدد اليهود في فلسطين قد وصل الى ٢،٥٨٢،٠٠٠ يهودي و إرتفع عدد الفلسطينيبن العرب فيها الى ٤٤٠،١٠٠ فلسطيني .

بالإستناد الى تلك الإحصائيات ، يمكن الإستنتاج بأن عدد السكان التقريبي لدولة الكيان في العام ١٩٦٧ عند اندلاع الحرب كان يبلغ ٢،٣٧٠،٠٠٠ يهودي و ٣٧٠،٠٠٠ فلسطيني.

بالمقابل كان عدد سكان الضفة الغربية قبل حرب حزيران ١٩٦٧ يُقدر ما بين ٨٤٥،٠٠٠ و ٩٠٠،٠٠٠ نسمة ، أما قطاع غزة ، فكان عدد سكانه في ذلك الوقت يتراوح ما بين ٣٨٥،٠٠٠ و ٤٥٠،٠٠٠ نسمة.

لقد إنخفض هذا العدد، حسب إحصاءات سلطة الإحتلال الإسرائيلي في العام ١٩٦٧، الى ٦٦١،٧٠٠ و ٣٥٤،٧٠٠ نسمة ، بما يعني نجاح الحركة الصهيونية من جديد في طرد نحو ٣٠٠،٠٠ فلسطيني آخر من الأراضي ( مخيمات الضفة الغربية والقطاع ) التي إحتلتها قوات دولة الكيان الى الأُردن في العام ١٩٦٧ .

على ذلك ، وفِي الوقت الذي نجحت فيه الحركة الصهيونية ( بواسطة قوات دولة الكيان الصهيوني )أيضاً في الإستيلاء على باقي أراضي فلسطين في حزيران من العام ١٩٦٧، وبالرغم من كل التغيرات الديمغرافية القسرية التي نجحت في إحداثها نتيجة جرائم التطهير العِرْقي الذي إقترفتها بحق الفلسطينيين في العام ١٩٤٨، وفي حرب حزيران في العام ١٩٦٧ أيضاً، فإن ميزان الكتلة السكانية تَحوَّل في العام ١٩٦٧ ضد أهدافها ، وأصبح يَتَشَكّل من المكونات التالية :

عدد اليهود : ٢،٣٧٠،٠٠٠

عدد الفلسطينيبن العرب : ١،٣٨٦،٤٠٠

المجموع : ٣،٧٥٦،٤٠٠

أي أن نسبة عدد الفلسطينيين من مجموع سُّكان فلسطين في العام ١٩٦٧ ( بعد حرب حزيران ) يكون قد بَلَغ ٣٦،٩٪؜ .

وكما ذَكَرتَ يا دكتور محمود في مَقالِك ، فإن إحتلال دولة قوات الكيان الصهيوني لباقي الأراضي الفلسطينية وفَّر للشعب الفلسطيني المقيم ضمن حدود فلسطين ولأول مرة منذ العام ١٩٤٨ فرصة الإلتقاء والتفاعل والتوحد ، – وإعادة إنتاج نفسه من جديد – بعد أن كان يخضع ما بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٦٧ لسلطات حكم وتشريعات وقوانين وظروف مختلفة ومتباينة تماماً ( الضفة الغربية/ الاْردن ، قطاع غزة / مصر و ودولة الكيان الصهيوني / الأراضي التي احتلتها في العام ١٩٤٨) .

لقد أيقظ إحتلال عام ١٩٦٧ المارِدَ الفلسطيني من غفوته ، وكسر زجاج القُمْقُم الذي تم حبسه فيه .

أما نِسَب المُكوِّنات السُّكانية هذه ، فقد عادت بعد ثمانٍ وأربعون عاماً من حرب حزيران ١٩٦٧ لتَتَغيّر من جديد ، لتُصبح حسبما أورده آدم إنتوس Adam Entous في مقال له نشرته النيويوركر في ٩ تموز ٢٠١٨ تحت عنوان

‏The Maps of Israeli Settlements That Shocked Barack Obama ، كما يلي :

عدد اليهود : ٦،٣٥٥،٠٠٠ مليون .

عدد غير اليهود : ٦،٥٦١،٠٠٠ مليون

هذا الإختلال في الموازين الديموغرافية يَجري بفعل قوى الجاذبية الطبيعية By Gravity ، أي بفعل قوى الطبيعة البشرية ، وهي تعمل لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وليس لصالح الحركة الصهيونية بالرغم من التأثير والوزن الهائل الذي تَمْلكة الحركة الصهيونية في العصر الحديث .

هذا الإنجاز ليس من إنجازات السلطة الوطنية الفلسطينية ، ولا حتى منظمة التحرير الفلسطينية .

الدكتور محمود

بالإضافة الى ما سبق ، فإنَّ دولة الكِيان الصهيوني تَغرق أكثر وأكثر وبتسارع هائل في مُستنقعات العُنصرية البَغيضة المَكروه والممجوجة عالمياً .

نعم ، تتحول دولة الكيان الصهيوني الى دولة أبارتهايد .

الصهيونية هي لَعنة اليهود في العصر الحديث ، ومقتل المشروع الصهيوني في فلسطين .

لكن ذاك لا يكفِ.

فبدون تفكير استراتيجي فلسطيني عربي جديد ، فإن فرصة إعادة تصحيح الأخطاء التاريخية التي ارتُكِبّت بحق الشعب العربي الفلسطيني يمكن أن تطول ، ولا أُريد أن أقول ” يُمكن أن تضيع “.

فقد أثبت التاريخ مقولة : “لا يضيع حق وراءه مُطالب ” ، وعلى الأخص إن كان يَتمسك بحقوقه الأساسية بِعِناد .

وأدعوك يا دكتورنا الكبير محمود يزبك لتداول بدَلوِك في هذا الخصوص.

وللحديث بقية.

عبد الرحمن البيطار