الأربعاء الموافق ٢١ شباط ٢٠١٨
في يَومية ” الأحد ” الماضي ، أي في ١٨ شباط ٢٠١٨، تَعَرَّضْنا لأحداثٍ وَقَعَتْ في مَدينة ” طبرية ” ، وقُلنا بأن الهُجوم على المدينة بدأته “الهاچاناه” في يوم ٨ نيسان ١٩٤٨ ، أي قبل يوم واحد من المَذْبَحة التي نفّذتها “الإرغون” بمساندة “الهاچاناه” في قرية ” دير ياسين “، وفِي نَفْس اليوم الذي إستشهد فيه القائد “عبد القادر الحسيني” أثناء مُحاوَلته إسترداد قرية ” القَسْطَل ” ، وطَرْد إرهابيي “الهاچاناه” مِنْها .
أدّى الهُجوم الذي شنّته “الهاچاناه” على “طَبَرِيّة” إلى إندِلاع إشتباكات ما بين سُكّان المَدينة من الفلسطينيين العَرَب ، والسُّكّان اليهود في المَدينة. وقد ذَكَرنا في يَوْمِيّة الخميس المُوافق ١٥ شباط ٢٠١٨، بأنَّ القُوّات البَرِيطانيّة المُرابِطة في المَدينة لَمْ تَتَمَكّن من وَقْف تلك الإشتباكات .
وذَكَرنا أيضاً بأنّه وفِي يوم ١٢ نيسان ١٩٤٨، طَوَّرت “الهاچاناه” هجومها على “طَبَرِيّة” عَبْر قيامِها بإحتلال قرية ” خِرْبِة ناصر الدين ” وتلة ” الشّيخ قَدّومي ” اللتان تُسيطران على “طَبَرِيّة” مِنْ أعلى المُنْحَدَرَات “،وأنها قامَت بعد ذلك بقَطْعِ الطّريق بين “طَبَرِيّة” وقرية ” لوبيا ” العربية الكبيرة ” وأنَّ ذلك الهُجوم أدّى الى مَقْتَل عَرَب مَدَنيين وتَدْمير بِيوت عَرَبِيّة ، وإلى فَرار مُعظم سُكَّان قَرْيِة ” خِرْبِة ناصر الدين ” الى “لوبيا” أو إلى “طَبَرِيّة” ، ومن تَبَقّى مِنهم ، أُخْلِيَ فيما بَعْد على يَدِ البَريطانيين “.
على إثر هذه الهَجَمَات على ” طَبَرِيّة “، خاطب “جَمال الحُسيني” ( الهيئة العربية العليا لفلسطين ) الأُمم المتحدة في ١٥ نيسان ١٩٤٨، وأبْلَغَها بما تَتَعَرَّض له “طَبَرِية” ، وأنَّ يَهود المَدينة ( وكان عَددهم نحو سِتّة آلآف نَسَمَة) يُرْغِمون سُكّان المَدينة الفلسطينيون العَرَب ( وكان عددهم نحو أربعة الآلاف نَسَمَة ) على إخلاء المدينة .
وقد ثَبَّتَ هذه الواقِعة المُؤَرِّخ الإسرائيلي بني موريس في كتابِه ” طَرْد الفلسطينيين وَوِلادة مُشكلة اللاجئين “.
وفِي تَطَوُّرٍ مُفاجِىء ، وعلى الأغلب بتواطؤ ، أعلن البَريطانيون في يوم ١٨ نيسان ١٩٤٨ أنّهم سَحَبوا قُوّاتهم من المَدينة بدون تَنسيق مع اللجنة “الخماسية الدولية” المُنصوص على تَشكيلها في “قرار التقسيم” ، ولا مع سُكان “طَبَرِيّة” العَرَب. وبذلك ، تُرِكَ سُكّانها الفلسطينيون العَرَب لأقدارِهِم في مُواجهة إرهابيي “الهاچاناة” الذين كانوا في المدينة ، وكذلك في مُحيطها بعد سَيطَرَتِهم على ” خِرْبِة ناصِر الدين ” و ” تَلّة القَدّومي”.
أَعطى هذا التَّطَوُّر الإشارة إلى قُوّات “الهاچاناه” بالتّحرك لمَلىءِ الفَراغ الذي تَرَكه الإنسحاب المفاجىء للقوات البريطانية من المَدينة ، وبالفِعْل ، تَمَكّن إرهابيوا هذه القوات من إحتلال المَدينة في نفس اليوم أي في ١٨ نيسان ١٩٤٨ ، وإرعاب سُكّانها ، وحَمْلِهم على الفرار منها.
وبذلك ، وما بين يوم الثلاثاء ( الثامن من نيسان ) ويوم الجمعة ( الثامن عشر من نيسان ) من العام ١٩٤٨ ، تَكون مَدينة “طَبَرِيّة” ، وهي المَدينة التي تقع في الجَليل الشرقي على ضِفاف بحيرة ” طَبَرِيّة “– (ضِمْنَ المَنْطِقة المُخَصّصة في “قرار التقسيم” لـ “الدولة اليهودية”)– هي المدينة العربية الاولى التي تتمكن المُنظمّات الصّهيونية الإرهابية المُسَلّحة من إحتلالها وطَرْد سُكانها في إطار الخُطّة التي وَضَعَتها لإحتلال فلسطين و “تَطهيرها عِرْقِيّاً ” من سُكّانها الفلسطينيين والمعروفة بالخطة (د) [دالت].
كان “قرار التقسيم” (١٨١) الصّادر عن ‘الجمعية العامة’ للأُمم المُتَّحِدّة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ قد إقتضى تشكيل “لجنة خماسية دولية” مُناط بها مهام مختلفة، منها ما يلي :
” • تُؤَلَّف لُجنة مُكَوَّنة من مُمَثِّل واحد لكل دولة من خمس دُوَل أعضاء. وتَنْتَخِب ‘الجمعية العامة’ الأعضاء المُمَثَّلين في ‘اللجنة’ على أوسع أساس مُمكِن، جُغرافياً وغير جغرافي.
• في الوَقٍت الذي تَسْحَب فيه السُّلطة المُنْتَدَبة قُوّاتها المُسَلَّحة، تُسَلَّم إدارة فلسطين بالتّدريج إلى ‘اللجنة’ التي ستعمل وفق توصيات ‘الجمعية العامة’ بتوجيه ‘مجلس الأمن’. وعلى السُّلطة المُنْتَدَبَة أن تُنَسِّق إلى أبعد حد ممكن خُططها للإنسحاب مع خُطط اللجنة لتَسَلُّم المناطق التي يتم الجلاء عنها وإدارتها.
• في سبيل تنفيذ هذه المسؤولية الإدارية تُخَوَّل ‘اللجنة’ سلطة إصدار الأنظمة الضرورية واتخاذ الإجراءات الأخرى كما يقتضي الحال.
• على السُّلطة المُنْتَدَبَة ألا تقوم بأي عمل يحول دون تنفيذ اللجنة للإجراءات التي أوصت بها ‘الجمعية العامة’، أو يعرقله، أو يؤخره.
• تمضي ‘اللجنة’ لدى وصولها إلى فلسطين في تنفيذ الإجراءات لإقامة حدود ‘الدولتين العربية واليهودية’ و’مدينة القدس’ بحسب الخطوط العامة لتوصيات ‘الجمعية العامة’ بشأن تقسيم فلسطين.
على أنَّ الحُدود المَوْصوفة في الجزء الثاني من هذه الخُطّة يجب تعديلها كقاعِدة بحيث لا تُقَسِّم حُدود الدولة مَناطِق القُرى ما لَمْ تَقْتَضِ ذلك أسباب مُلِحَّة.”
وكذلك :
“• في أثناء الفَتْرة ما بين تبني ‘الجمعية العامة’ التّوصيات المُتَعَلِّقة بمسألة فلسطين وبين إنهاء الإنتداب، تَحْتَفظ السُّلطة المُنْتَدَبَة في فلسطين بالمسؤولية التامة عن إدارة المَناطق التي لم تَسْحب منها قَوّاتها المُسَلَّحة، وتُساعد ‘اللجنة’ السُّلطة المُنْتَدَبَة على تنفيذ مهماتها.
………”
“• ولضَمان إستمرار الخَدَمات الإدارية، ولضَمان إنتقال الإدارة برمتها -لدى إنسحاب القُوّات المُسَلَّحة للسُّلطة المُنْتَدَبَة- إلى المَجْلِسَين المُؤَقَّتَين والمَجْلِس الإقتصادي المُشْتَرَك بالترتيب، العاملة تحت إشراف ‘اللجنة’، يجب أن تنتقل بالتدريج -من السُّلطة المُنْتَدَبَة إلى ‘اللجنة’- مَسؤولية جميع مهمات الحكومة بما فيها المُحافظة على القانون والنِّظام في المَناطق التي إنسحبت منها قُوّات الدولة المُنْتَدَبَة.
• تَسترشِد ‘اللجنة’ في أعمالها بتوصيات ‘الجمعية العامة’، وبالتعليمات التي قد يرى ‘مجلس الأمن’ ضرورة إصدارها.
• تُصبح الإجراءات التي تتخذها ‘اللجنة’ -ضمن توصيات ‘الجمعية العامة’- نافذة فوراً ما لم تكن ‘اللجنة’ قد تَسَلَّمَتْ قبل ذلك تعليمات مضادة من ‘مجلس الأمن’. وعلى ‘اللجنة’ أن تقدم إلى ‘مجلس الأمن’ تقريراً كل شَهر عن حالة البلاد، أو أكثر من تقرير إذا كان ذلك مرغوباً فيه.”
وأيضاً:
” • تَمضي ‘اللجنة’ لدى وصولها إلى فلسطين في تنفيذ الإجراءات لإقامة حدود ‘الدولتين العربية واليهودية’ و’مدينة القدس’ بحسب الخطوط العامة لتوصيات ‘الجمعية العامة’ بشأن تقسيم فلسطين. على أن الحُدود الموصوفة في الجزء الثاني من هذه الخُطّة يجب تعديلها كقاعدة بحيث لا تُقَسِّم حُدود الدولة مَناطق القُرى ما لَمْ تقتضِ ذلك أسباب مُلِحّة.
• تَختار ‘اللجنة’ وتُنْشِئ في كل دولة بأسرع ما يمكن، بعد التشاور مع الأحزاب الديمقراطية والمنظمات العامة الأخرى في ‘الدولتين العربية واليهودية’، مجلس حكومة مؤقتاً، وتسير أعمال مَجْلِسَي الحكومة المؤقتين العربي واليهودي بتوجيه ‘اللجنة’ العام.
• إذا لَمْ يكن في الإمكان إختيار مجلس حكومة مُؤَقَّت لأي من الدولتين في 1 أبريل/ نيسان 1948، أو إذا إنْتُخِبَ (المجلس) وَلَمْ يَستَطِع الإضطلاع بمُهماته، فعلى ‘اللجنة’ أن تبلغ ‘مجلس الأمن’ بالأمر ليتخذ إزاء هذه الدولة التدابير التي يَراها ملائمة، كما تبلغ ‘الأمين العام’ به كي يحيط أعضاء الأمم المتحدة عِلْماً بذلك.
• مع مراعاة نُصوص هذه التّوصيات، يكون لكل من المَجلسين في أثناء فترة الإنتقال -بإشراف ‘اللجنة’- كامل السُّلطة في المناطق التابعة لها، وبنوع خاص السُّلطة في القضايا المتعلقة بالهِجْرة وتنظيم الأراضي.
• يتسلم بالتدريج كل من المجلسين المؤقتين في كل دولة من ‘اللجنة’ التي يَعملان تحت إشرافها، كامِل التَّبِعات الإدارية لكل منهما خلال الفَترة التي تَنقضي بين إنهاء الإنتداب وتَثبيت إستقلال الدولة”.
وبخصوص اعتراف الامم المتحدة بالدولتين ، نَصَّت أحكام قرار التقسيم على :
“عندما يُصبح إستقلال ‘الدولة العربية’ أو ‘اليهودية’ نافذاً -كما هو منصوص عليه في المشروع الحاضر- ويكون البَيان والتّعهد المَنصوص عليهما في هذا المشروع قد وُقِّعَا من قِبَل الدولة، يصبح عندئذ من المُلائم أن يُنْظَر بعين العَطْف إلى طَلَب قُبولها عضواً في الأُمم المُتّحدة طِبْقا للمادة (4) من ميثاق الأمم المتحدة.”
وحول توزيع مَوْجودات ” فلسطين ” بين الدّولتين ، تَنص أحكام القرار على :
• “تُوَزَّع أموال إدارة فلسطين المَنْقولة بين الدولتين ‘العربية’ و’اليهودية’ و’مدينة القدس’ على أساس عادل، ويجب أن يجري التّوزيع بواسطة لجنة الأمم المتحدة المذكورة في القسم (ب) بند (1) أعلاه، وتُصبح الأموال غير المَنقولة مِلْكاً للحُكومة التي توجد هذه الأموال في إقليمها.
وحول الهيئة المفوضة بحلِّ النِّزاعات حول تنفيذ القرار ، ورد ما يلي :
•”نزاع مُتَعَلِّق بتطبيق أو تفسير التعهد وأية اتفاقية صادرة عنه يرجع فيه -بناء على طَلَب أي من الفريقين- إلى مَحْكَمة العَدْل الدولية، ما لم يتفق الطّرفان على وسيلة أخرى للتسوية.”
كما عَرَّفَ القرار الفَتْرة الإنتقالية كما يلي :
” • تكون الفترة بين تبني ‘الجمعية العامة’ توصيتها بشأن مسألة فلسطين وتوطيد إستقلال ‘الدولتين العربية واليهودية’، فترة انتقالية.”
وبالرّغم من الإجحاف الهائِل في أحكام “قرار التقسيم” بحقوق الفلسطينيين العرب ؛ أصحاب الأرض ، وسكّان البلاد الأصليين الذين كانوا عند صدور “قرار التقسيم” يُمَثِّلون ما نسبته ثلثي سكان البلاد بما فيهم المُهاجرين اليهود المُقيمين على أرضها ، ويملكون اكثر من (٩٠٪) من الأرض ، فإنَّ الأُمم المتحدة – التي تبنت جمعيتها العامة قرار تقسيم فلسطين وإنشاء دولتين على تُرابِها ومَنَحَت اليهود الذين سَمَحَت ” عُصْبة الأُمم ” و ” الدولة المُنْتَدَبَة ” بالهجرة اليها والإقامة فيها ما نسبته (٥٥،٥٪) من مساحة فلسطين الإجمالية ، وإقتطعت لاؤلئك المُهاجرين أفضل مناطق فلسطين لإقامة دولة يهودية فيها – ،
أقول ، فإن تلك المُنظمة الدولية لَمْ تَحْتَرِم حتى أحكام القرار -الجائِر بحق شعب فلسطين – الذي أصدرته ، ولم تَفْعَل شيئاً إزاء عملية التطهير العرقي المُمَنْهَج الذي إتبعته ‘الوكالة اليهودية’ ومُنظماتها الإرهابية المسلحة ، لفرض أمر واقعٍ جديد لا يُعِيْر أي اهتمام ولا يُقيم أي وزن لقرارات الشّرعية الدولية ( قرار التقسيم ) ، وتَرَكَتْ لبريطانيا تنفيذ إنسحابها دون نقل سُلطاتها لـ “اللجنة الخماسية الدولية” ، وسَمَحَت للمُنَظّمات الصهيونية الإرهابية المُسَلّحة لمَلىء الفراغ الذي تركه الإنسحاب البريطاني ، ولتنفيذ التطهير العرقي بطَرٍد الجزء الأكبر من سُكّان البلاد وتعذيبهم وقَهرهم بتحويلهم الى لاجئين ، داخل فلسطين ، وخارجها وحتى الساعة هذه.
لقد رأيت أن أنقل في هذه “اليومية” عدداً من أحكام قرار التّقسيم لتِبيان مدى تَقصير المُنظمة الدولية ، والدولة المُنْتَدَبَة واللجنة الخُماسية المَنصوص على تَشكيلها في القرار بما التزمت به في “قرار التقسيم” .
هذا القرار الذي رَفَضَته قَبْلَ وبَعْدَ صُدوره ” الهيئة العربية العليا لفلسطين ” ، ورَفَضَته دول “جامعة الدول العربية” السبعة ( سوريا، لبنان، العراق، ، الاردن ، السعودية، مصر ، اليمن ) ، ورَفَضَته كذلك الشعوب العربية ، وطالَبَت حكامها وحُكوماتها بإجهاضه ، في حين قَبِلَته “الوكالة اليهودية” وإعتبرَته مَنَصّة للإنطلاق منه لتحقيق مشروعها الكُلّي في الإستيلاء على فلسطين ، وطرد سُكانها وإقامة كيانها العنصري الكولونيالي فيها .
وبالرغم من الرّفض الفلسطيني والعَرَبي لهذا القرار ، فإنه لَمْ يُلغَ ، وبَقِيَ قائماً حتى الساعة هذه أيضاً !؟ .
كانت هذه التطورات تَجري في طبرية ، في ذات الوقت ( أي في ١٨ نيسان ) التي كانت فيه قوات “الهاچاناه” تشن هجوماً على مدينة “صفد “، وتتعرض فيه ” حيفا ” و ” يافا ” و ” القدس ” وغيرها من البلدات والقرى العربية الفلسطينية لمزيدٍ من الهجمات الإرهابية الـمُنَسَّقة.
وللحديث بقية …؟!