Menu Close

تفاصيل حملة التطهير العرقي الصهيوني بحق الفلسطينيين في العام ١٩٤٨، ووقائع سقوط المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في ايدي قوات الكيان الصهيوني الوليد ..!؟

يومية الجمعة الموافق ١٤ آذار ٢٠٢٥ 

كان في ضيافتنا البارحة مساءً الصديق العزيز خالد قطان ، وكان الطَّبَق الرئيسي على مائدة الإفطار هو “المَنْسف” الأُردني الصميم، والذي أعَدَّته مُنى بمهارة وبالجَميد الكَرَكي اللذيذ ، والذي يقوم صديقنا جمال علاوي ،ابن الكرك الحبيبة، وفي كل عام، في موسم الجَميد السَّنَوِي ، بإهدائنا حِصَّتنا مِنْه . 

خالد كان قبل أسابيع قليلة قد وَصَلَ إلى عمّان من مونتريال ، حيث داهمه صباح اليوم التالي لوصوله الخَبَر الصاعق عن الرحيل المفاجىء لروح إبنه البِكْر ” وليد ” الى السموات العليا . كان الخبر صدمة بالغة لخالد ، جعلته يُلملِم أغراضه ويسارع الى العودة الى مونتريال ليُلقي نظرة الوداع الأخيرة على وجه إبنه الحبيب إلى قلبه “وليد”  ، وليُشرف أيضاً على ترتيبات الوداع المتعلقة بمواراة جُثمانه التراب وعلى ترتيبات العزاء كذلك ..!  

بعد الإفطار استمتعنا بأحاديث خالد المتنوعة عن يافا وعن فلسطين وعن فترة العمل والحياة في الكويت ، قبل العودة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي الى عمان ،.. وأخيراً عن تجربة العيش في المهجر في الشتات بعيداً عن الوطن وذلك منذ رحيله وأفراد العائلة الى مونتريال قبل نحو خمس وثلاثين عاما ،.. وكانت بالفعل أحاديث ذو شجون ..! 

خالد يتمتع بذاكرة قوية جداً رغم أنه ناهز من العمر الثمانين عاماً ، وقد قامت مُنى في زيارة سابقة له الى عمان في تسجيل ذكرياته الشخصية عن النكبة وعن التجربة المريرة التي مر بها سكان مدينته يافا  ومن ضِمْنها عائلة قطان ، وهي واحدة من العائلات المهمة في يافا ورائدة في مجال تجارة الحمضيات ( برتقال يافا ) وتصديرها الى البلدان الاوروبية ، وتعود جذور عائلة قطان في المدينة إلى قرون مضت ، ويأتِ ما قامت به منى في الجهد الثمين الذي تقوم فيه بالتشارك مع عدد من سيدات فلسطين في توثيق التاريخ الشفوي للنكبة من خلال إجراء مقابلات مباشرة مع من ما زال على قيد الحياة ممن عايشوا النكبة من سيدات ورجال. 

أمّا خالد ، والذي كان طِفلاً صَغيراً لم يتجاوز عمره السَّبع أعوام  عندما اضطرت عائلته النزوح الى مدينة الِّلد في منتصف نيسان ١٩٤٨ وذلك مع بدء إرهابيوا الهاغاناه والإرغون بحِصار يافا،  فإنه يتذكر ، ويستند أيضاً في روايته الى ما وصل الى مَسامعه من والدته وإخوته وأخواته عن وقائع تلك الأيام بأنَّ النزوح من يافا الى مدينة اللد -وهي على بعد نحو عشرين كيلومترا من يافا – والمكوث لنحو عشرة ايام في ضيافة أخواله المقيمين في المدينة ،  كان على أمل أن العودة الى البيت في يافا ليست إلا مَسألة أيام …، ولكن ومع تطور الهجوم اليهودي على يافا في أواخر نيسان ١٩٤٨ واحتلال أجزاء منها  ،… فقد وجدت العائلة أنها مضطرة للنزوح من جديد ، ولكن هذه المَرّة الى مدينة عمّان ..! ، أما أخواله وعائلاتهم فقد بقوا في اللد  الى ما بعد منتصف تموز ١٩٤٨ ، واضطروا للنزوح مَشياً على الأقدام باتجاه رام الله وذلك بعد سقوط المدينة في ايدي إرهابيي منظمتي  “الإرغون” و”الهاچاناه” المسلحتين. 

وبالعودة الى مسار الأحداث في تلك الفترة ، فإن التاريخ المكتوب للنَّكبة ، يشير الى أنَّ عدة آلاف من إرهابيي منظمتي الهاغاناه والإرغون قد هاجموا مدينة يافا  في منتصف نيسان ١٩٤٨ وفرضوا عليها حصاراً محكماً ، وأن المدينة قد صمدت أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل أن تسقط في أيدي إرهابيي القوات المهاجمة في ١٣ أيار ١٩٤٨، ويتم طرد جميع سكانها المقدر عددهم بنحو خمسين ألفاً ،وقد لجأ آلاف منهم إلى اللد ما أدّى إلى اكتظاظ المدينة بالنازحين.

هذا وكان قد ترك استشهاد القائد حسن سلامة (قائد قوات جيش الجهاد المقدّس في المنطقة) ، في معركة رأس العين في أواخر نيسان ١٩٤٨ ، أثراً سلبياً في معنويات سكان يافا . فبعد احتلال رأس العين، تم عزل منطقة اللد – الرملة عن ” المثلّث ” الفلسطيني، وإغلاق الطريق أمام الإمدادات الغذائية.

وكان ديڤيد بن غوريون ، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ، ومدير الوكاله اليهودية لفلسطين قد تلى وثيقة الإعلان عن استقلال إسرائيل في ١٤ أيار ١٩٤٨ واقامة الدولة اليهودية في المناطق المخصصة لهذه الدولة في قرار تقسيم فلسطين رقم ١٨١ الذي اصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧، وذلك على مساحة تقدر بنحو ٥٥٪؜ من مساحة فلسطين ، وقد جاء الاعلان عَشِيّة الموعد المعلن لانتهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى فقد جاء متزامناً أيضاً مع نجاح إرهابيوا المنظمات الصهيونية المسلحة في تنفيذ المرحلتين الاولى والثانية (حسب التصنيف الوارد في الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية ) من حملة التطهير العِرْقي والتهجير القسري بحق فلسطينيي المناطق المخصصة للدولة اليهودية في القرار الآنف الذكر رقم ١٨١. 

ومما يجدر ذكره أن هاتين المرحلتين من حملة التطهير العرقي الصهيونية بحق الفلسطينيين تم تنفيذهما خلال الفترة الممتدة من تاريخ صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ و ١٤ أيار ١٩٤٨ ، وقد بدأت الحملة في ١٢ كانون الاول ١٩٤٨ بمهاجمة واحتلال قرية “الطيرة” قرب حيفا تلتها في اليوم التالي عملية احتلال قرية “العباسية” شرق يافا ، وبعد ذلك قرية “بلد الشيخ” حيث يرقد ضريح الشهيد القائد عز الدين القسام ، ومن ثم قرية “لِفْتا” بالقرب من القدس قبل ايام قليلة من انقضاء الشهر ذاته . 

ومع حلول شهر كانون الثاني من العام ١٩٤٨ ، فقد أخذت حملة التطهير العرقي في التطور وانتقلت الى مدينة “حيفا” حيث تم ترويع سكانها مما أدى الى نزوح نحو عشرين الفا منهم،  وتواصلت الحملة خلال شهر شباط على القرى الواقعة بالقرب من حيفا ، حيث هاجم ارهابيوا المنظمات الصهيونية المسلحة قرية “قيسارية” ، ثم قرى “بَرَّة قيسارية” ، و”خربة البرج” ، و”داليه الروحاء” ، كما وهاجمت عناصر من قوات النُّخبة ( البالماخ ) ليلة ١٤ / ١٥ من شهر شباط قرية “سَعْسَع” قضاء صفد ونسفوا بيوتها . 

وبعد اعتماد الوكالة اليهودية للخطة ” دالت ” في ١٠ آذار ١٩٤٨ ، تصاعدت حملة التطهير العرقي الصهيونية وارتفعت مناسيبها الى مستويات أعلى استهدفت من خلالها تحقيق السيطرة على مساحات اوسع من الارض الفلسطينية وطَرْدٍ لمجموعات اكبر من سكانها الفلسطينيين وذلك قبل حلول الموعد الذي اعلنته الحكومة البريطانية لإنهاء انتدابها على فلسطين ، اي قبل ١٥ أيار ١٩٤٨ ، وقد ابتدأت عمليات هذه الخطة بعملية “نحشون” وذلك عبر قيام وحدات من “البالماخ” بالهجوم على الهضاب الريفية الواقعة على المنحدرات الغربية لجبال القدس ونجحت في احتلال قرية “القسطل” في ٩ نيسان ١٩٤٨ ، تلاها اقتحام قرية “دير ياسين” حيث قامت بارتكاب مجزرة وحشية بشعة فيها ذهب ضحيتها المئات من الرجال والنساء والأطفال ، واحتلال أربع قرى مجاورة أخرى وطرد سكانها. 

وفي ١٨ نيسان ١٩٤٨ قامت قوات الهاغاناه بالهجوم على بلدة “طبريا” واحتلالها، وطرد سكانها ( نحو خمسة الاف فلسطيني ) ، وفي ٢١ من الشهر نفسه ، هاجمت تلك القوات مدينة “حيفا” واحتلتها وطردت معظم من بقي من سكانها الفلسطينيين البالغ عددهم  (٥٥) ألفاً من طريق البحر إلى لبنان . 

وكانت “صفد” في ذات الوقت قد أخذت بالتعرض لهجمات متعددة ابتداء من منتصف شهر نيسان ١٩٤٨  ، وتَواصلَ الهجوم عليها حتى بداية أيار ١٩٤٨ ، حيث نجح ارهابيوا “الهاغاناه” في نهاية الأمر في احتلالها وطرد جميع سكانها الفلسطينيون البالغ عددهم في ذلك الوقت نحو (٩،٥٠٠) نسمة . 

وفي ٢٦ نيسان ١٩٤٨ ، تعرضت مدينة “القدس” وضواحيها  لهجمات مركزة ، تمكن الارهابيون الصهاينة من النجاح في السيطرة على ثمانية أحياء في منطقة القدس الكبرى، وتسع وثلاثين قرية فلسطينية وطرد سكانها إلى الجزء الشرقي من المدينة. 

تلى ذلك  احتلال بلدة “بيسان” في غور الاردن  والقرى الواقعة في جوارها، وقد تم ذلك في ١٢ أيار ، أما  “عَكّا” فقد تم احتلالها  في ١٦ ايار ١٩٤٨ اي في اليوم التالي لانسحاب قوات الانتداب البريطاني من فلسطين ، ومع موعد بدء دخول وحدات عسكرية عربية الى فلسطين من قبل كل من الاردن ، والعراق ، ومصر ، ولبنان ،  وسوريه ، وهي القوات التي لم يتجاوز عديدها عند اكتمالها الخمس وعشرون ألفا من الجنود ، وجدوا انفسهم في مواجهة نحو (٦٥) ألفا من قوات المنظمات الصهيونية المسلحة التي كانت قد تشكلت خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وشاركت مع قوات الحلفاء في القتال ضد قوات المحور إبان الحرب العالمية الثانية  ، وأيضاً في مواجهة اكثر من مئتي مستعمرة  مُحصّنة ومُسلحة تم إقامتها على رؤوس الجبال وفي مواقع استراتيجية مشرفة على مفترقات الطرق والقرى والبلدات والمدن الفلسطينية  . 

أما المرحلتان الثالثة والرابعة من حملة التطهير العرقي الصهيونية للفلسطينيين من ديارهم ، فقد تمت خلال الفترة الممتدة من ١٦ ايار ١٩٤٨ وحتى مطلع كانون الثاني من العام ١٩٤٩ ، وهي الفترة التي تواجدت فيها على أجزاء من أرض فلسطين وحدات عسكرية لجيوش خمسة دول عربية بالاضافة الى متطوعين من السعودية واليمن لم تتمكن من منع القوات الصهيونية من تنفيذ مخططاتها .

خلال هذه الفترة ، وبالتحديد في ٢٦ أيار ١٩٤٨ ، اعلن وزير الدفاع الاسرائيلي ورئيس الحكومة المؤقتة التي تشكلت بعد اعلان الإستقلال في ١٤ أيار ١٩٤٨ تأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي ، والذي استقطب في صفوفة المجندين من اعضاء منظمات الارهاب الصهيوني المسلحة ( هاغاناه/ البالماخ ، وليهي وغيرها ..) التي شاركت في حملة التطهير العرقي والطّرد القسّري للفلسطينيين قبل ١٥ أيار  ١٩٤٨، اما منطمتي الإرغون وشتيرن ، وهما منظمتان متطرفتان يمينيتان فقد تم ضم أعضاءهما للجيش الإسرائيلي في ايلول من العام ١٩٤٨ وذلك بعد قيام أعضاء من منظمة شتيرن في اغتيال الوسيط الدولي الكونت برنادوت في ١٧ أيلول ١٩٤٨ ، وذلك احتجاجاً  على قيام الكونت برنادوت في ٢٧ حزيران ١٩٤٨ بالاعلان عن مقترح لإحلال السلام في فلسطين قدمه الى مجلس الامن الدولي يقوم على تعديل أحكام قرار التقسيم رقم ١٨١  ، وتقليص المساحة المخصصة لاقامة الدولة اليهودية في فلسطين ( استثناء النقب من تلك المساحة )، وضم الجليل للدولة اليهودية ، وبقاء القدس تحت السيادة العربية ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا او تم طردهم قسريا الى بيوتهم واعادة املاكهم لهم . 

وخلال المرحلتين المذكورتين أعلاه ، استمرت المجازر الصهيونية بحق الفلسطينيين ، ففي ٢٢ أيار ١٩٤٨ ارتكب إرهابيوا المنظمات الصهيونية المسلحة  مجزرة في قرية “الطنطورة” ، وهي واحدة من كبريات القرى الساحلية وكان يسكنها نحو ألف وخمسمئة نسمة، وتقع على بعد (٢٤) كم الى الجنوب من حيفا ، وقد ذهب ضحيتها وفق بعض التقديرات ٢٣٠ فلسطينيا. 

وبعد تدخل المبعوث الدولي الكونت برنادوت الذي عينته الامم المتحدة في ٢٠ ايار ١٩٤٨  للتوسط فيما بين الاطراف المتحاربة لتطبيق قرار التقسيم رقم ١٨١ ، تم فرض الهدنة الاولى في فلسطين في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، والتي استمرت الى ٩ تموز ١٩٤٨ . وخلال هذه الفترة ، اي في حزيران ١٩٤٨ فقد قامت قوات الكيان الصهيوني المُشَكَّلة حديثا ، باحتلال القرى الواقعة في الجليل الأسفل والشرقي وطردت سكانها.

استؤنف القتال في فلسطين في ٩ تموز ١٩٤٨ ، واستمر لفترة وجيزة ، أي حتى ١٨ تموز ١٩٤٨ ، وخلال هذه الفترة ، قامت قوات الكيان الصهيوني الوليد بالعمليات التالية : 

  • في ٩ تموز ١٩٤٨ ، اي في يوم انتهاء الهدنة الاولى ، بدأ الهجوم على مدينة “اللد” ، وخلال اربعة ايام ، وقعت مجزرة “اللد”وقد تم تنفيذها على مرحلتين : الأولى عند احتلال المدينة، والثانية خلال عملية الطرد الجماعي لسكان المدينة ، والتي تعتبر من أكبر عمليات التطهير العرقي التي نفّذها الإسرائيليون.
  • تقع اللد في الجنوب الشرقي من مدينة يافا وفي الشمال الشرقي من مدينة الرملة، وترتفع (٥٠) متراً عن سطح البحر. وقد تميزت بوجود خط سكة حديد ومحطة قطارات كانت تُعتبر أهم محطة بعد محطة حيفا . وأخذت اللد تتوسع في عهد الانتداب البريطاني نتيجة مرور سكة حديد القنطرة -حيفا، وإنشاء مطار اللد الدولي.
  • تبعد اللد عن مدينة الرملة ثلاثة كيلومترات فقط ، وتعتبر المدينتان توأمان ، وتقعان بموجب قرار التقسيم رقم ١٨١ في المناطق المخصصة من فلسطين للدولة الفلسطينية العربية.
  • وكما سبق أن ذكرنا ، فقد أدى سقوط يافا في ١٣ ايار ١٩٤٨ ، الى اضطرار الاف من سكان المدينة للنزوح باتجاه مدينة اللد ، وقد ادى ذاك الى اكتظاظ المدينة وارتفاع عدد سكانها الى نحو خمسين الفاً. 
  • ألَّفَ سكان المدينة لجنة قومية، وأُخرى عسكرية، وصحية، ولجنة من تجار المدينة لأجل الاستعداد للدفاع عن المدينة في حال تعرضها للهجوم من قبل قوات الكيان الصهيوني ، وفي اطار الإستعداد لذلك ، جرى عقد اتفاق مع مختار مستعمرة “بن شيمن” القريبة قضى بإبقاء الطريق بين اللد والقرى الجبلية آمنة أمام سيارات المدينة وسكانها. وكان لهذه الطريق أهمية كبيرة كونها الأقصر والأسهل لنقل البضائع من المدينة وإليها، لكن قوات “الهاغاناه” قامت بإغلاقها في أواسط حزيران ١٩٤٨ . كما عمدت إلى تعبيد مهبط صغير للطائرات شمالي شرقي المستعمرة للتزود بالمؤن والنجدات العسكرية، وقد تمكّن مقاتلو اللد من إسقاط إحداها في أواخر حزيران.
  •  انطلقت عملية احتلال “اللد” ( عملية داني ) في يومي ٩ و ١٠ تموز ١٩٤٨ ، وقد قامت القوات الصهيونبة باحتلال القرى الواقع شمال وغرب المدينة  بالإضافة إلى مطار اللد الدولي. وعشية الهجوم على اللد والرملة، شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات مكثفة على البلدتين في أثناء تناول الأهالي طعام الإفطار في شهر رمضان، وهو ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات. وقد اكتظ مستشفى المدينة بالجرحى، وفيما انهمك أطباء وممرضون وعمال آخرون في إسعاف المصابين، عمل رجال المدينة على إقامة تحصينات وخطوط دفاعية، رافضين فكرة الاستسلام.
  • في صباح يوم ١١ تموز ١٩٤٨ ، ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات دعت الأهالي إلى التسليم ومغادرة المدينة . وعند حلول فترة الظُّهر ، بدأت القوات الصهيونية  هجومها على المدينة  من الناحية الشرقية عند قرية دانيال ، وتمكن المدافعون عن المدينة من صد الهجوم بعد معركة عنيفة. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي ألحقها المدافعون بالقوات المعادية، فإن عتادهم القليل نفذَ، الأمر الذي مكّن الصهيونيين من شن هجوم جديد بدعم من المدرعات ودخول المدينة مساءً، ، وبدأوا بإطلاق النار عشوائياً. 
  • وفي اليوم الثاني للهجوم ، أي في يوم ١٢ تموز، تمركزت القوات الصهيونية حول وسط المدينة. وبالرغم من استمرار عمليات المقاومة والدفاع عن المدينة الا أن تلك القوات تمكنت من السيطرة على المدينة، واحتجاز  عشرات المدنيين ، حيث تم فصل الذكور عن النساء ، ودعوهم  إلى التجمع في الجامع الكبير وفي جامع دهمش  والكنائس وفرضوا حظر تجول في المدينة.
  • وفي يوم ١٣ تموز ١٩٤٨،  أجبر الجنود الإسرائيليون سكان مدينتي  اللد والرملة ،والبلدات المجاورة  البالغ عددهم نحو (٧٠) ألفا على الخروج من المدينة خلال نصف ساعة وسلوك طريق وعرة للوصول إلى رام الله، فقضى المئات في الطريق بسبب العطش والجفاف والتعب إذ كانت رحلة الخروج شديدة القسوة والهول. فقد مشى الفلسطينيون في طريق الموت في صف طويل، بينما كانت طائرة عسكرية إسرائيلية صغيرة تحلق فوق رؤوسهم على علو منخفض لإرغامهم على مواصلة الرحيل.
  • في ٩ تموز ١٩٤٨، بدأ الهجوم على مدينة “الناصرة” ، واستسلمت المدينة في ١٦ تموز  ولكن لم يُرَحَّل سوى عدد من سكانها، إذ لم يرغب ديفيد بن غوريون في إخلاء المدينة من كل سكانها، لأنه كان يعرف أن عيون العالم المسيحي مركّزة عليها، فبقي فيها (١٦)  ألف فلسطيني ، منهم (١٠)  آلاف مسيحي .

وأُنجزت المرحلة الرابعة من عملية التطهير العرقي بين شهري تشرين الاول ١٩٤٨ ومطلع كانون الثاني ١٩٤٩ ، ففي ٢١ تشرين الأول، قامت قوات الكيان الصهيوني الوليد  باحتلال بلدة “بئر السبع” البالغ عدد سكانها نحو خمسة الاف فلسطيني وعملت على طرد  سكانها تحت تهديد السلاح إلى الخليل . 

وفي ٢٩ تشرين الاول ١٩٤٨ ، ارتكبت القوات الصهيونيه مجزرة ذهب ضحيتها (٤٥٥) فلسطينياً في قرية “الدوايمة” الواقعة بين بئر السبع والخليل، لدفع سكانها إلى الرحيل. 

ونجحت القوات الصهيونية في تشرين الثاني ١٩٤٨ في احتلال مدينتي “أشدود”  و”المجدل”، وطردت سكانهما إلى قطاع غزة، 

كما وصلت في الشهر نفسه، أي في تشرين الثاني ١٩٤٨  إلى منطقة النقب وعملت على إخلائها من كثير من القبائل البدوية التي كانت تقطنها، وقد تم ذلك في كانون الاول من العام ١٩٤٨. 

مع نهاية حملات التطهير العِرْقي الصهيونية،  كان قد تم تدمير  ما بين ٤٠٠ و ٥٠٠ قرية فلسطينية ، وطرد سكانها منها قسرا ، وسقط في سياق ذلك اكثر من ثلاثة عشر الف فلسطيني شهيداً على ايدي ارهابيي المنظمات الصهيونية المسلحة ، وتمكنت دولة الكيان الصهيوني من فرض سيطرتها على نحو ٧٨٪؜ من مساحة فلسطين اي الى السيطرة على نحو نصف الاراضي المخصصة في قرار التقسيم للدولة العربية الفلسطينية بالاضافة الى الاراضي المخصصة في القرار لاقامة الدولة اليهودية وطرد اغلبية سكان هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين  وتحويلهم الى لاجئين . 

وفي الختام ، فقد اردت ان أُلخص في يومية واحدة تفاصيل حملة التطهير العرقي التي شنتها المنطمة الصهيونية العالمية ومنظماتها الارهابية المسلحة في فلسطين وتمكنت فيها ايضا من السيطرة على ما يزيد عن ثلاثة ارباع مساحة فلسطبن ، وتجريد التدخل العسكري العربي من اي تأثير أو فعالية .

اكتب هذه اليومية وعيوننا لا زالت مُنْشَدّة الى فلسطين ، كل فلسطين ..! والتي لا زالت مسرحا لمعركة لم تنته بعد ..!؟ 

عبد الرحمن البيطار 

عمّان في ١٤ آذار ٢٠٢٥