بادىءَ ذي بِدْء ، فهذا يوم خاص ومُمَيّز وله عندي من الذكريات الحلوة نصيبٌ وافر..!
ففي مثل هذا اليوم من العام ١٩٢٥ ، وكان ذلك اليوم أيضاً يوم “الإثنين”من أيام ذلك الاسبوع ، وفي مدينة صَفَد ، أبْصَرَت أُمّي “سلوى محمد أسعد صبح” النُّور . وكان والدها المرحوم محمد اسعد صبح في حينها يعمل مدرساً في احدى مدارس صفد .
وفي العام ١٩٤٣ ، اقترن والدي “وهيب البيطار” بـأُمّي “سلوى” وكانت حينئذٍ قد بلغت الثامنة عشر من عمرها .
وقد كنتُ قد سَئلتُ أُمّي قَبْل سنوات من وفاتها ( في ١٢ آب ٢٠١٧) ، عن ؛ كيف تَعَرَّفَتْ على والدي .
وأَذْكُرُ أنها قالت لي أنَّ ذلك كان في العام ١٩٤٢ في مدينة الناصرة ، وكانت تلك الأيام أيام عصيبة من أيام الحرب العالمية الثانية ، وكان والدها يعمل هناك مديرا لمدرسة ثانوية في قضاء الناصرة التابع للواء الجليل ، وكان يقطن في منزلٍ في المدينة ، ويقطن في جواره الشيخ نسيب البيطار ، وكان حينها يشغل منصب قاضي المحكمة الشرعية في المدينة .
والشيخ نسيب هو عم والدي وهيب ، وكان والدي في زيارة لعَمِّه في مدينة الناصرة ، وهناك صَدَفَ أن كانت أُمّي مع والدتها في زيارة لصديقتها وجارتها زوجة الشيخ نسيب ،.. وصَدَفَ أيضاً أن تلاقت نظراتهما في ذلك اليوم ، ووقع والدي صريع هوى والدتي والتي كانت فتاة متعلمة على قدر عالٍ من الجمال .
تَطَوَّرَتْ الأمور سريعاً بين الشاب اليافع وهيب ، والصَّبِيّة الرائعة سلوى ، وفي أحد أيام صيف عام ١٩٤٣، إنعقدَ حَفْل زفافهما ،.. هذا وقد أسْفَرَتْ هذه العلاقة الزوجية عن إنجاب سبعة ابناء وبنات هم ؛ رباب ولبنى وسائدة وعبد الرحمن وميس واحمد وآخر العنقود كان أخي سيف ( ١٩٥٦) .
رَحلَ والدي في ١٥ أيلول من العام ١٩٨٥، ولَحِقَته والِدتي في ١١ آب ٢٠١٧ أي بعد (٣٢) عام من رحيله .
كُنّا في طَريقنا قبل ظُهرِ هذا اليوم الى مَقبرة سَحاب أنا وأختي رباب وأخي أحمد وأخي سيف لزيارة ضريح الوالدة ، وخلال رحلة الطريق أخبرتهم أنّي كتبتُ في يوميتي هذه عن مُحادثتي مع والدتي التي أشرتُ إليها أعلاه ، ووجدتُ بعد عودتنا أنَّ رباب قد أَرْسَلتْ إلَيَّ على الواتس أب صُورة لأبي وأُمي يوم زفافهما في العام ١٩٤٣ ..! ورأيتُ إضافتها الى يوميتي هذه :
مناسبةٌ أُخرى أودُّ الحديث عنها هذا اليوم ،
ففي مثل هذا اليوم من العام ١٩٤٦ ، أي في ٢٥ أيار ١٩٤٦ ، أُعْلِنَ عن انتهاء الانتداب البريطاني على إمارة شرق الاردن التي تأسست في ١١ نيسان ١٩٢١ .
وكان الانتداب قد بدأ رسميًا بعد مؤتمر القاهرة عام ١٩٢١ ، ووصول الأمير عبد الله (بن الشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى التي أطلق شرارتها الاولى من مدينة مكة المكرمة في ١٠ حزيران من العام ١٩١٦ ) إلى عمّان .
أما مؤتمر القاهرة فقد انعقد في مدينة القاهرة خلال الفترة الممتدة من تاريخ ١٢ الى ٣٠ آذار ١٩٢١ [وكانت مصر حينئذ تحت الاحتلال البريطاني وذلك بعد تدخل القوات البريطانية لقمع الثورة العُرابِيّة بقيادة أحمد عُرابي والتي قامت ضد حكم الخديوي توفيق وضد النفوذ البريطاني والفرنسي، في مصر ، وانتهت باحتلال مصر في ١٢ ايلول ١٨٨٢ ].
تَرَأسَ المؤتمر وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ونستون تشرشل، وشارك في فعالياته عدد من المسؤولين والخبراء البريطانيين من العراق وفلسطين وشرق الاردن منهم توماس إدوارد لورنس (لورنس العرب) .
يُعتبَر مؤتمر القاهرة من أهم المؤتمرات التي رَسَمتْ السياسة البريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وقد أتى انعقاده بعد الأحداث الجِسام التالية التي رسمت خريطة الاوضاع في إقليمنا منذئذ :
- سُقوط الدولة العثمانية وإعلان هزيمتها عملياً في الحرب العالمية الأولى بعد توقيعها اتفاقية الهُدنة مع الدول المُنتصرة في الحرب في ٣٠ تشرين الاول ١٩١٨ على مَتن السفينة البريطانية “أغاممنون” في ميناء مودروس، و
- قيام المملكة العربية السورية في ٨ آذار ١٩٢٠ ، وتتويج الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكًا عليها ، ثمَّ
- سقوط المملكة العربية السورية في ٢٤ تموز ١٩٢٠ إثْرَ هزيمة الجيش العربي في معركة مَيسلون بالقرب من دمشق على يد قوات الاحتلال الفرنسي ، بسبب رفض فرنسا الاعتراف باستقلال المملكة ، واصرارها على إخضاع سوريا ولبنان لنفوذها وفق ترتيبات إتفاقية سايكس بيكو التي تم ابرامها بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في ١٦ ايار ١٩١٦.
أما أهم نتائج مؤتمر القاهرة ، فقد تَمَثَّلَتْ في تنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين بن علي مَلِكًا على العراق ، والاتفاق على إنشاء إمارة شرق الأردن بقيادة الأمير عبد الله بن الشريف حسين، ووضع أُسس الحُكٌم والإدارة البريطانية الإستعمارية في بلدان المنطقة.
وبعد (٢٥) سنة من الاحتلال / الانتداب البريطاني لإمارة شرق الاردن ، وفي مثل هذا اليوم من العام ١٩٤٦ ، أي في ٢٥ أيار ١٩٤٦ ، نالت الاردن استقلالها من الانتداب البريطاني، وأصبحت دولة مستقلة تحمل إسم “المملكة الاردنية الهاشمية” ، وفيه أيضاً بايع المجلس التشريعي الاردني الأمير عبدالله بن الشريف حسين بن علي مَلِكاً على البلاد ليُصبح أول ملوك الاردن بعد الاستقلال . ومنذئذٍ ، يحتفل الأردن في هذا اليوم من كل عام بعيد الاستقلال .
وأخيراً. وفي يوم ٢٥ أيار من العام ٢٠٠٠ احتفل لبنان رسميا بذكرى نجاح حركة المقاومة الشعببة اللبنانية على إجبار قوات الاحتلال الاسرائيلي من الانسحاب من معظم اراضي الجنوب اللبناني التي احتلها ما بين عامي ١٩٧٨ و ١٩٨٢ وتحريرها من خلال حرب العصابات التي شنتها قوات المقاومة اللبنانية ضد قوات الاحتلال والتي انطلقت بعد سقوط اجزاء كبيرة من العاصمة بيروت في ايدي قوات الاحتلال في العام ١٩٨٢.
الحقت قوات المقاومة الشعبية اللبنانية المسلحة خسائر عسكرية فادحة باسرائيل وجعلت كلفة احتلالها لاراضي الجنوب اللبناني عالية جدا مما اجبرها على اتخاذ القرار بسحب قواتها بشكل احادي ، وقد ادى هذا القرار الى انهيار قوات عملائها المتعاونين معها في الجنوب .
أتمت إسرائيل سحب قواتها من معظم الاراضي اللبنانية في ٢٥ ايار من العام ٢٠٠٠ ، ومنذ ذلك اليوم يحتفل لبنان وكال الاحرار في بلدان اقليمنا وفي بلدان العالم بهذا اليوم باعتباره عيدا للمقاومة والتحرير .
كنتُ أنوي أنْ أستأنف الكتابة في هذه اليومية عن الجزء المُعنون بـ ” مشاريع ما بعد الحرب ” وهو أحد أجزاء الفصل الرابع من ” تقرير لجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية بشأن مشاكل اليهود في أُوروبا وفلسطين ” الصادر في لوزان – سويسرا في ٢٠ نيسان من العام ١٩٤٦ ، أي قبل خمسة أسابيع فقط من إعلان إستقلال إمارة شرق الاردن من الانتداب البريطاني ، وإعلان قيام المملكة الاردنية الهاشمية في ٢٥ أيار من العام ١٩٤٦ ،.. ولعدم الإطالة ، رأيتُ أن يكون ذلك موضوع يومية أُخرى ..!
عبد الرحمن وهيب البيطار
عمان ٢٥ أيار ٢٠٢٦.