Menu Close

يومية الخميس الموافق ١٨ تشرين اول ٢٠١٨

يومية الخميس الموافق ١٨ تشرين اول ٢٠١٨

خالد

استمر إنعقاد جلسات مؤتمر لندن حتى ٢٧ آذار من العام ١٩٣٩.

خلال جلسات المؤتمر ، بقي كل طرف متمسكاً بمطالبه.

تقدمت الحكومة البريطانية بمقترحات متكاملة ، لم تلقَ تأييداً من الوفد الفلسطيني ولا من وفد الوكالة اليهودية ، ولاقت أيضا تحفظات ومعارضة الوفود العربية .

إنغمس المؤتمر في النِّصف الثاني من جلساته في تحليل ما إذا كانت التعهدات البريطانية المقطوعة للعرب في محادثات مكماهون – الشريف حسين في عامي ١٩١٥/١٩١٦ تنطوي على تعهد بأن إستقلال البلاد العربية يشمل البلاد الفلسطينية من عدمه ، وفِي حين بقيت الحكومة البريطانية متمسكة بموقف مفاده أنَّ فلسطين هي خارج تلك التعهدات ، كان أعضاء في اللجنة التي تشكلت في ذلك الوقت ، وأعضاء وفود عربية يتمسكوا بموقف مفاده أن فلسطبن كانت مشمولة بتعهد ” الإستقلال”.

على أي حال، فقد عَبَّر وزير المستعمرات البريطاني المستر ماك دونالد بعد إنتهاء جلسات المؤتمر ، عن “أسفه لعدم نجاح المؤتمر في إيجاد حل للقضية الفلسطبنية “. وبذلك ، فقد وجدت الحكومة البريطانية نفسها أمام مهمة وضع سياسات متكاملة حول القضية الفلسطينية والإعلان عنها على أنها هي ما ستحكم مواقفها تجاه القضية الفلسطينية خلال الفترة القادمة .

في الوقت الذي كانت تنعقد فيه جَلسات “مؤتمر لندن” ما بين ٧ شباط و٢٧ آذار ١٩٣٩تحت الرعاية الرسمية للحكومية البريطانية ، وبمشاركة وفود ممثلة للفلسطينيين وليهود العالم ، وبحضور ممثلين عن مصر وشرقي الاْردن والسعودية واليمن والعراق ، كان فِكْر الساسة والقادة البريطانيين مْنشغلاً تماماً بتطورات الأحداث التي أخذت تَعْصِف بالمسرح الأوروبي منذ الربع الاول من عام ١٩٣٨، وأخذت بالتسارع والتفاقم خلال الشهور التسعة الاولى من عام ١٩٣٩ وصولاً الى حالة إعلان الحرب في مطلع أيلول من العام نفسه .

ماذا كانت عليه صورة المشهد الدولي خلال إنعقاد جلسات مؤتمر لندن ، وإبان الوقت الذي أصدرت فيه الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض ؛ هذا الكتاب الذي عَبَّرَ عن السياسات الجديدة للحكومة البريطانية تجاه القضية الفلسطبنية في ١٧ أيار ١٩٣٩؟

مع حلول العام ١٩٣٩ ، بَدَتْ نُذُر الحرب في أوروبا وفِي مناطق أُخرى في العالم تبدو أكثر ترجيحاً ، وكان ذلك يُؤذن بإنتهاء مكانة وإنهيار النظام العالمي الجديد الذي كان قد تشكل بعد الحرب العالمية الاولى في مؤتمر الصُّلح في ڤيرساي في العام ١٩١٩ والذي تمظهر في أحد أشكاله في إنشاء ” عُصْبة الأُمم”.

كان هتلر قد وافق على إنضمام النمسا الى ألمانيا في آذار من العام ١٩٣٨.

أمّا أوار الحرب الأهلية الإسبانية ، فقد كان خلال الفترة الممتدة ما بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٣٩ متأججاً ، وهي ذات الفترة التي كانت فيها الثورة الوطنية الفلسطبنية مندلعة على الأرض الفلسطينية ، ووصلت الى أوجها في النِّصف الثاني من العام ١٩٣٨.

في تلك الفترة ، قاد الجنرال فرانكو بدعم من المحافظين إنقلابا على الجبهة الشعبية الإسبانية التي فازت في انتخابات سنة ١٩٣٦ ووعدت بإرساء نظام ديمقراطي.

دّعَمَت كل من ألمانيا وإيطاليا فرانكو بالرجال والسلاح في حَمْلَتِه على الثوار الجمهوريين في إسبانيا .أدى ذلك ، يا خالد، الى إنتصار فرانكو وإستلامه سلطة الحكم فبها.

في آذار من العام ١٩٣٩، احتلت القوات الألمانية تشيكوسلوڤاكيا .

ردت بريطانيا على هذا التحرك بإعلانها في ٣١ آذار ١٩٣٩ تشكيل حِلْف عسكري فيما بينها وبين بولندا . وكانت فرنسا في تحالف عسكري مع بولندا منذ العام ١٩٢١.

وفي شهر نيسان ١٩٣٩، تَدَهورت الأمور أكثر في أوروبا مع قيام القوات الإيطالية باحتلال ألبانيا ، وقد تلى ذلك قيام الزعيم الإيطالي موسوليني بتوقيع معاهدة عسكرية مع الزعيم الألماني هتلر أُطلق عليها اسم الحِلْف الفولاذي ، وكانت ألمانيا قد امتنعت في العام ١٩٣٦ عن تطبيق العقوبات الاقتصادية المتخذة في حق إيطاليا بعد غزوها لإثيوبيا ، وقد ترتب على ذلك إعلان الدولتين عن تكوين محور روما-برلين سنة 1936. وكان قد تشكل حلف مضاد للشيوعية بين ألمانيا واليابان ، التي كانت تخشى وقوف الاتحاد السوفييتي ضد سياستها التوسعية في الصين. وقد تدعم هذا الحلف بانضمام إيطاليا إليه.

وفِي محاولة لتحييد الإتحاد السوڤييتي، عَمِدَت ألمانيا الى توقيع اتفاقية عدم إعتداء مع السوڤييت. تم ذلك في ٢٣ آب من العام ١٩٣٩.

في الأول من أيلول من العام ١٩٣٩، إجتاحت القوات الألمانية بولندا .

في الثالث من أيلول ١٩٣٩، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا، وإنضمت لهما خلال أُسبوع عدد من الدول مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا والهند واتحاد جنوب أفريقيا.

وفي ضوء التطورات التي حصلت ، قام الاتحاد السوڤييتي في ١٧ أيلول من العام ١٩٣٩ بإحتلال المناطق الشرقية من بولندا ، وأنشأ حكومة بولندية في المنفى.

وَجَّهَت بريطانيا إنذارا إلى ألمانيا بوجوب سحب قواتها من بولندا فورا وإلا إعتبرت الحرب قائمة بين البلدين ،وَحَذَت فرنسا حَذْوَ بريطانيا، فإنقسم العالم إلى مُعسكرين “الحلفاء” و “المحور” وهكذا، إندلعت الحرب العالمية الثانية والتي دامت حوالي ست سنوات.

في ظل هذه الأوضاع ، يا خالد، إكتسب الوجود العَسكري البريطاني في مصر وفلسطين وشرقي الأُردن والعراق أهمية إضافية . فلم تكن الأوضاع تسمح بأن تبقى الأوضاع في فلسطين مُلْتَهِبة بثورة عارمة في الوقت الذي كانت تتجه فيه التطورات في أُوروبا الى حرب واسعة .

كانت تلك الأوضاع والتطورات في العام ١٩٣٩ وإحتمال إندلاع حرب واسعة في أوروبا تعمل لصالح الطرف الفلسطيني يا خالد.

لِذا كان على بريطانيا أن تقترح وتتبنى سياسات جديدة تنزع فتيل ثورة الشعب الفلسطيني ، وتدفع الأمور في فلسطين الى التهدئة .

فما هي السياسات الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية في ١٧ أيار ١٩٣٩ بخصوص القضية الفلسطينية ؟!

يا خالد

بَنَتْ الحكومة البريطانية سياساتها التي ضَمَّنَتها الكتاب الأبيض على مقترحاتها التي قدمتها للمؤتمرين خلال جلسات مؤتمر لندن ، وذكرت في معرض عرضها للسياسات الجديدة ما يلي:

“لقد بذلت حكومة جلالته لدى وضعها هذه المقترحات جهدها بإخلاص للتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بموجب صك الانتداب”.

وأعلنت الحكومة البخريطانية كذلك أنه وخلال عشر سنوات ، فإنها تلتزم ؛

•بتَشكيلَ ” حُكومة فلسطينية مُستقلة” ” تَرْتَبط مع المملكة المتحدة بمعاهدة تضمن للبلدين متطلباتهما التجارية والحربية في المستقبل ضَماناً مُرْضِياً “، وتلتزم كذلك بِـ ” التشاور مع مجلس عُصْبة الأُمم بقصد إنهاءالإنتداب “، وتلتزم

• أنْ تكون دولة فلسطين المُستقلة ” دولة يُساهم بها العرب واليهود في حكومتها على وجه يَضْمَن صِيانة المَصالِح الأساسية لكل من الفريقين ” ، وتلتزم

•أن يَسْبِق تَشكيل الدولة المستقلة ” فترة إنتقال تَحتفظ الحكومة البريطانية خِلالها بمسؤولية حُكْم البلاد ” ويُعطى ” أهل فلسطين [ من العرب الفلسطينيين واليهود ] خلالها نصيباً متزايداً في حكومة بلادِهم “، وتلتزم

•أن يَبدأ تَنفيذ هذه الخُطّة ” حالما يتوطد الأمن والنظام في فلسطين توطيداً كافياً ” [ بمعنى ، حالما تتوقف نشاطات الثوّار ضد الوجود البريطاني والصهيوني في فلسطين ]، وتلتزم

•أن تقوم الحكومة البريطانية بِـ ” تشكيل هيئة تشريعية مُنْتخبة …” في فلسطين ” حالما تسمح الأحوال المحلية بذلَك “، وتلتزم

• أنْ تَتَشَكَّلَ ” بعد إنقضاء خمس سنوات على توطيد الأمن والنظام”، “… هَيئة مُلائِمة من مُمَثِّلي أهل فلسطين والحكومة البريطانيةللنظر في كَيْفِيّة سَير الترتيبات الدُّستورية خلال فترة الإنتقال ، والبحث في وضع دستور لدولة فلسطينية مُستقلة ، وتقديم التواصي بذلك الشأن ” .وتلتزم

•بِبَذل الجُهود ” لإيجاد ظروف تُمَكِّن الدولة الفلسطينية المُستقلة من الخروج الى حَيِّز الوُجود خلال عشر سنوات ” ، ولها ، أي للحكومةًالبريطانية، بعد التشاور مع أهالي فلسطين ومجلس عُصْبة الامم والدول العربية المجاورة إرجاء ذلك الى أن تَتَوَفَّر الظروف المُؤاتية لتحقيق ” الهدف المنشود في أقرب وقت ممكن”، وتلتزم

•بأن ” تَكون الهِجرة اليَهودية خلال السّنوات الخَمس، التالية” ما ” مِنْ شَأنه أنْ يَزيد عَدَد السُّكان اليهود في فلسطين إلى ما يَقْرُب مِنْ ثُلْثِ مجموع سُكّان البِلاد بِشَرط أنْ تَسْمَح قُدْرة البلاد الإستيعابية الإقتصادية بذلك . وهذا يَعني السّماح بإدخال نحو (٧٥،٠٠٠) مُهاجر يهودي إلى فلسطين خلال السّنوات الخمس القادمة ،..” ، وتلتزم

• بأنه و” لدى إنقضاء السنوات الخمسة المُشار إليها ” ،فإنه سوف ” لا يُسمح بهجرة يهودية أخرى إلا إذا كان عَرَب فلسطين على إستعداد للقبول بها “، وتلتزم

• بأنه ، أي الحكومة البريطانية ” ….مُصَمِّمَة على مَنْع الهجرة غير المشروعة ، وسَتَتّخِذ الآن إجراءات أُخرى للحَيلولة دُونها ، وإذا أفلح عدد من المُهاجرين اليهود غير الشرعيين في دُخول البلاد على الرغم من تلك الإجراءات ، وكان هؤلاء ممن يمكن إبعادهم ، يُنَزَّل عددهم من الحِصَص السنوية ” ، وتلتزم

•بأنَّ ، أي الحكومة البريطانية “…مُقتنعة أنّه مَتى تََمت الهِجرة التي يُفَكَّر فيها الآن على مَدار السّنوات المُشار إليها ، لن يَكون لها مُبَرِّر، كما أنّها لَنْ تَكون تَحْتَ طائِلة أي إلتزام لتسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي عن طريق السّماح بهجرة أخرى بغض النظر عن رَغَبات السُّكان العرب “، وتلتزم

• بأنْ ” يُمنح المَندوب السّامي سُلطات عامة تخَوِّله مَنْع وتنظيم إنتقال الأراضي ، ويَبدأ العمل بهذه الُسلطات من تاريخ نشر هذا البيان . ويَحتفظ المندوب السامي بها طيلة فترة الإنتقال، كما سَيُباح للمندوب السامي لدى إقتناعه بأن حقوق ووضع السُّكان العرب قد حُفِظَت حِفْظاً تاماً ، بأن يُعيد النّظر في أية أوامر أصدرها بمنع إنتقال الأراضي أو تقييد وتعديل تلك الأوامر “.

تِلكَ هي مُقْتَطَفات حول ما ورد في الكتاب الأبيض من خطوط ، وهي مُقْتَبَسة من كتاب أستاذ التاريخ المساعد في جامعة اليرموك الدكتور عمر صالح العمري المعنون ” موقف الاْردن من الحلول التي طُرِحَت للقضية الفلسطينية “- (ص ١٧٩-١٨٢)

إذن ، فقد تضمنت السياسات الجديدة المُعْلَنة تراجعاً ملحوظاً عن عدد من السياسات التي كانت قد أعلنت عنها ، وكانت تتقيد بها قبل إصدارها للكتاب الأبيض الجديد .

لم يكن التراجع شاملاً، فقد بقيت بريطانيا تذكر الناس باحترامها لإلتزاماتها التي نص عليها صك الإنتداب ، ولكن التراجع كان ملموساً وملحوظاً ، فقد تراجعت عن إقتراح تقسيم فلسطين ، والتزمت بإنشاء دولة فلسطينية لمواطنيها من العرب واليهود ، وبمنحها الإستقلال ، والتزمت كذلك بوضع سقف للهجرة اليهودية الى فلسطين ، على ان لا يتجاوز عددهم بعد خمس سنوات ثلث سكان البلاد ، وعلى أن لا يتجاوز عدد المهاجرين اليهود خلال هذه الفترة (٧٥) ألفاً ، والتزمت باتخاذ إجراءات تقضي بمنع إنتقال الاراضي لليهود …. الخ.

خالد

أثارت السياسات الجديدة للحكومة البريطانية الخلافات في الأوساط المختلفة للأطراف المعنية بالمُعضلة الفلسطينية ، فقد نَظَرت لها الوكالة اليهودية على أنها تنطوي على إنقلاب أو تراجع كبير عن الإلتزامات التي قَطَعَتها الحكومة البريطانية للوكالة اليهودية عند إصدارها ” تصريح بلفور ” في الثاني من تشرين الثاني من العام ١٩١٧، وتلك التي وردت في مَتن ” صك الإنتداب ” التي أقرته ” عُصْبة الامم ” في تموز من العام ١٩٢٢.

لذلك ، وإثر إعلان الحكومة البريطانية عن سياساتها الجديدة المُعَبَّر عنها في الكتاب الأبيض ، أظهر صهاينة فلسطين موقفهم الرافض للكتاب الأبيض بأشكال الإحتجاج المختلفة ؛ بالبيانات ، والإضرابات من جهة وانتقلوا من جهة أُخرى ولأول مرة لممارسة أعمال الإرهاب المسلحة عبر قيامهم بتنفيذ أعمال تدمير وتفجير لمنشآت رسمية ونسف لخطوط سكك حديدية ، وارتكاب جرائم عنف وإرهاب وقتل بحق فلسطينيين مدنيين عرب ، وكذلك ضد الثكنات والجنود البريطانيين.

وبالنسبة للقيادة الفلسطينية أي “اللجنة العربية العليا لفلسطين” ، فقد إنقسم أعضاءها الأحد عشر الى أكثرية وأقلية ، أما الأكثرية وبالرغم من تحفظاتها على جوانب مختلفة من السياسات التي وردت في الكتاب الأبيض ، إلا أنها إختارت الإنحياز إلى موقف مفاده إعلان القبول بما ورد في الكتاب الأبيض من سياسات جديدة ، في حين مالت الأقلية، وَدَفَعَت إلى تَبَنّي مَوقف الرَّفض للسياسات المُعَبّر عنها في الكتاب الأبيض إنطلاقا من إعلان بريطانيا فيه إستمرار تمسكها بالتزاماتها المنصوص عليها في صك الإنتداب ، وأنَّ الكتاب الأبيض يرمي الى إعتبار فلسطين في نهاية المطاف دولة مواطنيها “العرب واليهود” ، وليست دولة عربية أو عربية إسلامية ، وأن الإعتراف بإستقلال فلسطين عند إنتهاء الإنتداب سيكون مبنياً على هذا الأساس ، وإنطلاقاً أيضاً من أن أبواب الهجرة اليهودية لفلسطين ستبقى لخمسة سنوات قادمة مفتوحة لاستقبال (٧٥) ألف مهاجر جديد في حين أن المطلب الفلسطيني يقوم على مبدأ وقف الهجرة تماماً وبصورة فورية ،… وغير ذلك من الملاحظات او الإعتراضات .

تمكنت الأقلية في اللجنة( القيادة الفلسطينية ) من فرض رأيها على أكثرية أعضاء اللجنة نظراً لإنحياز رئيس اللجنة الحاج محمد أمين الحسيني لرأي الأقلية ، وأفضى النقاش داخل اللجنة إلى جرِّ الأكثرية لتبني موقف الأقلية . وعليه ، فقد أصدرت اللجنة العربية العليا لفلسطين في ٣٠ أيار من العام ١٩٣٩ بياناً الى الشعب الفلسطيني جديدة ،أعلنت فيه رفضها للكتاب الأبيض.

كانت حكومات مصر والسعودية والعراق واليمن ، وسورية ولبنان قد أعلنت أيضا عن مواقفها الرافضة لما ورد في الكتاب الأبيض من سياسات جديدة للحكومة البريطانية ، في حين أعلن الأمير عبد الله ، أمير إمارة شرقي الاْردن قُبوله بما ورد في الكتاب الأبيض من سياسات ، ونَصَحَ القيادة الفلسطينية قبول الكتاب الأبيض .

وبالرغم من الوَجاهِة في المَوقف الذي عبَّرَ عنه الأمير عبد الله من الكتاب الأبيض ، إلا أن رفض القيادة الفلسطينية له ( أي اللجنة العربية العليا لفلسطين ) ، وكذلك الحكومات العربية ، قد وَضَعَه للمَرَّة الثالثة خلال سنتين ( الأول ؛ الموقف من مشروع لجنة بيل في تموز ١٩٣٧، والثاني ؛ الموقف من تقرير لجنة وودهيد في تشرين الثاني ١٩٣٨ ) في تعارض أو إختلاف مع الموقف الرسمي الذي عَبَّرَت عنه القيادة الفلسطينية في ٣٠ أيار ١٩٣٩ إزاء الكتاب الأبيض .

هل كان الموقف الرسمي للقيادة الفلسطينية أي للجنة العربية العليا لفلسطين هذه المرة صائباً ؟

كي نجيب على هذا السؤال دعونا نتأمل في تفاصيل المشهد الفلسطيني خلال فترة إشتعال نيران الثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى ؛ ما بين تاريخ انطلاقها في ١٧ نيسان ١٩٣٦ وتاريخ سحقها خلال النِّصف الاول من العام

١٩٣٩.

في اليوميات السابقة ، ألقينا بعض الضوء على الظروف التي أدَّت الى اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى في نيسان من العام ١٩٣٦، والتي كانت فعلاً استمرارياً للثورة الوطنية التي أعلنها القائد عز الدين القسام في تشرين الثاني ١٩٣٥.

أخذت الثورة ما بين أيار وتشرين اول ١٩٣٥ طابع التمرد والعصيان المدني ضد الوجود البريطاني الإستعماري في فلسطين وضد سياسات سلطات الإنتداب البريطانية التي فتحت أبواب فلسطين لهجرة اليهود اليها ، وسعت لتهيئة أحوال فلسطين لإقامة الوطن القومي لليهود فيها . تَمَثّلَ التَّمَرُّد بالإضراب العام الذي مارسته الجماهير الفلسطينية في عموم الأراضي الفلسطينية لمدة قاربت الستة شهور.

بعد ذلك، تَحَوَّل التَّمَرُّد والعِصْيان المَدَني في فلسطين إلى ثورة مسلحة عارِمة شارك فيها الفلسطينيون والمناضلون العرب من أبناء البلدان العربية المُحيطة بفلسطين . شَمِلَت الثورة المُدُن والبلدات والأرياف الفلسطينية ، وبَلَغَت أوجها خلال الشهور التسعة الاولى من العام ١٩٣٨.

تَمَكَّنَت بريطانيا خلال النِّصف الأول من العام ١٩٣٩ من إلحاق ضربة قاسية بالثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى من خلال مُزاوَجَتِها لخمسة أنواع من العمليات :

الأول ،وتَمَثَّل في هجوم الخريف العسكري الكبير ضد ثوار فلسطين الذي بّدَأته قُوّاتها في خريف العام ١٩٣٨ والذي إمتدت فعالياته طيلة النِّصف الأول من العام ١٩٣٩ ، أثناء إنعقاد جلسات “مؤتمر لندن” ، وشارك فيه عَشَرَات الألوف من الجنود البريطانيين ، والهنود والأستراليين ، وغيرهم من القوات الرديفة، واستخدمت فيه الدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة .

الثاني ، وتَمَثَّل في تَمْزيق نَسيج المُجتمع الفلسطيني الرِّيفي والحَضَري ، عبر إثارة النَّعَرات العشائرية والعائلية وكذلك الإثنية ، وتَسْعير الإقتتال الداخلي بين أهالي القُرى بعضهم مع بعض ،في شمال وجنوب فلسطين ، ومع أهالي المدن كذلك ، وذلك من خلال دَفْعِهم الى تَشكيل عصابات مسلحة ( ثورة مضادة – الكونترا) فيها عَمِلَت بإسم ” فصائل السلام “، واجَهَت فيها تلك الفصائل – بمساعدة قوات الإنتداب – وِحْدات الثوار في الأرياف والمدن الفلسطينية ، أي الوِحْدات العاملة تحت قيادة المفتي الحاج محمد أمين الحسيني . وقد تَوَرَّطَ في هذه العملية أشخاص ينتمون لعائلات فلسطينية كبرى مَوَّلَتهم وسَلَّحَتهم سلطات الإنتداب البريطاني ، وأقْحَمَتْهم في صِراعات دامية ، تم خلالها إستغلال الأوضاع المعيشية الصّعبة للقروييين وتَرَدّيها – مع استطالة أَمَد الثورة ، وبؤس الأحوال المعيشية اليومية – إلى مستويات من الفاقة والفَقْر بالغة السوء ، ونجاحهم ، في نهاية المطاف، الى زَجِّهم ، أي زج جماعات من القرويين – في العديد من القرى – في نشاطات مُعادية للثُوّار ، الأمر الذي أدى الى خلق حالة من إنعدام الأمن الشخصي والفوضى القاتلة للأفراد والعائلات في قرى الريف الفلسطيني وفي البلدات والمدن الفلسطينية ، وإلى توليد حالة من الإحباط الواسع ، مما أفضى الى تفريغ الثورة ، من زخمها النِّضالي الثوري .

لقد تم تنفيذ هذا المخطط في نفس الوقت الذي تم فيه شن هجوم خريف العام ١٩٣٨ ، أي ما بين أيلول ١٩٣٨ و حزيران ١٩٣٩.

الثالث ، وتَمَثَّل في سياسة القمع المتناهية الشدة والقسوة التي مارستها سلطات الإنتداب البريطاني ضد الثوار في فلسطين، والتي أفضت الى إعتقال المئات من الكوادر السياسية والعسكرية للثورة ، ونفي عدد من قادة الصف الاول الى جزيرة سيشل في المحيط الهندي ( حتى ١٩ كانون اول ١٩٣٨ )، ومنع عودة عدد من الزعماء والقادة الفلسطينيين الى البلاد، والى إضطرار العديد من قادة الثورة الى الفرار الى خارج فلسطيني تجنباً للإعتقال او النفي او التصفية.

الرابع ، وتَمَثّل في بناء جبهة بريطانية صهيونية مشتركة إستهدفت تَسخير المعلومات الإستخبارية المتوفرة ، وإمكانات المستوطنات والمستوطنين اللوجستية والعسكرية والإستخبارية لمواجهة الثوار الفلسطينيين في القرى والبلدات والمدن الفلسطينية .

الخامس، وتمثّّلَ في الحصار الذي فرضته القوات البريطانية والفرنسية على حدود فلسطين وشواطئها ، واستهدف وقف إمداد الثوار الفلسطينيين بالسلاح والرجال والمساعدات عبر الحدود الممتدة مع شرقي الاْردن وسوريا ولبنان ومصر .

وبالرغم من أن طبيعة النِّضال بعد إنهيار الحكم العثماني ، وهيمنة الإستعمار البريطاني خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي كانت وطنية بحتة تستهدف تحقيق الإستقلال والتحرر الوطني ، فقد تأخر، يا خالد ، بزوغ قيادة مركزية مُوَحَّدة للشعب الفلسطيني الى نيسان ١٩٣٦ ، وذلك بنجاح خمسة أحزاب وطنية فلسطينية ، حديثة التشكيل مُؤَلَّفة في أغلبها من أبناء الطبقات المتوسطة والعليا في المجتمع الفلسطيني في تشكيل ” اللجنة العربية العليا لفلسطين ” ، وتحديد أهداف الثورة .

هذه الأهداف التي إنقسم حولها أعضاء القيادة أنفسهم مع الطّروحات التي تقدمت بها الحكومة البريطانية ( توصيات لجنة بيل١٩٣٧ ، ولجنة وودهيد ١٩٣٨، والكتاب الأبيض ١٩٣٩ ) ، الأمر الذي أدى خلال أمد الثورة الى حصول إنشقاقات كان أهمها إنشقاق ممثلي حزب الدفاع الوطني ( راغب وفخري النشاشيبي وجماعته) ، وتبنيهم لسياسات ومواقف مختلفة وتحالفات ونهج يَتناقض مع النهج الذي أخذ به رئيس اللجنة الحاج محمد أمين الحسيني.

في ضوء ذلك، فإنه يتضح للعيان يا خالد ، أن الثورة الوطنية الفلسطينية في تلك الفترة لم تكن تملك خطاباً سياسياً جامعاً ومتماسكاً وناضجاً قادراً على حَشْد جماهير الفلاحين البسطاء ، وعلى زج رجال ونساء طبقات المجتمع في الريف والمدن الفلسطينية في أتون مَعركة التّحرر الوطني ، ودفعهم الى الإنصياع الى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح العائلية والعشائرية والطبقية .

وفِي ذات الوقت ، فإنَّ قياداتها لم تكن ، يا خالد ، تتمتع بخصال وكاريزما قادة الثورات الكبرى الذين يملكون خطاباً جامعاً ، وكاريزما وإمكانات كافيه لأن تفرض على الجميع أو على الأغلبية الغالبة الإنضباط في صفوف العمل الوطني وفي المواجهات النضالية، وعدم التّسرب خارج تلك الصفوف.

هذا مع الأخذ بعين الإعتبار حالة الفراغ القيادي الذي تسببت فيه حملات القمع البريطانية للأهالي وللجان العمل القومي وللمنتسبين لفرق ومجموعات المقاومة والنضال الوطني ولأعضاء اللجنة العربية العليا لفلسطين والمجلس الإسلامي الأعلى، وسياسات النفي ، والمنع من العودة الى البلاد . والإرهاب التي أدَّت الى إضطرار العديد من قيادات الصف الأول لمغادرة البلاد .

هذا الوضع ، يا خالد، ترك الجماهير الفلسطينية في الأرياف وفِي المدن بدون قيادات عليا تقودها ( أغلب قِيادات الصف الاول كانت خارج البلاد ) ولا عدد كاف من القادة الميدانيين .

وفِي الوقت الذي كان فيه قبول الكتاب الأبيض من شأنه أن يفتح آفاق إطلاق سراح المعتقلين من القادة والمناضلين الأفراد ، وأن يفسح المجال أمام عودة القادة والزعماء الذين منعتهم سلطات الانتداب من العودة الى أرض الوطن ، وكذلك أؤلئك الذين اضطروا لمغادرة البلاد خوفاً من الملاحقات ومخاطر الاعتقال او التصفية ، مما كان سيوفر للجماهير الفلسطبنية قي الأرياف والبلدات والمدن الفلسطينية قادة توجهها وتدير شؤونها ، فإن القيادة الفلسطينية العليا المقيمة في الخارج إختارت في أيار ١٩٣٩ أن ترفض الكتاب الأبيض، وان تُبقي الجماهير الفلسطينية في الريف والمدن الفلسطينية بدون قيادات الصف الاول ، وبدون أعداد كبيرة من كوادر وقيادات الصف الثاني ( الذين بقوا في المعتقلات ) مما جعلها ، يا خالد، نهباً لحملات التأثير الإعلامي والنفسي لقادة سلطات الإنتداب البريطاني والمتعاونين معهم، ولقادة الحركة الصهيونية المُقيمين في فلسطين ولزعماء قوى الثورة المضادة التي كانت سلطات الانتداب تغذيها وتمدها بأسباب القوة والحياة .

تلك هي يا خالد صور المشهد المحلي والإقليمي والدولي المعقد في العام ١٩٣٩ .

والحديث لا زال له بقية .ا