Menu Close

مع خالد نزال … الغائب الحاضر

٧ حزيران ٢٠٢٠

في يومٍ ما من أيام أحد أَشْهُر النِّصف الأول من عام ١٩٦٩، وكُنتُ حينها مُكلفا بإدارة شؤون المكتب الرئيسي لـ” الجبهة ” الذي كان قائما في شارع جانبي ضيق بالقُرْب من دُوّار ” مكسيم ” في جبل الحسين في عَمّان ،وكان الوقتُ ظُهراً ، والشمس تَشِعُّ حَرارةً ، دَخَلَ الى مكتبي في المبنى المستقل المؤلف من طابق واحد ، رَجُلٌ كَبير السن ، ذو قامة فارعة ، ووجه مُضيء ببياض وَرْدي اللون . كان في لباسه الوطني الفلاحي الفلسطيني الأبيض المُخَطَّط بخطوط سوداء ، وعلى رأسه تَرْبُض ” الحَطّة ” الفلسطينية البَيضاء مُتَوَّجه بِعِقالٍ أسود …أقولُ دَخَلَ إلى الغُرْفة ، وكان إلى جانبه ” أبو العُمَرينْ “، وهو شاب فلسطيني قَدِمَ من أحد مُخيمات لبنان والتحق بالجبهة مقاتلاً في صُفوفها، وكان يَقوم بواجِبه في حِراسة المَكتب في ذلك الوَقت .بادَرَني الرَّجُل قائلا بلهجة فَلاّحيّةٍ مُمَيَّزة ؛ أنا أبو خالد … ! أُريدُ أن أراه . قُلتُ له : خالد ..؟ مَنْ خالد ؟ هناك كثيرون باٌسم خالد…!قال: ما بتِعْرِفُو …؟! ، خالد ،إبني خالد ..! أنا أبوه ..! قُلتُ له ، وقد تركتُ مَكتبي ، وسَحبت كُرْسِيّاً خَشَبِيّاً : ياحَجْ … أُقْعُد .. أُقْعُد … هادا الكُرْسي إلَك ،… !قال : لأ ، أنا مش كاعد … بِِدِّي إبني … بِدِّي خالد… قُلتُ : نَعَم يا حَجْ، سَنُحضِر خالد … لكن مين خالد ..؟جلس الرجل على الكرسي ، تَنَهَّد وقال : أنا أبوه ، أنا أحمد نزّال … أنا جاي من ” كباطية “…هلأ وصِلِتْ….! صِحتُ قائلاً : أهلاً حَجْ … أهلاً حَجْ … ،إجلِسْ ،.. دَعْني أَجيبلكْ “كُباية مَيِّه”، إرتاح ،.. سُأحضِر لك خالد…!
كان خالد نزال من أوائل من التحق بصفوف الجبهة لا بل من مؤسيسيها … تعرفنا على بعضنا البعض بعد ان كنت قد تركتُ دراستي الهندسية في جامعة القاهرة ، والتحقت أنا وصديقي الحميم الفقيد “علي الشُّولي” الذي كان يَدْرُس الهندسة الميكانيكيه في جامعة عين شمس ، ضِمن المجموعات الأولى من طلبة الجامعات المصرية التي تركت دراستها والتحقت بتنظيمات حَرَكة المقاومة الفلسطينية في الاردن بعد هزيمة الجُيوش والأنظمة العَرَبية في حَرْب حزيران ١٩٦٧. كان سُقوط الأراضي الفلسطينية في الضِّفة الغربية والقدس في قلبها ، وقِطاع غَزّة في قبضة قوات الإحتلال الإسرائيلي يعني أن فِلسطين كلها من بحرها الى نهر الاردن قد وقعت تَحْتَ الإحتلال الكِيان العُنصري الذي أقامته الحركة الصّهيونية العُنصرية في فِلسطين. كان ذلك شيئاً فوق طاقة التحمل ، فترك عَشرات بل مئات الطلبة دراستهم في جامعات مِصْر والتحقوا بالمقاومة .
كان فهمنا للقضية بسيطاً، وكانت معرفتنا للعدو الذي اخترنا أن نُقاتله سطحياً : وببساطة ، فإنَّ فِلسطين هِيَ أرضنا التي اغتصبتها الحَرَكة الصّهيونية العالمية ،وتمكنت بمعونة بريطانيا والقوى الإستعمارية الكُبْرى من احتلال الأرض وإقامة كيان صهيوني فيها ، والسيطرة على الممتلكات ،وطرد الجُزء الاكبر من شعبنا الى خارج فِلسطين وتحويلهم الى لاجئين ، أقامت لهم الأُمم المتحدة مُخيمات لجوء ، حُوصِر َ هؤلاء فيها ، وتُرِكَ لهم مَنفَذ وحيد للعمل وطَلَبَ الرزق والبقاء على قيد الحياة تمثل في فتح ابواب السعودية ودُوَل الخليج لاستقبالهم ، أمّا منفذ العَمَل لتحرير الأرض وإعادة اللاجئين الى الوَطَن او السعي لذلك ، فقد صادرت الدُّوَل العَرَبية المُحيطة بفِلسطين هذا الحق حتى العام ١٩٦٤بما في ذلك حق تمثيل الفلسطينيين واعتبرت تَحْتَ شعار أنَّ القَضية عَرَبية ، ان التحرير وإعادة اللاجئين هِيَ مُهِمّة هذه الدُّوَل ، وأن على الفِلسطينيين الانتظار . أمّا البيوت والممتلكات ، فقد اعتَبَرَتها دولة الكيان الصهيوني “أملاك غائبين” ، واعتبرت أن اللاجئين هم بحكم الغائبين، وكأن اللجوء كان بإرادة مَنْ طُرِدوا او دُفعوا لمغادرة الوَطَن.
كان ذلك فهمنا للقضية ، وان تحرير فِلسطين واعادة اللاجئين إليها يتحقق من خلال حَرْب التحرير الشعبية . أمّا ما هِيَ استراتيجية العَمَل لتحقيق ذلك ، وما برنامج النِّضال وسياساته ، فكان عمومياً . فلَم نكن نمتلك فهماً عميقاً للحركة الصّهيونية ، ولا للكيفية التي انتهجتها في بناء ” دَوْلة اليهود ” في فِلسطين ، ولا الى طريقة تحرير الارض واعادة اللاجئين سوى الشعار العام المتمثل في المقاومة وحَرْب التحرير الشعبية .
لنعد الآن الى الحاج أحمد نزال . كان خالد قِبَل يوم واحد فَقَط في عَمّان . وكُنّا معاً في المكتب نتبادل أطراف الحَديث عِندما دخل فَجأة الى الغُرفة ” أبو مشهور ” و ” ممدوح ” وكلاهما فقيدين الآن. تحدثنا ، واحتدم النقاش على أمرٍ ما . إمتلىء المكتب بقهقهة ” أبو مشهور ” و ” خالد” .تَناولنا قَهوة الصّباح او الظُّهر ، لا أذكر . دعا أبو مشهور خالد لمرافقته الى هضبة الجولان او المَنطقة المشرفة عليها حيث للجبهة قاعدة هناك بقيادة ” ابو مشهور”. وافق خالد . وتحرَّك الرَّكب الى القاعدة.
أخبرتُ والد خالد بأن خالد في إحدى القواعد في الجولان ، وأن اٌستقدامه من هناك الى عَمّان يَستدعي إيصال رِسالة له إما عَبَّر إربد أو عَبّْر دمشق ، وأنَّ ذلك يَستغرق بعض الوقت. لَمْ يأخذ كلامي على مَحْمَل الجَدّ . قال لي : أنا كاعد هون حتي ييجي خالد. قُلتُ له : أنا أُفضل أن تَذهب لزيارة الأقرباء أو الأصدقاء . أُترك لي تلفونك ، أو إتصل بي ، وأنا سأُخبرك عِندما أعرف متى سيعود خالد. قال لي : أنا مْشْ مِتْحَرِّك مِنْ هون. أنا سأنتظر . وفعلا بَقِيَ في المكتب حتى المَساء عِندما حَضَرَ قريبٌ له وأقنعه بالذهاب مَعه الى منزله.قِبَل أن يترك ، قال لي أنه عائد في الصّباح الباكِر ، وأن خالد يجب أن يكون قد حَضَرَ.
أجريتُ الإتصالات اللازمة . لكنّي لَمْ أعرف في ذلك اليوم إذا ما كانَتْ الرِّسالة قد وَصَلَت إلى خالد أم لا. كُنّا ، ورفاق سلاح ، ننامُ في بيت كائن في مَنطقة القلعة في عَمّان . عِندما عُدْتُ الى المكتب في صّباح اليوم التالي لأجد والد خالد أمامي باٌنتظاري . قال لي : وين خالد ؟ .قلتُ له : سأجري الإتصالات الآن . إجلس يا حج في غرفتي واستمع لمكالماتي.أجريتُ الإتصالات التلفونية . أخبروني أن أحدهم اتّجه الى القاعِدة حاملاً رِسالة لخالد تدعوه الى الحُضور الى عَمّان . نَقَلتُ الخبر الى والد خالد . أمضى ساعات طوال يقطع المكتب روحة وجيئة . ومع بُلوغ ساعات بعد الظُّهر دون أخبار عن خالد وموعد وصوله ، انتابه الشك بأنَّ خالد قد يَكون قد مات . كان يأتيني الى حيث أجلس، ويخاطبني بإلحاح، وبصوتٍ خافت : خالد مات ..؟ ! كولولي خالد مات ..!؟ أقاطعه وأقول له : لا خالد حي ، سيأتي بعد قَليل . كان يأخذ كلامي ولا يُصدق ما أقول ، ثم يغيب بعض الوَقت ، ويَعود ويسأل : كولولي ،.. خالد مات …؟ رَيْحوني ، ما تِخفوا عني أخبار ،.. خالد مات ؟ ! أعود للإيضاح له ، أن خالد حي وسيأتي …! ومضى وَقت آخر ،.. واقترب المَساء ، والحكاية تتكرر ،.. وقَلقُ الأب يزداد ،…وفجأة ، إمتلىء المدخل المؤدي للمكتب بالضجيج . وَصَلَت عَرَبة عَسكرية . نزلَ منها عدد من المقاتلين، وكان بينهم خالد . دَخَلَ خالد، وهَجَم على والده يحتضنه ، وسالت الدموع ، وعبطه الأب بشدة ، لا تريد يَداه أن تنفك عن خالد …! كان منظراً مؤثراً لا زال ماثلاً في خاطري ، أمام عَيناي . كان في المكتب حينها رفيقي على الشولي ( سمير ) ترك خالد المكتب مع والده . وتركت المكتب مع سمير . ذَهبنا لنزور صالح رأفت .
استشهد خالد في أثينا في مثل هذا اليوم من العام ١٩٨٦. كان والد خالد لا زال حَيّاً . سَمِعَ بأُذنيه خبر استشهاد إبنه . لو كنتُ حاضِراً ، لقلتُ لأحمد نزال : اليوم فَقَط تَحقَّق حَدْسك . اٌنتظره القَدَر سبعة عَشر عاماً من النِّضال ، بتفانٍ وإيثار ، حتى يتحقق… غادر خالد مسرح الحياة ،.. وبَقِيَتْ حتى تاريخه قضايا الشّعب الذي دفع خالد حياته في سبيلها لَمْ تتحقق بعد ، وبَقِيتْ ساحة الصِّراع مفتوحة على مصراعيها .
خالد … المسيرة ستستمر ، ولكن بقدر اكبر من العَمَل الواعي والكثير من الإدراك والتخطيط .
رفيقك مُضَرْ عَمّان – في ٧ حزيران ٢٠٢٠