Menu Close

خاطرة

في الطريق إلى عمان من فرانكفورت ..!

تأخر إقلاع الطائرة نحو نصف ساعة ..!

عند صدور صَكّ الإنتداب على فلسطين ، وإقراره من قبل عصبة الامم في آب من العام ١٩٢٢، … كانت فلسطين مُحْتَلّة من قبل القوات البريطانية ، وقد كَلّفتْ عُصْبة الأُمم بريطانيا بصفتها قوة الإحتلال لفلسطين ، بالاضطلاع بمهام الإنتداب على فلسطين ، وتشكيل سلطة إنتداب بريطانية فيها ، وتفويضها بموجب أحكام الصك بتهيئة فلسطين لتكون وطنا قوميا لليهود ؛ أي لكل اليهود من مواطني بلدان العالم ، واشترطت العُصْبَة على سُلطة الإنتداب ان لا تتخذ أي إجراءات أو أن تنتهج سياسات من شأنها أن تَمِسَّ بالحقوق المدنية والدينية لما أسمته بـ “المجموعات/ الجماعات / الجاليات ” السكانية غير اليهودية التي تعيش في فلسطين ، وبما لا يمس ايضا بحقوق اليهود المهاجرين اليها من مواطني البلدان الاوروبية وغيرها في بلدانهم التي جاءوا منها إلى فلسطين ..! ،

وبذلك ، تكون عُصْبة الأُمم قد كلفت سلطة الإنتداب بسحق واختزال حقوق شعب فلسطين وحصرها بحقوق دينية ومدنية فقط ، وبمصادرة حقوقهم الوطنية ونقلها إلى اليهود من مواطني الدول الأوروبية وغيرها ممن يهاجرون إلى فلسطين ،..

ومن المفارقة ايضا ان نلحظ ان الدول الأوروبية المنتصرة في تلك الحرب قد اعترفت لمن يدينون بالديانة اليهودية من مواطني بلدان أوروبا ، وغيرها ،.. بالاستمرار بالاحتفاظ بحقوقهم في البلدان التي هاجروا منها إلى فلسطين ، ..في ذات الوقت الذي منحتهم فيه اكتساب حقوق وطنية في فلسطين ،… وهم ممن لا صلة لهم بفلسطين وأغلبيتهم الساحقة ممن لم تطأ اقدامهم أرضها في وقت من الاوقات ،..! ..

تم ذلك ، بعد انقضاء الحرب العالمية الاولى ،.. أي قَبْلَ أحداث الهولوكوست في أوروبا ،.. أي المَحْرقة التي تعرض لها اليهود من مواطني بلدان أوروبية عديدة على يد أوروبيين أيضاً إبان الحرب العالمية الثانية ..!

تَولَّتْ سُلطة الإنتداب البريطاني على فلسطين مُهِمّة تهيئة فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود فيها ،وامتدت سُلطتها طيلة الفترة الممتدة من العام ١٩٢٠ وحتى أيار ١٩٤٨. .. وفي سياق ذلك ، ، سَمحتْ لليهود من مواطني البلدان الأخرى بالهجرة إلى فلسطين ، بلا قيود ، وسَنّت في العام ١٩٢٥ قانون الجنسية الفلسطيني، ومنحتْ اول جواز سفر لمهاجر يهودي صهيوني اسمه روتنبرغ ، وليس لعربي فلسطيني من سكان فلسطين الأصليين ، لا بل وتمادت عبر منحه امتياز توليد الكهرباء في منطقة الحِمّة الفلسطينية ، وتزويد فلسطين لا بل وشرق الأردن بالطاقة الكهربائية المُسْتَوْلَدَهَ منها ،…

كما واعتبرت سُلطة الانتداب البريطاني على فلسطين في العام ١٩٢٣ ، بأن اللغة العِبْريّة هي لغة رسمية في فلسطين ، ووفق ذلك ، فقد صدر جواز السفر الفلسطيني بلغات ثلاثة : العربية والإنجليزية ، والعبرية ..،

كما وأنها منعتْ تنظيم انتخابات عامة في فلسطين ، وانتخاب مجلس تشريعي نيابي فيها – أُسوة لما تم تنظيمه من قبل سلطات الاحتلال في كل من سوريه ولبنان والعراق في ذلك الوقت – كي لا تمنح الأغلبية الفلسطينية العربية من سكان فلسطين في ذلك الوقت فرصة ان تكون لهم الأغلبية المُنتخَبة ، وحقوق سن التشريعات والقوانين ، بما يُقَيِّد ويَحِد من سلطات سُلطة الإنتداب في إصدار المراسيم وسن القوانين وتحقيق مقتضيات صَكّ الإنتداب في ان تكون لسُلطة الإنتداب وحدها حق إصدار التشريعات او التعليمات ،… وهي من مُسْتَلْزَمات تحقيق هدف تهيئة فلسطين لتصبح وطناً قومياً لليهود من مواطني البلدان الأوروبية وغيرها ،…

وإمعانا في الظُّلم ، فقد عَمدتْ سُلطة الإنتداب البريطاني على فلسطين على تزوير ومصادرة حقوق تمثيل سكان فلسطين عَبْر تشكيل مجلس مُعَيَّن، أي ليس مُنتخَباً، وذلك بديلاً عن المجلس التشريعي النيابي -الذي يتم تشكيله عبر الانتخاب الحُر لمواطني فلسطين من شعبها الذي يعيش فيها منذ مئات السنين – وبحيث يتولى تشكيله المندوب السامي البريطاني واختيار وتعيين أعضاءه بقرارات منه ، وبحيث يتألف المحلس من أعضاء مُعينين عن سكان فلسطين العرب من مسلمين ومسيحيين بأعداد يُحددها المندوب السامي ، ومن ممثلين لليهود المهاجرين اليها من مواطني البلدان الأخرى بأعداد لا تتناسب مع ان أعدادهم في فلسطين في ذلك الوقت ( ١٩٢٣) -والتي كانت اقل من ١٠٪؜ من سكان فلسطين -، هذا بالإضافة إلى تمثيل سُلطة الإنتداب بمندوبين عنها في المجلس .

كما وأن سُلطة الإنتداب قد قامت بإصدار تعليمات سَمحتْ من خلالها ، لا بل وسَهَّلَتْ انتقال ملكية الأراضي الى اليهود المهاجرين اليها من مواطني البلدان الاوروبية وغيرها ، بما في ذلك نقل ملكية عشرات الالاف من الدونمات المصنفة على انها أراضي ميرية عامة.

وسَمحتْ سلطة الإنتداب البريطاني على فلسطين كذلك لليهود المهاجرين اليها من مواطني البلدان الاوروبية وغيرها من حق إقامة المستوطنات الخالصة لليهود ، دون السماح لغيرهم في مشاركتهم الإقامة بها ، وفي اقامة المزارع الحديثة بملكية خالصة لليهود ، وكذلك المصانع والمؤسسات التعليمية والتجارية والمالية الخالصة تماما لليهود..! وتمكين اليهود من استثمار ثروات فلسطين الطبيعية وعلى رأسها بوتاس البحر الميت .

لقد استُثْمِرَ الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية من قِبَل الدول المُنتصرة في هذه الحرب -وعلى الأخص الولايات المتحدة من جهة ، والدول الأوروبية التي تعرض اليهود من مواطنيها لفظائع المحرقة من جهة اخرى – في توجيه منظمة الامم المتحدة التي تشكلت في العام ١٩٤٥ بعد انقضاء تلك الحرب ، في تبني سياسات استهدفت استكمال تحقيق ما نص عليه صَك الإنتداب الصادر عن عُصْبة الامم – وما تم إسناده إلى برطانيا من قِبَلِها من سلطات على فلسطين –

ومن المؤلم وغير المبرر ان يتم تحويل المَحْرقة إلى سلاح ، وان يتم توريط منظمة الامم المتحدة في استعماله لتبرير تجزئة فلسطين في العام ١٩٤٧ من جهة ومن جهة اخرى تحويلها إلى ملاذ و وطن لليهود اللاجئين من مواطني البلدان الاوروبية من ضحايا الحرب ، ومن غيرها من البلدان ، والسماح لها بإقامة كيان صهيوني استعماري استيطاني فيها دون إيلاء أي اعتبار لما ورد في ميثاقها من مبادىء ، وبالتضحية بـ وعلى حساب حقوق اغلبية سكانها الفلسطينيين العرب ، لا بل وبغض النظر عن الجرائم التي ارتكبتها الصهيونية والكيان الذي اقامته في فلسطين بحق شعب فلسطين العربي والتي تتوجت في عامي ١٩٤٨ و ١٩٤٩ بحملة التطهير العرقي وبالتدمير المنهجي لنحو (٥٠٠) قرية وبلدة فلسطينية ، وبتحويل ثلثي الشعب الفلسطيني في تلك الفترة ( نحو ٨٠٠،٠٠٠ فلسطيني ) إلى لاجئين أُقيمت لهم في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ في البلدان المحيطة بفلسطين وفي الضفة الغربية وفي قطاع غزة ما يزيد عن (٥٢) مخيما لا بل غيتو لهم .

ومن المفارقة ان نذكر ايضا ان بتم حل قضية اللاجئين اليهود من مواطني اوربا نتيجة الحرب ، بخلق قضية لاحئين فلسطينيين عرب عبر اغتصاب حقوق سكانه فلسطين وطردهم من بلادهم وتحويل بعضهم إلى لاجئين في ما تبقى من بلادهم ( الضفة والقطاع ) ، والى لاجئين في البلدان المجاورة وبلدان الشتات.

ما قامت به سلطة الانتداب البريطاني على فلسطين برعاية ودعم وإسناد قوى الاستعمار الدولي بحق الشعب العربي الفلسطيني ، والنكبة التي ألحقوها به هو بحق جريمة العصر في القرن العشرين ،.. وهي جريمة. مكتملة الأركان ويندى لها جبين الإنسانية

وبرأيي أن السماح للصهيونية العالمية استثمار مأساة يهود أوروبا والمحرقة التي زَجّتهم في أتونها بلدان أوروبية خلال تلك الحرب ، والاضطهاد الأوروبي العميق الضارب في التاريخ بحق مواطني بلدانها اليهود ،..أقول ، ان السماح بذلك وتكريسه عبر السماح ودعم إقامة كيان عنصري فاشي لليهود في فلسطين وعلى حساب حقوق شعبها العربي وعبر تهجيره من ارضه ومصادرة حقوقه الوطنية ، هو في حد ذاته ايضا جريمة ليست فقط بحق الفلسطينيين العرب ، وانما ايضا بحق اليهود من مواطني الكيان الذي تم إقامته في فلسطين ، وكذاك بحق اليهود من مواطني بلدان العالم كله ، بل بل وبحق اليهودية ، والبشرية جمعاء ، وهي جريمة لها وجهان اكتوى فيهما الفلسطينيين العرب من جهة واليهود من جهة اخرى عبر تحويلهم إلى مُستَعمِرين ، مُضطهدين لشعب إخر ، وتستهدف تأبيد اضطهاد اليهود من جهة ،ونكبة الفلسطينيين وفلسطين من جهة اخرى .

تستدعي ازالة الجريمة وآثارها في فلسطين وفي البلدان المحيطة بفلسطين تكاتف وتحالف كل الاحرار في هذا العالم ، وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني واليهود الاحرار من الصهيونية، في كل مكان والنضال المشترك معا لإزالة الظلم ، واقامة العدالة وتحرير فلسطين و الشعب الفلسطيني واليهودي كل مكان و البشرية جمعاء من شرور الصهيونية العنصرية الفاشية والكيان العنصري الذي اقامته في فلسطين .

عبد الرحمن البيطار

طائرة الملكية الأردنية المتجهة إلى عمان

الساعة ٦:٥٣ مساء .

٣ تموز ٢٠٢٤