الثلاثاء الموافق ٢٠ شباط ٢٠١٨
أنهيتُ قَبْلَ دَقائقَ فَحْصَ السَّمَع ….النّتائج جَيِّدة
بَعْدَ قَليل ، سَيَتِم إجراء فَحْص التّوازن …
طَلَبَ المُمَرِّض/ الفَنّي مِنّي الإنتظار لمُدّة عِشرين دَقيقة
السّاعة الآن ٩:٥١ صباحاً
حَضَرَ المُمَرِّضُ / الفَنّي مَرّة أُخرى وأخذني الى غرفة فَحْص التّوازن .
في الغُرْفة ، تم إجلاسي على كُرْسي أسوَد في وَجْهِهِ جِدار .
أمام الكُرْسي وعلى بُعْد مِتْر مِنه ، تَجِد عِدّة َدوائر حَمراء مُعَلَّقة على الجِِدار . واحِدة من الدّوائر الحَمراء كبيرة الحَجْم نِسْبةً لباقي الدّوائر .
طَلَبَ مِنّي الأرتخاء تماماً مع رَفْع الرَّقَبة والرأس، وتوجيه النَّظَر نحو الدّائرة الحَمراء الكَبيرة ،….
ثم طَلَبَ مِنّي أنْ أتْرُكَ له هُو تَحريك رَأسي كما يَشاء دون مُقاوَمة من قِبَلي.
قَبْلَ أنْ يبدأ ، أَلْبَسَ عَينايَ نَظّارة كَبيرة، وهذه مُجَهَّزة بكاميرا على العَيْن اليُمنى مَرْبوطة بشَاشة تلفزيونية ، أما العَيْن اليُسرى فقد تُرِكَت بلا عَدَسة ، وَهْيَ العَيْن التي طَلَبَ مِنّي تَصويب نَظَري من خلالها على الدّائرة الحَمراء على الجدار.
ثم قامَ ، وحَرَّك رَأسي بقُوّة عَشْر مَرّات نَحو اليَمين ، ثم مرّات عَشْر أُخرى نحو اليَسار ، ثُمَّ إلى أسفل ، ثم إلى أعلى ،… وأعاد الكَرَّة مَرّة أُخرى ،،…!
وبعد ذلك قال: إنتهى الإختبار .
بَعْدَ هذه الفُحوص ،جاء الطبيب ، وفَحَصَ العَينيين ، والفم ، والأذنين ، والأنف.
وقد إكتشفَ أثناء فحص العَيْن اليُسرى –بإدارة الرأس الى أقصى اليسار وتحريك كامل الجسم بسرعة من وضع الجُلوس إلى الإستلقاء على الجانب الأيسر من الجِسم – مع مراقبة حَرَكة بُؤْبُؤ العين ،… أنَّ بُؤبُؤ العَين اليُسرى بدأ بالحَرَكة ….عِنْدّها، نادى الطّبيب على هِبَه ، وجَعلها ترى حَرَكة البُؤبُؤ وقال لها : هذا هو نَوْعٌ خَفيف من الـ “ڤيرتيچو” ، وهو ما يُعاني منه والِدِك ،… وهو من النّوع الذي يَتَطَوَّر ببُطْء لوَهلة زَمَنِيّة قَصيرة ، ويَبْدأ تأثيره بعد ذلك لبُرْهةٍ من الزّمن ، قَبْلَ أن يعودَ ويَختفي مع مرور وقت ليس طويلاً …!
قال الطّبيب: إنَّ علاج هذا النوع من الـ “ڤيرتيچو” بَسيط ، ويَتِم بعَمَل حَركات مُعينة للرَّأس، والجِسم ثلاثةُ مَرّات باليوم .
أعْطى هَبَه رَسْماً يُظْهِر الحَرَكات / التّمارين التي يَتَعَيّن أنْ أقوم بها..!
وقال : لا دَواء لهذه الحالة ، فهي خَفيفة ، وتَزول خلال أيام قليلة بإتباع التّمارين المَوصوفة .
إذن ، بعد كل هذه الفُحوصات ،… تَبَيَّن أنَّ نوعاً من أنواع الـ”ڤيرتيچو” هو الذي يَتَسَبّب بذلك النمط من ” الدَّوخة” التي عانَيتُ مِنها في بعض الأوقات خلال الأسابيع الثلاثة الماضِية .
تَرَكْنا بعد ذلك قسم الأُذُن في المُستشفى، وذَهبنا إلى قِسْم إعطاء عَيِّنات الدّم .
بَعْدَ بَعْض الوقت ، كُنتُ بَين يدي مُمَرِّضة حَسْناء . كانت تتبادل الحديث مع هِبَه . ولما سَأَلْتَها إِنْ كانت هي متزوجة ، قالت : نعم ، تَزَوّجت في لاس فيچاس قبل عام، ولَدَيَّ طِفلة الآن .
ثماني عينات من الدم قامَت الحَسناء بِسَحْبِها من عِرْق ٍ في يَدي اليُسرى . في حَقيقة الأمر ، فإنَّ عُروق يَداي الإثنتين ” تَخَرْدَقوا ” من كُثْرِة ما تَمَّ إختراقها من إِبرِ أَخْذِ العَيِّنات خِلال الشهور الخَمسة الماضية …!
بإنتظار ظُهور نَتائج فُحوص الدَّم ، ذَهَبنا إلى الكافيتيريا وهناك اسْتَمْتعتُ بـ ” كابوتشينو” رائِع المَذاق ، في حين اسْتَمْتَعَتْ هِبَه بكُوبٍ من ” القَهْوةَ ” تَناوَلَتها مع مُكالمة هاتفية وصَلَتها من غَيث …
[[اليوم يُوافق يوم رقم (٩٥) بعد تاريخ زراعة الخلايا الجَذْعِيّة . رُبّما يَكون هذا اليوم هو اليوم الذي سَيَرْسُمُ فيه البروفسور دريچر خُطّة العلاج للمَرْحَلة القادِمة]].
إنتهينا بالإلتقاء بالبروفسور بيتر دريچر الذي كان عائداً من إجازة ” تَزَلُّج ” في إيطاليا ، كان يبدو عليه المَرَض ( رَشْح مع سُعال ) ، لم يكن كعادَتِه، وفِي ذلك قال انّه إلتقطه من إبنه الصّغير ” شقِّ التّوم” أثناء عَوْدَتِهِما إلى هايدلبيرغ.
لَمْ تَكُنْ نَتائج فُحوص الدَّم قد ظَهَرتْ جَميعها بَعْد . عَلَّقَ البروفسور على ما ظَهَرَ منها قائلاً أنّه راضٍ عن تلك النتائج .
وعن الدَّوخة ، عاد ليَقول بأنَّ الفُحوص أظهرتْ السَّبَب الرئيسي لها( أُذُن داخلية ) ، وأنّه يَعتقد أيضاً أنَّ بعض الأدوية من شأنها أن تكون قد ساهَمَت في التّسبب بالشعور بالدوخان. وأَشَّر على ” السايكلوسبورين “، الذي يُساهم أيضاً في إرتفاع الضغط .
وفِي هذا الخصوص ، قال أنّه لولا أنه سيبدأ عما قريب بتخفيض جُرْعات السايكلوسبورين ، لكان فَكّرَ بتغييره الى دواءٍ آخر.
أمَرَ بتَخفيضِ مَقادير جُرْعات أدوية أُخرى أتناولها، وقال أن مَوعدنا القادم سيكون في الأول من آذار ٢٠١٨.
بَعْدَ هَذِه المُقَدِّمة ، فَكّرتُ بأن نعود لإستكمال رواية ” أحداث ” نيسان ١٩٤٨ في فلسطين . لكني تراجعتُ ، ووجدتُ من الضّروري أنْ أتَعَرَّض– قبل إستئناف الرِّواية –لبعض التّعليقات التي وَرَدَتني على مَواضيع وَرَدَتْ في عَدَدٍ من اليَوْمِيات الأخيرة ، وفِي هذا الخُصوص ، أود أن أذكر أنّي إستلمتُ حتى تاريخه أكثر من خَمسين تعليقاً .
التّعليق التّالي ، وقد وَرَدَني من البّاحث الجاد ، طويل الخِبْرة ، وعَميق المَعْرِفة بفلسطين وشُجونها وشُؤونها الصّديق خالد عايد . وهو ، كما عَلِمتُ منه ، مُنْكبٌ حالِيّاً على إستكمال بحث حول الثورة الفلسطينية الكبرى ما بين عامي ١٩٣٦ و١٩٣٨.
ورد في تعليق خالد ما يلي:
” عزيزي عبد الرحمن
أجمل تحية وبعد
أقرأ حاليا كتاب مايكل باليمبو عن “الكارثة الفلسطينية..” باللغة الانكليزية (لم أجد الترجمة العربية).
إسترعى إنتباهي الوَجْه الآخر لمَجزرة دير ياسين، المتعلق بالمسؤولية الفلسطينية ذاتها. فقد تَضَمَّن الكتاب إشارات إلى أن مُختار دير ياسين ووجهاءها رفضوا طلب القوات العربية إقامة قاعدة لهم في القَرْية. بل إنهم اتفقوا مع ‘الهاغاناه’ على “الإبلاغ عن تَحَرُّك الغُرَباء في المَنْطِقة”، وتقديم مَعلومات إستخبارية أُخرى إلى اليهود، مُقابل وَعْد الصهيونيين لهم بتحييد قريتهم. كما أن قرية ‘أبو غوش’ المُجاوِرة نَحَت المَنْحى نَفْسه، وعَقَدَت إتفاقية مُماِثلة مع اليهود.”
ويُثير خالد هنا مَسألتان مُهمتان جداً تتعلق الأولى في مسألة تقديم المَعلومات على أيدي المؤرخين الفلسطينيين للقارىء الفلسطيني أو العربي أو الدّولي ، وحول أن بعضهم قَدَّمها مُجتزأة وربما على نحوٍ إنتقائي وغَير شاملة ، وقد تَفْتَقد للدِّقة ، ويقول أنه يعرف أنَّ هذا ” المَوْضوع يَطول الحَديث عَنه ” لكنه يؤكد على أنه ” … من دون عملية النّقد الذاتي” فإننا “.. لَنْ نَفهم الماضي ولا الحاضر ولن نَسْتَعِدَّ للمُستقبل “، أمّا الثانية ، فتتعلق بما يمكن تَوْصيفه على أنه “تواطؤ” او “عَمالة” بَدَرَت عن مختاري قريتي ” دير ياسين ” و ” أبو غوش “.
وفِي رأيي أن تعليق خالد عايد في مَحَلِّه ، ولكني أعتقد بأن تقييم مواقف الجُمهور بما فيهم مخاتير القريتين ” دير ياسين ” و ” ابو غوش ” يجب أن يُقْرَأ في سِياقه المَوضوعي ضِمْن الظُّروف التي كانت سائدة في تلك الفترة، مع إبداء التفهم لسيكولوجية جُمهور فلسطيني [ كان قد إسْتَنْزَفَ قدراً كبيراً من طاقاته خلال فعاليات الثورة الفلسطينية الكبرى (١٩٣٦/١٩٣٨) التي قَمَعَتها قوات الإحتلال البريطاني بشدة بالغة ، وكذلك ما إستنزفته الحرب الكونية الثانية (١٩٣٩/١٩٤٥) من ما تبقى من طاقات هذا الشعب خلال الظروف القاسية التي نجمت عنها وتبعاتها على فلسطين والبلاد المحيطة بها]، أقول ، مع إبداء التفهم لسيكولوجية جمهور فلسطيني :
• تُرِكَ نهباً لإعلام الوكالة اليهودية المُنَظَّم وراديوهات المُنَظّمات الصّهيونية الإرهابية التي يَفتِك إعلامها به صباح مساء، و
• حُرِمَ من المَعلومَة والخَبَر الصّحيح ، وتُرِكَ عملياً بلا قيادة فاعلة داخل فلسطين منذ العام ١٩٣٨ ( من قيادته الفلسطينية داخل فلسطين و / أو العربية خارج فلسطين )، و
•طُلِبَ منه أنْ يَثِقَ بقَرارات “جامعة دول عربية” حديثة التّشكيل ، ودوّل عربية ” مَسلوبة الإرادة ” ومُقَيّدة بمُعاهدات (مع القوى المُساندة للحَرَكة الصّهيونية ) ومُتَناحرة فيما بين بَعضها البَعض ،لا بل وتعمل على تَحجيم دَور القيادة الفلسطينية المُتاحة للجمهور الفلسطيني( الهيئة العربية العليا لفلسطين ) ومُحاربتها في بعض الأحيان .
وفِي ضوء ذلك ، أقول ، كيف لهذا الجمهور ( الفلسطيني ) أنْ يَثِقَ تحت هذه الظروف –وهو يَرى كذلك إنجازات المُنظمات الصهيونية المُسلحة على الأرض ، ويرى بأُمِّ عينيه الإمكانات المُتَوَفِّرة لديها – بأن بِضع آلاف من متطوعي سَرايا “الجِهاد المُقَدَّس” حَديثة التّشكيل، ومُتطوعي كتائب “جيش الإنقاذ” المُشكَّلة حديثاً أيضاً من العرب، والتي دَخَلَتْ أرض فلسطين لأول مرة قبل أسابيع قليلة فقط من المَعارِك التي وَجَدَتْ نَفْسَها تَخوضها ، بالإضافة الى رَداءة أنظمة إتصالاتها وإعلامها ورَداءة تَجهيزاتها وتَسليحها وتَنظيمها وتَخطيطها ، وفَشلها في تحقيق إنجازات على الأرض ذو معنى ووزن تُعيدُ ثِقَة الجُمهور بها وبقُدراتها على حِمايَته ودَحْرِ أعدائه،
أقولُ مَرّة أُخرى كيف له ، أي للجمهور الفلسطيني –وقد وَصَلتْ أيضاً الى مَسامِعه خُذلان كل من “اللجنة العسكرية العربية” في دِمَشق ، و”فوزي القاوقجي” قائد جيش الإنقاذ المُرابِط في القطاع الأوسط من فلسطين لعبد القادر الحسيني ومَطالبه بالدَّعم – أن يَضَعَ ثِقَته بوحدات “جيش الإنقاذ” التي زُجَّ بها في أتون معركة غير متكافئة لا عَدَداً ولا عُدّةً ، وأنْ يَرْهن مَصيره بإنجازات تَصبوا قوات هذا الجيش بقواته القليلة العدد ورديئة التجهيز لتحقيقها ..؟!
ومن ذلك أستنتج بأن الظّرف الذي كان سائِداً في فلسطين ، قد وفَّرَ بيئةً خَصْبَة لكل الخائفين أو المَرعوبين أو المُترددين او حتى المُتواطئين ، لترويج موقف “النّأي بالنّفس” من خلال عَمَل ” الـمُهادَنات ” مع سُكّان عدد من المُستوطنات / المُستعمرات المُجاورة لقُراهم لدرء مخاطر مُواجهة مَحسومة النّتائج ، آملين أنَّ ذلك سَيُوَفِّر أساساً لحِماية قُراهم من التّعرض لمَخاطر الإخلاء أو التهجير القسري ، والتدمير والإزالة أو اعمال الإبادة.
يَجِبُ أن لا يُفْهم من كلامي أعلاه أني أُرافع هنا عن المَوْقف الذي إتخذه هؤلاء المَخاتير ، لكن التزام الموضوعية تُمْلي
علي أن أُشير إلى تلك الظروف التي كانت سائدة آنئذٍ والتي لا تُشيع في الأجواء إلا الإحباط والخُذْلان، وتُنْذِر بالوُصول الى النّهاية الكَئيبة مع مَوعد إنتهاء الإنتداب / الإحتلال البريطاني لفلسطين والذي هو ، في الحقيقة ، مَوْعد تَسليم سُلطات الإنتداب البريطاني فلسطين عَمَُلِيّاً للحركة الصهيونية في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، وتَسهيل مُهِمّات منظماتها الإرهابية المُسلحة في تنفيذ التّطهير العِرْقي الواسع النطاق في فلسطين إبتداء من الأول من نيسان ١٩٤٨، –بالتّنصل من و/ أو خِيانة كافة التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني– وتَحويل الجُزْء الأكبر منه إلى لاجئين داخل فلسطين وخارجها في مُخيمات اللجوء وفِي بلدان الشتات .
وإذا كُنّا نَحكي في هذا المَقام عن الطّابع العُنصري الفاشي للحَرَكة الصّهيونية ومَشروعها في فلسطين ، وعن أساليب الإرهاب والتطهير العِرْقي التي اتبعتها في سبيل تحقيق هدفها المرسوم في إقامة ما أسْموه ” وطن قومي لليهود ” في فلسطين ، أي دولة ” الچيتو اليهودي الرّاقي “، او دولة ” الأبارتهايد والكيان العُنصري الإستيطاني”، ، وإذا كنّا نَسْعى إلى فَضْح هذا الطّابع أمام الرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني واليهودي ، فإن ما قامت به المنظمات الإرهابية الصّهيونية المسلحة في قريتي ” دير ياسين ” و ” ابو غوش ” ، يُوَفِّر ، حتى هذه اللحظة، و يقدم لنا ِ وللعالم مِثالاً صارخاً للتطهير العرقي النموذجي الذي نَفّذه الإرهابيون الصهاينة، بحق تلك القريتين وسُكانهما ضارِبين بعَرْض الحائِط علاقات الجيرة التي تولَّدَتْ ، وإتفاقيات المُهادَنة وعَدَم الإعتداء المُتبادَل التي عقدها مختارا القريتان المَذكورتان مع قادة مُستوطنة/ مُستعمَرة ” جفعات شاؤول ” المُقامة بالقرب من القريتين منذ عام ١٩٠٦.
ولعل ما أورده ناصر السّهلي من كوبنهاچن من تحقيق صحفي حول “دير ياسين” ، يَصْب في مجرى الرِّواية التي ننقلها ، فهو من كَتَبَ قائلاً :
“بمبادرة من لجنة الصداقة الفلسطينية الدانماركية ، إنطلقت فَعاليات الذكرى الـ60 للنّكبة الفلسطينية من مدينة آرهوس لإحياء ذكرى مذبحة “دير ياسين” التي وَقَعَت في التاسع من أبريل/نيسان 1948.
وحَمَلَت الفعاليات، التي بدأت الأربعاء وتستمر حتى 15 مايو/أيار القادم في السّاحة الكبيرة وسط المدينة وأمام الكاتدرائية الكبرى، شعار” كفى 60 عاما من الشّتات.. أربعة أجيال عاشَتْ في المُخَيَّمَات وحانّ الوَقت لتنفيذ حق عَوْدَتهم”.
ورُفِعَ العَلمَ الفلسطيني واللافتات -التي تدعو إلى إزالة جِدار الفَصْل ومَنْح فلسطين الحُرِّية الكامِلة- في المعرض الذي أُقيمَ في الهَواء الطَّلق عن النّكبة الفلسطينية، وتَحَلَّقَ حَوْله الدَّانماركيون ، وهم يَرْتَدون الكوفية الفلسطينية ويَرْفعون العَلَم الفلسطيني.
وفي كَلِمِة مُمَثِّلِة لُجنة الصّداقة الدانماركية الفلسطينية، أسْتَذْكَرَتْ “أيبن بوندسغوورد” ما جرى في مذبحة “دير ياسين”، وقالت إنها “لا يمكن أن تُمْحى من الذّاكرة الإنسانية مَهما مَرَّ من الزّمن”.
وهَتَفَ الحُضور لحُرِّية الشّعب الفلسطيني مُنَدِّدين بالسياسات الغَرْبِيّة الصّامِتة على ما تّقترفه إسرائيل منذ نَشْأَتها من مَذابح وتَطهير عِرٍقي، حَسبما عبر عنه الحضور من كل الأعمار.
مجازر عديدة
وفي مساء اليوم نَفْسه، عُقِدَت في ذاتِ المَدينة مُحاضرة للكاتب والمؤرخ الدانماركي كارلو هانسن المُتَخَصِّص بقضايا الشرق الأوسط حيث أكد أن “دير ياسين” “كانت الشّرارة والمَثَل الحَيِّ لكيفية تَهجير الشعب الفلسطيني عن أرضه”.
وذكر المؤرخ الدانماركي أنه زار “دير ياسين” قبل ثمانية أعوام، مشيراً إلى أنها تَحَوَّلَت إلى مُسْتَعمرة “غيعفات شاؤول” رغم أن آثارها الفلسطينية لا تَزال واضِحة للعَيان على البيوت المُتَبَقِّية والمَسجد.
وعَدَّدَ المُؤرخ الدانماركي -الذي سَبَقَ أن تَعَرَّض لحَمْلة مُضايقات من اللوبي اليهودي بسبب كتاب أعده عن فلسطين بعنوان “أرض الصُّبّار”- المَذابح الإسرائيلية الشَّبيهة قائلا إن أكثر من 33 مَذْبَحة جَرى توثيقها، معتبراً أنها “تَطهير عِرْقي وجَرائم حَرٍب بكل ما تَعنيه الكلمة”.

كارلو هانسن قال إنه لا مستقبل لإسرائيل في المنطقة (الجزيرة نت)
مُسْتقبل غامِض لإسرائيل
وفي مَعْرَض رده على أسئلة الحُضور عن الموقف الغَرْبي من هذه المُمارَسات، قال هانسن:
“إنَّ الغَرْب لا يزال يَكْذِب في مَسألة أنَّ إسرائيل ضَرورية لحِماية اليهود في العالم، وهو يَكْذِب حين يُرَدِّد بأن تدمير 500 قرية فلسطينية وتدمير 125 ألف منزل في 1948 و18 ألفا منذ 1967 ضَرورة لحِماية أمن إسرائيل”.
وذهب هانسن إلى القول بأن التّطهير العِرْقي ضد الفلسطينيين لم يتوقف في يوم من الأيام، وأن إسرائيل تبحث عن الفُرْصة السّانحة للتّخلص من الفلسطينيين لإثبات كذبة شِعارها “أرضٌ بلا شَعُب لشَعْبٍ بلا أرض”.
وكَشَفَ المُؤَرِّخ الدانماركي أنَّ إسرائيل أقامت منذ تأسيسها مُعسكرات شبيهة بمُعسكرات الأعتقال النّازية وبشكل سِرّي حتى 1955 حيث ضمت تلك المعسكرات 5000 فلسطيني من سن العاشرة حتى سن الستين، وأن هؤلاء كانوا يُجْبَرونَ على نَقْلَ الحِجارة لبِناء مُستعمرات يَهودية على أنقاض قُراهم العربية، مُوَضِّحاً أن المُفارقة العَجيبة هي أن حُرّاس المُعَسكرات كانوا من اليهود الألمان.
وفي حديث مع “الجَزيرة نِتْ” عن مُستقبل الصراع، قال كارلو هانسن :
“إسرائيل تدرك أن إقامة دَوْلة فِلسطينية يعني نِهاية مَشروعها.. وهي في صِراع ديمغرافي لا يُمكِن أن تَنتصر فيه ، وهي إلى زَوال رَغم كل ما تَقوم به”.
وأضاف:
“ربما نَشهد في عَشْرة أعوام تبدلاً دراماتيكياً منهكاً للمَشروع الصّهيوني، ولستُ مؤمناً بأنّهم يَسعون للسّلام أبداً”.
وسألته “الجزيرة نِتْ” عن واقِعِيّة قِراءته لمُستقبل إسرائيل ، فَرَدَّ “هانسن” مُستعيناً بالكاتب الإسرائيلي الفرنسي “ميكائيل وارشافسكي”، بأنّه وغَيْره من الإسرائيليين مُقتَنِعونَ بأنَّ إسرائيل في طَريقها نحو الأُفول بفعل الصِّراعات الدّاخلية ، وبفِعْل صُمود ومُقاوَمة الشعب الفلسطيني الذي صَدَمَ الحَرَكة الصّهيونية في عَدَم إستسلامه رَغم الثّمن الباهِظ.”
أما “الجزيرة نِتْ” ، فقد ذَكَرَت في تغطيتها لذكرى المذبحة ما يلي :
“……واستذكر المُرْشِد إغبارية الإتفاقية من نهاية 1947 بين أهالي “دير ياسين” وبين مُستوطنة “جفعات شاؤول” المُجاوِرَة والتي تَنُص على عَدَم الإعتداء المُتبادَل،..” وتابع أنَّ “هَذِهِ الإتفاقية لَمْ تَشْفَع لأهالي ‘دير ياسين’ بعدما أخَلَّت ‘جفعات شاؤول’ بها”.
ويقول مُؤَسِّس مُنظمة “زوخروت” إيتان بورشطاين:
” إنَّ زيارة المَكان تُعَزِّز إنسانيته وتُتَرْجِم قَناعته بضَرورة الإعتراف الإسرائيلي بالنّكبة“.
وأضاف:
“تَغْمُرُني الذِّكريات والمَشاعر القاسِية دائماً، وما يُغيظُني هُنا أنَّ إسرائيل حتى اليوم لم تعترف بالمَذْبَحة وتواصل طَمْس الذكرى“.
يُشار إلى أن إسرائيل بَنَتْ على أراضي “دير ياسين” مُستوطنتي/ مُستعمرتي “جفعات شاؤول” و”هار نوف” التي يَسْكنها كبير حاخاماتها “عوفاديا يوسف”، بينما تَستَخدِم مَنازِل مَركز القرية كمُستشفى للمَجانين.
ورَدّاً على سؤال “الجزيرة نِتْ”، يقول “بورشطاين”:
“أَتَوَقّع من “عوفاديا يوسف” -كرجل دين على الأقل- أن يُنَدِّد بإستمرار إنتهاك حُرْمِة مقبرة “دير ياسين”، والمُشارَكة في مَسيرتنا إلى القرية المدمرة، وتَعليم المَذْبَحة في خُطَبِه الدينية“.
ويؤمن “بورشطاين” الذي أسّس “زوخروت” عام 2002، أن مُساهمته في تَعميم “الرواية التاريخية الفلسطينية” تَنِمُّ أولاً عن دوافع إنسانية، عدا عن كونها مصلحة إسرائيلية.
وتابع “بدون اعتراف إسرائيل واليهود بالنكبة وتَحَمُّل مسؤوليتها، لَنْ تَكون هناك مُصالَحة.. كما أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم حاجة إنسانية، فإنها أيضا مصلحة فلسطينية وإسرائيلية في نفس الوقت“.
وأخيراً ، أعاود القول ، بأن لدينا مادة إعلامية ذات قِيمة هائِلة ومُذهِلة ، وتَحتاج لِمَنْ يَستثمرها على نحو سَليم بما يَخْدِم قضية هذا الشعب العربي الفلسطيني المُعَذَّب ، وبما يُحَرِّر يَهود فلسطين ، ويَهود العالم من هيمنة الصهيونية والفكر العنصري الصهيوني عليهم ، وبما يُحَقِّقُ العَدالة لشعب فلسطين ، وللأحرار من يهود فلسطين الذين يقبلون مبدأ التعايش على قاعدة الإعتراف بالمسؤولية عن النكبة ، ومن أجل إحقاق حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض ، وإسقاط حكم الأبارتهايد ، والفصل العنصري ، وازالة الكراهية و جدار الفصل العنصري ، وبناء الدولة الديمقراطية العلمانية في أرض فلسطين كلها للشعب الفلسطيني بمكوناته كلها أيضا بمن فيهم من الأحرار اليهود المعادون للصهيونية .
وللحديث بقية .