هذه اليومية بدأتُ بِكتابَتِها في هايدلبيرغ قبل يوم واحد من مغادرتنا لها ، أنا ومُنى لها مُتّجهين الى عمان .
وعليه ، فإن إكمال كَتابَتَها ونَشْرِها سيكون من عمان عندما يسمح وقتي القيام بذلك .
صَدفَ يوم أمس الخميس ذِكرى يوم ميلادي في نابلس والذي كان في يوم الجمعة الموافق لـ ١١ حزيران ١٩٤٨.
ليلةُ الخَميس لَمْ أَذُقْ طَعْم النوم ، فقد عانيتُ من زُكامٍ شديد أخذني على حينِ غَرّة كما وشعرتُ باحتقانَ في مَنطقة الجيوب الأنفية مع كَحّة مُزْعِجة لازمتني طيلة تلك الليلة .
استيقظتُ صَباح الخميس وأنا مُنْهَك القوى . غالبتُ نَفْسي ، وذَهبتُ الى اجتماعين مُهِمّين الأول وكان موعده في صباح يوم الخميس ، والثاني بعد ظهر ذلك اليوم . وقَبْلَ أنْ أعودَ الى البيتِ حوالي الخامسة مساء ، مَررتُ على الصيدلية، حيث اشتريتّ بعض الأدوية . تَناولتها قَبْل أنْ أروحَ الى السرير لأنال بعض الرّاحة قَبْل الذّهاب في التاسعة مساء الى المطعم الطلياني المُنْدَمِج بـ “تِرَاسْ” البِرْكة الخارجية السّاحر لفندق ” ماريوت عمان “مع مُنى وهِبة وجُود وفادي وسَماء ورامي حيث احتفلنا هناك بعيد ميلادي . كان احتفالاً رائعاً مَحضونٌ بمُستوى لا يُوصف من الاهتمام مِنْ كادر المطعم والخِدْمة المُحْتَرِفة ، والطعام الشّهِي . في تلك الليلة ، وَدَّعتُ مَحَطّة الثامنة والسبعين ، واستقبلتُ السنة الجديدة بانشراح رغم تَعَبِ ذلك اليوم والوَهَن الذي أصابني جَرّاء الوَعكة الصحية .
هذه اليومية هي استكمال لما بَدَأْتَه في “يومية الخميس الموافق ٤ حزيران ٢٠٢٦ ” والتي شَرَعتُ فيها بتناول ” مَوْقِف العرب ” في فلسطين من ” مشاكل اليهود في أوروبا وفلسطين ” وهو عنوان الفصل السادس من ” تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية في مشاكل يهود واوروبا ” الصادر في ٢٠ نيسان ١٩٤٦.
أشارَتْ اللجنة في الفقرة رقم (٧) من فَقَرات الفصل السادس الى التقرير الذي أصدرته ” لجنة بيل ” في تموز ١٩٣٧ والى ما ذَكَرَتْه ” لُجنة بيلْ ” في أنَّ مَشاريع اليهود الزِّراعية والصِّناعية في فلسطين قد أفادَتْ العرب الفلسطينيين ” فوائد جَمّة ، وإنْ كانت غير مُباشرة “، وأن تلك المشاريع قد ” أدَّت الى رفع “مستوى معيشة ” الفلسطينيين العرب .
وأشارَت اللجنة في الفقرة المذكورة آنفاً إلى مَسألة الأراضي التي ابتاعها اليهود من ” ملّاكين عَرَب غائِبين ” كانَ ” يُقيمُ أغلبهم خارج فلسطين ” ، وكذلك من بعض الفلاحين العرب ” أي الفلسطينيين.
لقد جاءَ تَعَرُّض الفقرة لهذه المسائل على النحو التالي :
بداية الاقتباس
“٧- وكان من رأي لجنة بيل أنَّ مَشاريع اليهود الزراعية والصناعية قد أفادَتْ العرب ، فَوائدَ جَمّة ، وإنْ كانت غَيْر مُباشِرة ، برَفْعِها مُستوى مَعيشتهم.
ومع أنَّ شَطْراً لا يُستهانً بِهِ مِمّا ابتاعه اليهود من الأراضي قد اشتروه من مَلّاكين عَرَب غائِبين ، يُقيمُ أكثرهم خارج فلسطين ، من المُحتمل أنْ يكونَ بَعْض الفلاحين من العرب الذين باعوا جُزْءاً من أراضيهم الى اليهود قد تَمَكّنوا من الإستفادة بِثَمَنِها في تحسين ما بَقِيَ لهم من أرض ، كما أنَّ تحسين الأحوال الصحية فى أرجاء كثيرة من فلسطين ، وإنْ كان جانبٌ منه يَرْجَع الى جُهودِ الحكومة ( حكومة الانتداب في فلسطين ) ، وجانبٌ آخر إلى جُهود العرب أنفسهم ، قَدْ ساهَمَ فيه بلا شك المُسْتَعمِرون اليهود.
ومما يُذْكَر ، فى مَعرض الحُجّة أيضاً ، أنَّ السُّكان اليهود قد جَرّوا فوائد ضِمْنِيًة جَمّة للعرب بما دَفَعوه من الضّرائب للخزينة العامة ، ويَزْعُم العرب ، من الجِهة الأُخرى ، أنَّ ما وَقَعَ في رَفْعِ مُستوى مَعيشتهم إنما يُعزى إلى مَساعيهم وجُهودهم وَحْدَها دونَ سِواها، وقد يكونونَ نالوا بعض المُساعدة من الإدارة ( البريطانية ) فى بعض الأحوال ، ويُؤكدونَ أنَّ مُستوى المَعيشه فى البلاد العربية الأُخرى قد تَحسَّنَ بما لا يَقِل عن التَّحَسُّن الذى طرأَ على مُستوى المَعيشة عندهم* وأنَّ العمل الذى قامت به الحكومة ( في فلسطين ) في مُساعدة الصِّناعة والزِّراعة اليهودية ، قد كان له أَثَرٌ سَيّء على العرب ، فرُسوم الإستيراد المَفروضة لحِماية الصِّناعة اليهودية ، مثلاً ، قد أرْغَمَتْ المُستَهْلِك العَرَبي على شِراء مَصنوعات ومَنتوجات مَحَلِّيّة بأسعارٍ باهِظة بدلاً من شِراءِ البَضائع التى تَرِدُ من الخارج بأسعار رخيصة، ومهما يَكُن من أمْرٍ فإنَّ العرب يُصَرِّحون بأنهم إذا خُيِّروا بين الحُرِّيّة والرُّقِي المادي، لاختاروا الحُرِّيّة وفَضَّلوها . “
انتهى الاقتباس .
في الفقرة رقم (٧) اعلاه ، مَيَّزَتْ اللجنة في مسألة ” بُيوع الأراضي ” لليهود في فلسطين ” نوعين من البُيوع ؛
النّوع الأول مِنَ البُيوع : وقد أشارَتْ إليه اللجنة على أنّه ” ما اشتروه ( أي ما اشتراه اليهود المُهاجرين إلى فلسطين ) من “مَلّاكين عَرَب غائِبين ، يُقيمُ أكثرهم خارج فلسطين “
النّوع الثاني من البُيوع: وقد أَسْبَغَتْ عليه اللجنة في الفقرة المُشار إليها أعلاه صِفَة الإحتمال ، وعَبَّرَتً عنه على النحو التالي : “مِنَ المُحتمل أنْ يكونَ بَعْض الفلاحين من العرب ( أي الفلسطينيين ) الذين باعوا جُزْءاً من أراضيهم الى اليهود قد تَمَكّنوا من الإستفادة بِثَمَنِها في تحسين ما بَقِيَ لهم من أرض “
ولأنَّ هذه المسألة ذات طابع حساس ، وللتعرف على حجم بيوع الاراضي خلال فترة الحكم العثماني لفلسطين وبالتحديد ما بين عامي ١٨٨٠ و ١٩١٧ ، وكذلك خلال فترة الاحتلال والانتداب البريطاني عليها ما بين ١٩١٧ و ١٩٤٨ ، لَجئتُ الى “تشات جي بي تي” ، وحَصَلتُ على المعلومات التالية :
في هذا الخصوص ،تقول تشات جي بي تي ، ما يلي :
بداية الاقتباس
“بلغت مساحة فلسطين الانتدابية غرب نهر الأردن نحو 26.3 مليون دونم.
تطور الملكية اليهودية للأرض كان تقريبياً كالتالي:
مساحة الاراضي المملوكة لليهود العام
نحو 400–500 ألف دونم 1914
نحو 500–650 ألف دونم 1917
نحو 650–750 ألف دونم. 1922
نحو 1.5 مليون دونم 1946-1945
نحو 1.73–1.85 مليون دونم اواخر 1947 / أيار 1948
( 6.5-7% ) من مساحة فلسطين
نهاية الاقتباس
أيْ أنَّ مَجموع مساحة الاراضي التي تَمَلَّكَها اليهود في فلسطين خلال فترة الحكم العثماني لفلسطين وعلى الأخص فيما بين عامي ١٨٨٠ و ١٩١٧ قد بلغ ما بين (٥٠٠) ألف دونم و (٦٥٠) ألف دونم من أصل مساحة فلسطين الانتدابية الممتدة ما بين نهر الاردن والبحر المتوسط والبالغ (٢٦،٣) مليون دونم .
و أنَّ مُلْكية اليهود للأراضي في فلسطين ما بين تاريخ بدء الاحتلال البريطاني لفلسطين في النصف الثاني من العام ١٩١٧ وتاريخ انتهاء الانتداب البريطاني عليها وخروج قواتها منها في ١٥ أيار ١٩٤٨ قد ازدادتْ مِنْ ما بين (٥٠٠- ٦٥٠) ألف دونم في العام ١٩١٧ الى ما بين (١،٧٣- ١،٨٥) مليون دونم في ايار ١٩٤٨ . اي أنَّ نحو (١،٢) مليون دونم قد انتقلت مليتها لليهود خلال فترة الاحتلال/ الانتداب البريطاني على فلسطين .
وبسؤال “تشات جي بي تي” عن التقديرات لمساحة الاراضي الحكومية / الميرية التي نَقَلَتْ سلطات الاحتلال/الانتداب البريطاني ملكيتها لليهود الذين سمحت لهم بالهجرة الى فلسطين ، تَلَقّيتُ الجواب التالي :
بداية الاقتباس :
“تقديرات مختلفة لحجم الأراضي الحكومية/الميرية التي وصلت إلى المؤسسات اليهودية:
- بعض الباحثين يقدرونها بين 150 ألف و300 ألف دونم.
- وهناك تقديرات أعلى قليلاً تصل إلى نحو 180 ألف دونم انتقلت من سلطات الانتداب أو من أراضٍ حكومية مختلفة إلى المؤسسات اليهودية.
لكن لا يوجد رقم رسمي بريطاني واحد متفق عليه بين جميع المؤرخين.”
نهاية الاقتباس
تَعني المعلومات الواردة في جواب ” تشات جي بي تي ” أعلاه أن نحو مليون دونم من اراضي فلسطين قد انتقلت ملكيتها لليهود في فلسطين من مَلّاكيها العرب الذين كان أغلبهم غير مُقيم في فلسطين وكذلك من المَلّاكين الفلسطينيين العرب ، وأن نحو (٢٠٠) ألف دونم أو أكثر هي أراضي ميرية / حكومية نَقَلَتْ سلطات الاحتلال/ الانتداب البريطاني على فلسطين ملكيتها لليهود .
وبسؤال ” تشات جي بي تي ” عن مساحة الاراضي في فلسطين التي انتقلت مُلْكيتها الى اليهود عن طريق المَلّاكين العرب الذين كان أغلبهم يُقيمُ خارج فلسطين ، تلقيتُ الجواب التالي :
بداية الاقتباس
“كم بلغ مجموع ما باعه الملاك الغائبون؟
لا يوجد رقم مُتَّفَقٌ عليه تماماً بين المؤرخين.
لكن مُعظم الدراسات تَضَعه في حدود:
المساحة. التقدير
نحو 500 ألف دونم الحد الأدنى
نحو 900 ألف دونم الحد الأعلى “
نهاية الاقتباس
خُلاصةُ الوقائع والمعلومات المُسْتَقاة من ” تشات جي بي تي ” والمُتَعَلِّقة في مَسألة بُيوع الاراضي لليهود في فلسطين ، تُشيرُ الى أنَّ عَمليات بَيْع قد تَمَّتْ قَبْل انعقاد المؤتمر الصهيوني الاول في بال / سويسرا في آب من العام ١٨٩٧ ، وكذلك ما بين عامي ١٨٩٧ و ١٩١٧ أي خلال فترة الحُكْم العُثماني لفلسطين وتاريخ صدور “وعد بلفور” في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ .
أمّا عن عَمليات بيع الأراضي في فلسطين لليهود خلال فترة الاحتلال / الانتداب البريطاني على فلسطين ، فقد تَمَّتْ بصورة جوهرية من قِبَل سلطات الاحتلال / الانتداب البريطاني على فلسطين ( الاراضي الميري / الحكومية ) ، وبدَرَجة أكبر مِنْ قِبَل مَلّاكين عرب ( من لبنان وسوريا ) غائبين ( غير مُقيمين في فلسطين ) ، وأنَّ أقل من نحو نصف مليون دونم قد انتقلت مُلْكِيّتها الى اليهود في فلسطين من قبل مَلّاكين فلسطينيين عرب خلال فترة الاحتلال / الانتداب البريطاني لفلسطين ما بين عامي ١٩١٧ و ايار ١٩٤٨ .
وتبين تلك التقديرات انه وحتى أيار ١٩٤٨ ، ومع كل النفوذ الصهيوني على مستوى الكرة الارضية وكل الدعم الغربي للحركة الصهيونية ، وعلى الاخص منذ انعقاد مؤتمر بال في آب ١٨٩٧ ، فإنَّ مُلكية اليهود للاراضي في فلسطين حتى أيار من العام ١٩٤٨ لم تتجاوز (١،٨) مليون دونم من مساحة فلسطين الانتدابية البالغة (٢٦،٣) مليون دونم ، أي بِنِسْبة تترواح ما بين (٦،٥ الى ٧ ٪ ) من مساحة فلسطين الإنتدابية .
ويُجْدَر أنْ يُذْكَر في هذا الخصوص أنَّ (٧٨٪) من مساحة فلسطين الانتدابية بالاضافة الى اراض لبنانية وسورية قد وَقَعَتْ في يد قوات منظمات الارهاب الصهيونية المسلحة خلال الفترة الممتدة ما بين نيسان و تشرين الثاني ١٩٤٨ وذلك بعد فَشَل الحَمْلة العسكرية التي شَنّتها قوات الدول العربية المحيطه بفلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ ضد قوات الكيان الصهيوني الذي أَعْلَنَتْ الحركة الصهيونية عن إنشاءه في فلسطين في ١٤ ايار ١٩٤٨ وفق أحكام قرار التقسيم الأُممي رقم ١٨١ ، وذلك قبل نجاح قوات دولة الكيان الصهيوني ( اسرائيل ) في تحقيق مزيد من التوسع تَمَثّل في احتلال باقي الاراضي الفلسطينية بالاضافة الى احتلال كل من الجولان السوري وشبه جزيرة سيناء المصرية في ٥ حزيران من العام ١٩٦٧.
لمْ أسْتَكْمِلْ بعد تغطية باقي فقرات الفصل السادس من تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الامريكية .
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان – ١٢ حزيران ٢٠٢٦