Menu Close

إدوارد سعيد وقرار المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر في العام ١٩٨٨ الإعتراف بإسرائيل …؟!

إبْحارْ إسترجاعي مع عبد الله السِنّاوي ( رئيس تحرير جريدة العربي القاهرية ) في حواره التاريخي معإدوارد سعيدالذي أجراه في ٣٠ كانون الثاني ١٩٩٥/ السُؤال الصعب حَول قرارات المحلس الوطني الفلسطيني المُنعَقِد في الجزائر في العام ١٩٨٨ ومسألة الإعتراف بإسرائيل .

سؤال عبدالله السِّناوي :

ولكنْ – واٌسمح لي بهذا السؤال – وافقتَ في دَوْرِة المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر على قَرار الإعتراف بدولة إسرائيل ، الذي أتصور أنه كان المُقَدِّمة الطبيعية لمّا حَدَثَ بعد ذلك في أوسلو .

ألا تَرى ثَمَّةَ مُفارَقة هنا ؟

تساءل َإدوارد : كيف …؟

أردف عبد الله السِّناوي :

عِنْدَما تُقَرِّر بإرادة مُنفَرِدة ، ودون تَفاوُض ، أنْ تعترف بإسرائيل ، في ظِلِّ مَوازين القُوى الحالية ( مَوازين القُوى التي كانَتْ سائِدة في العام ١٩٨٨) ، التي هِيَ بالتأكيد في صالح إسرائيل ، فليس أمامك عِنْدما تبدأ “المفاوضات” سِوى أنْ تُقَدِّم تنازلات أُخرى … أفدح .

جَواب إدوارد سعيد :

رُبّما… ولكنْ، في البِداية عَليَّ أن أُوَضِّح أنني ، على المُستوى السيكولوجي ، لَمْ أتمكن من التّخَلُّص من مَرارِة ضَياع الهَدَف القَديم لمُنظمة التحرير الفلسطينية ، أي إقامة الدّولة الديمقراطية العَلمانية في فلسطين .

ومِنْ هذا المُنْطَلَق ، أقولُ إنه رُبّما كان عليَّ أن أمتَنِع عن التصويت على قَرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام ١٩٨٨،

ولكنني على الرغم من مُوافقتي على هذا القَرار ، فإنني أبديتُ مُعارضَتي العَلَنِيّة للعديد من التّطورات اللاحقة ، فقد أعلنتُ عَدَم موافقتي على ما قام به عرفات في ديسمبر ١٩٨٨، عِندما نَطَقَ في جينيڤ بالعِبارات التي طلبتها مِنه الوِلايات المتحدة ، كشرط لقبول التحدُّث مع مُنظمة التحرير.

بل إنني أبديتُ معارضة أشد ، عِندما أعلن ( عرفات ) في مارس ( آذار ) ١٩٨٩ ، في باريس ، أنَّ الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح بالياً ( Caduc ), وهي الكلمة التي استخدمها آنذاك .

ولكنَّ هذا الذي أقوله الآن مَرْدودٌ عَلَيه بأنّه من السهولة أن نُعيد التفكير فيما مَضى ، ونَستغرِق في تفكيك وإعادة بناء التاريخ ، على النحو الذي يتفق مع رغباتنا النفسية ، خاصة إذا ما كان هذا التاريخ قد مَضى في الإتجاه الخَطأ.

أنا على أي حال أحترم نَفسي ، والتاريخ ، بالقَدْر الذي يَجعلني مُنتبهاً لسذاجة مثل هذا الأمر.

مُنذُ مُنتصف السبعينيات ، أخذتُ أقتنع بصعوبة حرب التحرير في الحالة الفلسطينية، وبالإستحالة العَمَلِيَة لتَحْمِل قِيادة الشّعب الفلسطيني ، بل وقيادة العالَم العربي ، لأعباء حَرْب التحرير .

كما أنني ، كُنتُ ، ورُبّما ما زِلتُ ، مُقتنعاً بأنَّ طبيعة الوُجود الإسرائيلي في فِلسطين ، تَفرِضُ شروطاً مُختلفة عن شُروط النِّضال التحريري الذي تم في الجزائر مثلاً أو في جنوب إفريقيا .

بل أكثر من هذا ، أنا مُقتنع بمقولة لوكسمبرغ :

بأنك لا تستطيع أن تَفْرِضَ حَلَّكَ السّياسي على شعبٍ آخر ضد إرادته ، وأنا كإنسان فلسطيني ، عانى من الحِرمان والسّلب ، لا أستطيع أنْ أقبلَ أخلاقياً إسترداد حقوقي على حساب حرمان الآخر.

أقول كل هذا لأشرح الدوافع التي دَفَعَتني أميلُ الى قناعة أن التفاوض السياسي لتحقيق الدولة المُستقلّة ، هو السبيل المُمْكِن لتحقيق التّحرر الوطني للشعب الفلسطيني ، خاصة وأن هذا الأمر كان يلقى قُبولاً دولياً واسعاً ، شِبه إجماعي ،

كما أنني كُنتُ مُقتنعاً بأن الشّعب الفلسطيني لا تتوفر له ، لا هُوَ ولا قِيادته ، الشروط الضرورية للإنخراط في حربِ تحرير طَويلة الأمد على غِرارِ حَرْب التحرير الڤيتنامبة ، أو الجزائرية مثلاً.

مِنْ هُنا بدا لي ، وفِي مُنتصَف الثمانينات ، أن مُصالَحة تاريخية من نوع تِلكَ التي تَقَدَّمنا بها في دورة الجزائر ، هِيَ مُبادرةٌ إنسانيةٌ شُجاعة يَنبغي على الفلسطينيين القيام بها ، لفتح الطّريق أمام هدف تَحقيق الدولة الفلسطينية ،

إلا أنني ماًكُنتُ أتصَّوَر أبداً أنَّ قِيادة المُنظمة تَتخاذل بهذا الشكل ، الذي تمَّ لاحقاً ، وتَعْجَز هذا العَجْز عن النِّضال في سبيل هذا الذي تَمَّ المُوافقة عليه في الجزائر.

إنَّ “غَزّة – أريحا” تتراجع بِنَا ، عِشرين خطوة على الأقل ، عَمّا قَبِله الفلسطينيون في الجزائر .

وأنا عِنْدما صَوَّتُ في الجزائر ، مُوافِقاً على مَشْروع الدولتين ، لَمْ أكُنْ أتصَوَّر إمكان حُدوث ماًجرى.

ولكنني الآن ، وعلى ضُوء ما تَكَشَّفَ لاحقاً ، أَتَقَبَّل تماماً مُراجعة العديدين لمّا حَدَثَ في عام ١٩٨٨.

أنا لا أَجِد غضاضة في الإعتراف بأنني قد أكون أخطأت بتصويتي آنذاك ، وأن ما كنتُ أراه صَواباً عام ١٩٨٨ لَمْ يَكُن كذلك .

بهذه الطريقة ، نَقَدَ إدوارد سعيد نفسه بعد سِتّة سنوات من تصويته على قرارالمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر الإعتراف بدولة اسرائيل .

<><><><><><><><><><><><><><>

وفي هذا المقام ،أتساءل أنا :

هل كان على المجلس الوطني الفلسطيني المُنعقد في الجزائر في العام ١٩٨٨ ، أن يعترف بأن حَلفِلسطين دَوْلة ديمقراطية عَلمانية واحِدةالذي أعلنه عرفات في كانون الثاني من العام ١٩٦٩ ، هو الحل المقبول للفلسطينيين ، وللمسألتين الفلسطينية واليهودية في فِلسطين ،شريطة تخلّي يَهود فِلسطين عن الصّهيونية العُنصرية ؟

أو

هل كان عليه أن يعترف بقرار التّقسيم رقم ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، بأنّه الأساس للحقوق ، ولحدود الكيانات الثلاثة التي أنشأها القَرار في فِلسطين ( دَوْلة يَهودية ، دَوْلة فلسطينية ، وقُدْس دولية ) ، وأن يُقيم دَوْلة فِلسطين بالإستناد الى أحكام القَرار ذاته ، وفق ذات الأُسس التي تم بموجبها إعلان اقامة الدولة اليهودية في فِلسطين في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، وضِمن الحدود واٌشتراطات قَرار التّقسيم ذاته ،

وذلك بدلاً من لُجوء المُؤتمر الى الإعتراف بإسرائيل كياناً بلا حُدود أو بحدود العام ١٩٦٧،

هذا مع لَفَتَ الانتباه الى أن قَرار التّقسيم رقم ١٨١ هو القَرار الذي قَضى بأن مواطني كل من الكيانات الثلاثة بما فيهاقدس تَحْتَ حُكْم دوليهُم سُكّانها الذين كانوا يُقيمون في فِلسطين عَشِيّة تاريخ صدور القَرار في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، وأن حُقوقهم وممتلكاتهم مصونة بموجب احكام القَرار ، هذا بالإضافة الى أنه خرَّم على المجالس التشريعية المُقامة في الكيانات الثلاثة حق سن قوانين وتشريعات تتناقض أحكامها مع احكام قَرار التّقسيم ، وفوَّضَ الجمعيةالعامة للأُمم المتحدة بأن تكون هي الهيئة الوحيدة التي يملك أي عضو من أعضاءها دعوتها للاجتماع للتحقق من أن أي قانون أو تشريع يَتِم سَنّه من قِبَل أي من تِلكَ الهيئات التشريعية الثلاثة المُنتخبة ديمقراطياً يتوافق مع أحكام القَرار من جهة ، وأحكام ميثاق الأُمم المتحدة والقوانين الدولية من جهة أُخرى ، بمَعنى ضَمان عَدَم سن قوانين أو تشريعات او اتخاذ اجراءات عُنصرية الطّابع والمضمون من قِبَلِ أي من الهيئات التشريعية للكيانات الثلاثة التي اقامها القَرار في فِلسطين ؟.

أو

أن يَكون الإعتراف بقرار التّقسيم رقم ١٨١ ، هو المدخل لإقامةفِلسطين دَوْلة ديمقراطية عَلمانية واحِدةعلى كامل التراب الوطني الفلسطيني لإعمال حق تقرير المصير ولحل المسألتين الفلسطينية واليهودية في فِلسطين ؟

وأتساءل ، هل فات الأوان أن يناضل الفلسطينيون واليهود الأحرار من الصّهيونية من أجل ذلك ؟

وهل يَملك المُجتمع الدولي أن يرفض الحلول التي بموجبها، تم إقامة دَوْلة لليهود في فِلسطين في ايار من العام ١٩٤٨ ، والذي بموجبه أيضا اعترفت الامم المتحدة في ايار ١٩٤٩ للدولة البهودية في فِلسطين بحق الوُجود والحياة ؟

عبدالرحمن البيطار

عَمّان في ٢٠ حزيران ٢٠٢٠/ السبت