Saved Photo
يومية الاثنين الموافق ٢٣ أيلول ٢٠٢٤
من الشَّمال ومن الغَرْب ، أخذت الغيوم تزحف نحو سماء عمّان .. لقد حلَّ الخريف ، وأخذنا نشعر بوَقْعِ حُلوله : الطقس يميل إلى البرودة ،.. الهواء نَشِط ، وهناك تساقطُ أمطار ..!
تأثرتُ كثيراً بالمناظر التي تأتِ من غزّة ،… ففوق كل مُعاناة البشر هناك طيلة ما يَقْربُ من عام ، تهطل الأمطار لتزيد الأوضاع وأحوال الحياة في الخيام المكتظة بالناس سوءاً وصُعوبة ..!
التقطتُ الصورة أدناه من المَقْعد الذي أجلسُ عليه في الطابق السادس من مبنى بُرْج خليفة من مباني مركز الحسين ..! يجلسُ إلى جانبي أخي سيف ؛ رفيقي الحميم في رحلاتي إلى المركز للعلاج ،… !

قبل قليل ، أي بحدوود التاسعة والربع من هذا الصباح ، نادت عليَّ الممرضة الرقيقة مَجْد ..قالت لي : حانَ موعد تركيب الكانيولا في مكان ما في إحدى يداي . قَلَّبَتْ يَداي ، فوجدتهما مُثخنة ببُقَع داكنة كثيرة تُشير إلى مواضع غرْز الإبر لأخذ عينات الدم ..!
قَرَّرَتْ مجد أن تزرع الكانيولا في ظَهْر يَدي اليُمنى ،… قالت لي : سَتتوجع قليلاً ..! ثم بدأتْ مُحاولتها …! تألمتُ بعض الشيء… !
يبدو أنَّ محاولتها قد فَشِلَت . طَلَبتُ مني أن أضغط على المكان الذي حاولتْ فيه زرع الكانيولا ،.. وقالتْ لي : لم انجح في زراعتها ،.. سيحاول زميلي بشّار ان يقوم بالمهمة الان .هكذا يقضي البرتوكول الطبي .
بعد نحو عشرة دقائق ، جاء الممرض بشّار . تفقد يداي من جديد ، وقال لي سأزرعها في وريد يدك اليسرى . وهذا ما فعله .. لم أتوجع أبداً ، وأنهى عملية تركيب كانيولا في وقت قصير كما واًَخذَ أيضا عَيّنات الدم لأجل إجراء فحوصات الدم المطلوبة .
عُدْتُ إلى مِقعَدي إلى جانب سيف في قاعة الإنتظار .
جائني هاتف من أحمد . نَقلَ إليَّ خبراً أزعجني كثيرا . قال لي أن صديقي إياد في غُرْفة العِناية المُرَكَّزَة بعد أنْ تمَّ نقله إليها ليلة أمس ، وأنه يبدو أنهم اكتشفو أنَّ إثنين من شريانات قَلْبه مَسْدودان .
اتّصلتُ بهُدى ، أخبرتني أنها في مُستشفى المركز العربي ، وأنه قد تمَّ ليلة أمس تركيب شَبَكَتين واقيتين لشريانين إثنين من شريانات قَلْب إياد ظَهَر للأطباء إنسدادهما ، وأنه في العناية المركزة حاليا ، وتحت المراقبة وأن أوضاعه مستقرة…
إياد ، صديق العمر ..، تأثرت كثيرا لأحواله . التقيتُ به الخميس الماضي ..كان في احوال طبيعية .
المنطقة تغلي بشدة، من غزّة إلى لبنان ،.. تتصاعد الإشتباكات والقَصف المُتبادل مع قوى المقاومة في لبنان وذلك على اثر عمليات تفجير آلاف أجهزة الإتصال “البيجيرات” وأجهزة “الووكي تووكي” التي يستخدمها الاعضاء المدنيون والعسكريون المنتمين لتنظيم حزب الله في لبنان وبعد تنفيذ عمليات اغتيال قادة كبار في الضاحية الجنوبية ،.. وكذلك بعد الرّد الذي قامت به قوى المقاومة بقصف قواعد عسكرية ومصانع استراتيجية في حيفا والناصرة وعكّا لأول مرّة ..!
حَرْبٌ غير مُتناظرة تماما ..لا في الإمكانات التي توظفها إسرائيل في هذه الحرب ، ولا فيما توفره لها القوى الداعمة لها من أسلحة ومعلومات استخبارية ودعم إعلامي ودبلوماسي ومالي ولوجستي بلا أسقف أو حدود ..!
حَربٌ تشنها إسرائيل على الحاضِنة الشعبية لقوى المقاومة في غزة وفي لبنان واليمن ،.. لدفعها عن الإنفكاك عن المقاومة وإرعابها ..، وقد قرأ عَلَيَّ سيف قبل قليل نماذج من رسائل أرسلتها إسرائيل لسكان القرى الجنوبية للإبتعاد عن أي مباني يسكنها أفراد من حزب الله أو قريبة من مواقع له و إخلائها … لا بل فقد وصلت الرسائل حتى لمكتب وزير الإعلام اللبناني ،..!
إسرائيل تنوي أن تتبع في لبنان ذات التكتيكات وأساليب الإرهاب القذرة وأعمال التقتيل التي إتّبَعَتها في تدمير غزة وفي إبادة وتجويع السكان وتدمير كل مقومات الحياة فيها …!
هل سيقوم حزب الله بإرسال رسائل تحذير مماثلة لسكان المباني في المستعمرات الإسرائيلية والبلدات والمدن المحتلة في شمال فلسطين والجليل التي يقطن فيها جنود نظاميين أو جنود إحتياط إسرائيليين أو يسكنون بالقرب من مواقع للجيش الاسرائيلي لإخلائها والابتعاد عنها ؟
باختصار ، هي حربٌ نفسية شَرِسة، وفي ذات الوقت ، هي معركة كَسْر إرادات …!
أخبرني سيف أن رسالة تحذير لسكان منطقة الجليل في شمال فلسطين قد صدرت باللغات العربية والعِبرية والانجليزية تطلب منهم الابتعاد عن مواقع الجيش الاسرائيلي …!
وحول نموذج العمليات الحربية الإرهابية التي تتبعها إسرائيل ، لفت نظري تصريح لوزير الخارجية الإيرلندي ، وفيه فال: ” دخلنا نوعاً جديداً وخطيراً من الحروب ،” وتابع “علينا جميعا الشعور بالقلق “…!
نعم على البشرية كلها أن تشعر بالقلق ، بنفس القدر الذي شَعَرَتْ فيه عند البدء باستعمال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الحرب العالمية الاولى ، والنووية في الحرب العالمية الثانية .
الساعة الآن الحادية عشر إلا ثلث ،.. دَخلتُ الغرفة التي سيتم فيها تنفيذ الإجراء الطبي بانتظار حضور الطبيبة .
مَرّت نصف ساعة ولم تحضر الطبيبة بعد ، والإنتظار مُستمر ..!
وأخيراً حضرت الدكتورة الرقيقة إيناس . كانت قد أجرت نفس الإجراء لي سابقا . دكتورة ماهرة ومتمرسة في تنفيذ هذه الاجراءات .
تمددتُ على السرير ، أخبرتني أنها ستخبرني أولاً بأول بكل خطوة ستُجريها … وهذا ما حصل .
شَعرتُ باختراق إبرة التخدير ،… وبعد ذلك شَعرتُ باختراقات متتالية وهز لجسمي في منطقة استخلاص السائل والجزء الصلب من نخاع عظم الوِرْك أسفل الظهر ….
في الثانية عشر وخمسة دقائق ،.. انتهى الإجراء ..! طَلَبتْ الدكتورة مِني التّمدد على السرير بعض الوقت قبل ترك الغرفة . استئذانها باخذ صورة معها ومع الخُزعة المأخوذة ..!

ثم جائني سيف ..! قال لي ، أنَّ نتائج فحوص الدم لهذا اليوم جيدة جدا وان جميع مؤشرات المناعة تقع ضمن الحدود الطبيعية ..! وان هذه النتائج متشابهة مع نتائج الفحوص التي أُجريت خلال الشهرين الماضيين مما يُشير إلى استقرار في تلك المؤشرات وهذا أَمْرٌ إيجابي جداً .
وأخبرني كذلك عن قصف الطيران المستمر لقُرى ومواقع في جنوب لبنان وحركة الطيران في سماء الضفة الغربية باتجاه شمال فلسطين وجنوب لبنان …! قال لي الجبهة مُشتعلة …!
لا زلتُ أشعر بأثر المُخدِّر وذلك عندما قامت الممرضة مجد بإزالة الكانيولا المَزروعة في يدي .
أوصلني سيف إلى البيت .
أشعرُ بالتّعب .. تَمَدَّدتُ على الكَنَبَة السوداء في غرفة الجلوس …! طَلَبتُ من “مِيَا” أنْ تُحضِرَ لي كأساً من الماء ..!
قرأتُ على شاشة الموبايل قَبْل ثوانٍ أن عدد الغارات التي شنتها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على قرى جنوب لبنان منذ الصباح قد بلغت (٣٠٠) غارة ، وأنه ورغم شِدّة الغارات ،.. فإنَّ رَشْقات صواريخ المقاومة ما زالت مستمرة …!
قلتُ لنفسي ؛ هي أيام لها تاريخ تلك التي نعيشها في هذه المحطة من الزمن ..!
وتساءلت ؛ هل يَختلف هذا الأيلول عن الأيلولات الماضية …! ؟
أشعرُ بوخزٍ في منطقة أخذ الخُزعة اسفل ظَهري ، كما ولا زلتُ اشعر بالإرتخاء ..!
سأسمحُ لنفسي الآن بالإستلقاء والرّاحة بعض الشيء .
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢٣ ايلول ٢٠٢٤.