كُنتُ في زِيارةِ الصَّديق العزيز عبد الله حَمّودة مَساءَ يوم الخميس الماضي ( ١٨ حزيران) حيث زُرْتُهُ في بَيْتِه القريب من بَيْتي وكلاهما في حَيِّ الرّوابي من أحياء عمان الغربية الذي يَقَع إلى الغرب من شارع عبد الله غوشه .
في القَرْية المَعْروفة “بيتْ دَجَنْ” ، وهيَ إحدى قُرى قَضاء يافا في فلسطين ، أَبْصَرَ عبد الله حَمّودة النور . كان ذلك في أحد أيام الشهر الأول من عام ١٩٤٢ .
تَقَع ” بيتْ دَجَنْ ” في موقع حيوي من السهل الساحلي ، إلى الجَنوب الشّرْقي لمَدينة يافا ، وعلى بُعْدِ نحو (٦) كيلومترات من وسط هذه المدينة ، والقَرْية هيَ نُقْطة إلتقاء لطُرُق مواصلات حَيَوِيّة تربط يافا بالِّلد والرَمْلة والقدس.
و”بيتْ دَجَنْ” هَذِه ، هِيَ قَرْية زِراعِيّة بامتياز ،وقد شَهُدَتْ القَرْية في العام ١٩٢٠ وبجهودِ أهاليها، إنشاء أوَّل مَدْرَسة إبتدائية في القَرْيَة : مَدْرَسة بيت دجن الأميرية للبَنين ، تلاها في العام ١٩٣٣ إنشاء أول مَدْرَسة للبنات .
ومَع الوَقت ، تَطَوّرتْ مَدِرَسة البنين لتَشْمَل صُفوفاً عليا حتى الصَّف السَّابِع، وتَمَيَّزَتْ المَدْرَسة باحتضانها مَكْتَبة ضَمَّت نَحو (٦٠٠) كتاب، هذا مَع قِطْعِة أرض زِراعية بمساحة(١٥) دونماً كانت تُسْتَخْدَم لتدريب الطُّلاب على أصول الهندسة الزراعية والزراعة العملية( معلومات مُستقاة من غوغل ) .
ويُجْدَر أن يُذْكَر في هذا الخصوص أنَّ التعليم في هذه القَرْيَة قد ارتبطَ بأسماءِ مُعلمين وشيوخ بارزين وَضَعوا اللبنة الأولى للتعليم، من أشهرهم الشيخ الأزهري مصطفى عباس حَمّودة (الذي أَسَّسَ أوائل الكتاتيب والتعليم في القرية)، وتناوبَ على التدريس في تلك الحقبة مُعلمون من أبناء القرية والمُدُن الفِلسطينية المُجاورة المُعينين . كما بَرزَ من أبناء القرية المُثَقفين الناشط عبد الهادي محمد حَمّودة، الذي تخرج من الجامعة الأمريكية وعُيِّنَ مديراً للقسم العربي لشركة بريطانية في يافا، وكان من المُؤسسين لـ “نادي الشباب العربي” في “بيت دَجَنْ” الذي شَكّلَ مُلتقىً ثقافياً وسياسياً هامّاً للقرية.
بَلَغَ عدد سُكّان القَرْية في العام ١٩٤٨ نحو (٤٥٠٠) نسمة ، عَمِلَ مُعظمهم في الزراعة ، وفي معاصر الزيتون، ومَحطات فَرْز وتَعبِئة البرتقال في القرية والتي كان يَتِم تَصديرها الى البلدان الأوروبية عبر ميناء يافا.
مُنذ العام ١٩٢٠ وحتى النكبة في العام ١٩٤٨ ، إنْخَرَطَ سُكّان قرية “بيتْ دَجَنِ” في النضال ضد الإحتلال / الإنتداب البريطاني لفلسطين ، وقاموا بتشكيل لُجان الدفاع المحلية التي شاركت في التّصدي لهَجَمات عصابات “البلماح” و”الهاجاناه” التي استهدفت طريق يافا-القدس العام المُحاذي للقرية ، ونَسّقَ ثوار القرية مع القائد ميشال العيسى وجُنوده. واستمرَ الدِّفاع البطولي عن القرية والمنطقة التي تحيط بها حتى الرَّمَق الأخير قبل الانتقال لحَيِّ “أبو كبير” في قلب يافا.
لذلك ، كانتْ ” بيتْ دَجَنْ ” واحِدة من قُرى قضاء يافا التي تَعَرَّضَتِ لحَمْلة مُرَكَّزة من الإرهاب الصهيوني في نيسان من العام ١٩٤٨ تَخَلَّلها قَصْفٌ للقرية ومحيطها مصحوب بحصارٍ انتهى بتطهيرٍ عِرْقِي ليس فقط لسكان ” بيتْ دَجَن ” وانما لسكان يافا وقرى قضاءها .
بَدَأتْ هذه الحَمْلة في ٢٥ نيسان من العام ١٩٤٨ باحتلال مدينة يافا وعدد من القرى المحيطة بها وانتهت في ٣٠ نيسان من العام نفسه بسقوط ” بيت دجن ” في أيدي قوات الارهاب الصهيوني ، تَلى ذلك تَهجير سُكاّن القَرْية والقُرى المُجاوِرة حيث لَجأت غالبية العائلات في البداية إلى المُدن الفِلسطينية والقُرى المُجاوِرة القريبة مثل الِّلد، الرَّمْلة ، ولكن وبعد سُقوط هاتين البلدتين في تَمّوز ١٩٤٨ ، أُجْبِر الأهالي على الهِجْرة مُجَدّداً سَيْراً على الأقدام نحو مدينة رام الله والى الشرق نحو الاردن ، وكانت عائلة ” حَمّودة ” احدى العائلات التي اتجهت شرقا في تموز من العام ١٩٤٨ ووصلت الى قرية صويلح بالقرب من عَمّان قبل ان تنتقل في وقتٍ لاحق وتستقر في مدينة عمان .
في مدرسة “بيتْ دَجَنْ الأميرية للبنين” ، بدأ الطفل عبد الله حموده تَلَقّي تعليمه الابتدائي. وبعد وصوله الى عمّان ،أكْمَلَ عبد الله تعليمه الاساسي ثم الثانوي واجتاز اىإمتحان “المَتْرِك”في العام ١٩٦٠ وكان هذا الامتحان هو الأخير الذي نُظِّمَ في الأُردن وفق هذا النظام قبل الإنتقال الى نظام التعليم التوجيهي .
لَمْ تكن الجامِعة الأُردنية قد إفْتُتِحَتْ بعد في ذلك العام( ١٩٦٠) ، مِمّا اضْطَرَّ عبد الله إلى الإنتقال الى الضفة الغَرْبية من الأردن وإكمال تَعليمه العالي في كلية بير زيت في رام الله . وهناك ، ومن هذه الكلية المَعْروفة والمُمَيَّزة ، وفي العام ١٩٦٣ نال عبد الله شهادته العْليا في علوم الإدارة العامة .
في عمان وفي العام ١٩٥٩ ، انتمى عبد الله حمودة الى “حركة القوميين العرب” ، وكان يَقودها في ذلك الحين شَخصيات مُثَقَّفة ، مُمَيَّزة ومَعروفة في المجتمع الأُردني منهم حَمَد الفرحان ونَجيب الرشدان ومحمد طوقان وغيرهم . ومنذ انخراطه في صفوف هذه الحركة، لم يترك عبد الله مجال العمل الوطني والنضال السياسي أبداً .
عبد الله حَمّودة ؛ إبن هذه القرية المناضلة ؛ ” بيت دَجَنْ” ، لَهُ باعٌ وتاريخٌ طويلٌ في العمل الوطني ، وهو مُثَقفٌ واسعُ الإطلاع ومُتَعَمِّقٌ في حَيثيات القضية الفلسطينية والقضية القومية العربية ، ومُحاضرٌ فيها ، وله مقالات مَكتوبة وأبحاث . وهو أيضاً عضوٌ نشيط في رابطة الكُتّاب الأُردنيين واللجان المُنْبَثِقَة عنها .
وإلى جانب إنخراطه العُضْوِي في العَمل النضالي السياسي ، عَمِلَ عبد الله في مجال الإعلان والإعلام ، وكان مَكْتبه حتى هذا الوقت يَستضيف مَقَرَّ مُنتدى الفِكْر الديمقراطي الذي تأسس في مطلع التسعينات من القرن الماضي وتَرَأَسّه لدورات متعددة.
عبد الله حَمّودة مَعروفٌ بمَكْتَبَته الخاصة ، وهي مَكْتَبَة غَزيرة بالكتب والوثائق التاريخية النادرة ، وقد قَرَّرَ مُؤخراً التَّبَرّع بها الى عدة جهات نالت “المكتبة الوطنية” في الاردن منها حِصّة الأسد ، كما نالَتْ كل من مَكتَبات عدد من الأحزاب اليسارية والقومية حِصّته منها.
الصديق عبد الله ؛ الثمانيني في العُمْر ؛ تَعَرَّض في تشرين الثاني من العام الماضي ( ٢٠٢٥) لحادثِ وُقوعٍ في البيت أدّى الى حُصولِ كَسْرٍ في عَظْمَةِ الفَخْذ لساقِهِ اليُمنى تًرَتّبَ على ذلك تركيبَ مِسمارٍ مَعدَني لوصل الكَسْر الذي حصل في تلك العَظْمة ، ومُنذُئذٍ والى ان يستعيد قدرته على المَشْي الحُر على قَدَميه ، يَتحرك عبد الله هذه الأيام باستخدام ” مَشّاية طِبِّيّة ” .
حَمَلَه وَضْعَه الصِّحِي هذا على أخذ قرار بتوزيع ما يَمْلِكه من كُتُب ووثائق وهي بالآلاف لمؤسسات وأحزاب وطنية.
دعونا ندعو للصديق عبد الله بالتعافي وطول العمر.
كنتُ أَقرأُ لعبد الله اليومية التي كنتُ قد نَشَرتها في يوم الخميس الموافق ١٨ حزيران ٢٠٢٦ ، والتي تناولتُ فيها – قبل أنْ أشْرَع بكتابة هذه المُقَدِّمَة عن ” عبد الله حمودة ” و عن ” بيت دَجَنْ” – أقول ، كنتُ أَقرأُ لَهُ ما أوردته في تلك اليومية عن شَهادات الشهود الفلسطينيين الذين أدلوا بها أمام “لجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية بشأنِ “مشاكل يهود أُوربا وفلسطين” في الفترة الواقعة ما بين ٦ و ٢٨ آذار من العام ١٩٤٦ أثناء زيارة اللجنة لفلسطين – أي تلك المشاكل التي كان اليهود يواجهونها في مُخيمات اللجوء والتشرد في أوروبا بعد أن وضعتْ الحرب العالمية الثانية أوزارها وتوقف القتال فيها في السادس من أيار ١٩٤٥ ، وكذلك “تلك “المشاكل” التي كان اليهود يواجهونها في فلسطين في تلك الفترة – .
جَرّنا الحديث عن أسماء الشّهود الواردة اسماءهم في يومية ١٨ حزيران . وفي هذا الخصوص تَساءلَ عبد الله وقال : ولكن هُناكَ شُهودٌ آخرين وشخصيات فلسطينية أُخرى لَعِبَتْ دوراً حيوياً في تلك المرحلة … ماذا مثلاً عن محمد عزت دروزة ، موسى العَلَمي ، أحمد الشقيري ، أنطون عطالله ، عزت طنوس ، أكرم زعيتر ، عادل زعيتر ، أحمد حلمي عبد الباقي ..!
وجدنا أنفسنا مُنْغَمِسين في نقاشٍ واسع، إضطرَّنا للجوء الى “تشات جي بي تي” لاستخلاص قدر أكبر من المعلومات ،وأخذنا نُخْضِعُ ما ناقشناه واستخلصناه للتدقيق والتمحيص ، وللمحاكمة أيضاً ، وبعد ساعتان من التفاعل والنقاش ، وجدنا أنفسنا مع كَمٍ هائل من المعلومات المُجَمّعة.
وكي لا تستطيلَ هذه اليومية أكثر ، فقد قررتُ أنْ أكتفي بهذا القَدْر من المعلومات فيها ، على أنْ أُكْمِل ما تناولناه من نقاش أنا وعبد الله في اليومية التالية .
وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢٢ حزيران ٢٠٢٦