Menu Close

تعليق على مقال الدكتور محمود يزبك

محمود يزبك، هو مؤرخ وباحث فلسطيني، مواليد مدينة الناصرة (5 ديسمبر 1956)، محاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة حيفا، حاصل على درجة بروفيسور من الجامعة العبرية في القدس، متخصص في تاريخ الشرق الأوسط والتاريخ الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، المجتمع الفلسطيني في القرن التاسع عشر والعشرين، وباحث في كتابة التاريخ الإسرائيلي، المرأة الفلسطينية، التاريخ المدني للمدينة الفلسطينية وبحث السجلات، وله مؤلفات وابحاث متعددة في هذه المجالات

الدكتور محمود

أشكرك على قيامك بتزويدي بنسخة من مقالك المُعْتَبَر / دراستك القَيِّمة ؛ “فلسطين بين صفقة القرن وقانون القومية العُنصري” المنشورة في صحيفة الرأي – باب عين الرأي في ٢٣ تشرين اول ٢٠١٨. .

قرأت المَقال اكثر من مرتين ، حاولتُ خلالها أن أتعرف على ما يرمي المَقال أنْ يصل اليه ، وقد توصلتُ إلى أنَّ المَقال أراد أن يُسَلِّط الأضواء على التحديات التي واجهت وما زالت تواجه الحركة الصهيونية في محاولتها المُستمرة لتحقيق أهدافها الكاملة في فلسطين وفِي بلاد الإقليم .

هذه التّحديات هي ذاتها التي وَجَدَ الشعب العربي الفلسطيني، وشعوب بلداننا العربية في بلاد المشرق الآسيوي أنفسها تواجهها بشكل مباشر منذ إنهيار الإمبرطورية العثمانية وانحسار حُكْمِها عن بلداننا التي كانت تُهَيْمن عليها ، وإنقضاء الحرب العالمية الاولى كذلك بإنتصار بريطانيا وحلفاءها ،أي ، وبالتحديد منذ العامين ١٩١٧/١٩١٨ .

هذه التحديات كما وردت في مقالِك يا دكتورنا الكبير تَمَحْوَرَت حول قَضِيَّتَين :

الأولى :تحقيق السيطرة على أرضِ فلسطين.

الثانية : تحقيق سيطرة سكانية يهودية ساحقة في فلسطين ، تتمكن من خلالها من حسم هوية البلاد على مبدأ ” يهودية الدولة “.

لا يَستهدف تعليقي هذا مناقشة ما أوْرَدْته في مَقالِك من معلومات وما توصلتَ إليه من إستنتاجات ، فأنا أتفق معك في كل ما قُلْت ، وإنما رَأيتُ أن أبني عليه لأصل الى خُلاصات وتصورات إضافية مُستهدفاً أن أساهم بشكل متواضع في محاولات أصحاب الفكر والرأي من أحرار فلسطين ، وأنت منهم ، والأحرار في بلدان أُمتنا العربية والعالم لتطوير تفكير إستراتيجي جديد لقضية شعبنا الوطنية .

الدكتور محمود

إذا ما أعدنا قراءة تطورات الأحداث التي حصلت منذ قرن من الزمان في فلسطين وبلدان المنطقة المحيطة بها، نجد أنَّ الإنجازات التي حققتها الحركة الصهيونية خلال هذه الفترة فيما يتعلق بالتحديين المذكورين في مقالُك تتلخص فيما يلي :

١- بخصوص السيطرة على الارض ( التحدّي الأول ) ؛ فإن الحركة الصهيونية قد نجحت من خلال النشاط الإستيطاني الإستملاكي في المرحلة الممتدة حتى نهاية العام ١٩٤٧، ومِنْ ثَمَّ ، من خلال النّشاط الإستعماري الإستيطاني الإحلالي في فلسطين وعلى أراضيها منذ العام ١٩٤٨ والذي لا زال مستمراً حتى الآن ، أقول ، قدنجحت ، وعلى مراحل وبالتدريج ، في تحقيق السيطرة ، بأساليب الإرهاب والتطهير العِرْقي، وبالقوة العسكرية المُسَلَّحة، وبدعم ملموس من قوى الإستعمار القديم والجديد ، على كامل الأرض الفلسطينية ما بين النهر والبحر .

يحتاج ذلك النجاح الذي حققته الحركة الصهيونية في السيطرة على الأرض والذي أشرنا اليه أعلاه الى أن يخضع الى قدرٍ من التمحيص والى تحقيقٍ وتأهيل ، لإستخلاص الإستنتاجات اللازمة منه . ومن الضروري في رأيي أن نرصد تلك التمايزات والإختلافات التي إتسمت بها طبيعة تلك السيطرة وأساليب تحقيقها وذلك عبر المراحل التي مرت بها .

نعم، لقد نَجَحَت الحركة الصهيونية بعد أنْ تَمَكّنَت من تحويل مشروعها خلال الخُمْس الأول من القرن الماضي من مَشروع يَلقى دعم الدولة الأعظم في عالم تلك الأيام -وهي بريطانيا – (أي، وبالتحديد في المراحل الاخيرة من الحرب العالمية الاولى ، وبعد إنهماك بريطانيا باحتلال فلسطين في العام ١٩١٧)، إلى مشروع يلقى الدَعْم الدولي – بعد أن نجحت في فَرْضه على أجندة أعمال مجلس عُصْبة الأُمم في العام ١٩٢٠ – أقول ، لقد نجحت منذئذ وحتى تشرين الثاني من العام ١٩٤٧، من تحقيق السيطرة على ما نسبته (٧٪؜) من أراضي فلسطين فقط وذلك بتَمَكُّنها من إستملاكها من مُلاّكها الفلسطينيين والعرب ووكذلك ملاكها من قناصل الدول الغربية والأفراد الأجانب المُقيمين أو الذين كانوا مقيمين فيها .

نعم، لقد تمكنوا من استملاكها بأساليب شراء مباشرة ومُلْتوية بدأت في الفترة التي تلت مباشرة إغتيال قيصر روسيا في مطلع آذار من العام ١٨٨١ ، وبدء موجة الهجرة اليهودية الحديثة الاولى الى فلسطين ، واستمرت مع موجات الهجرات اليهودية المتتالية بعد ذلك ، وعلى الأخص تلك التي حَصَلَت بعد وقوع فلسطين تحت إلإحتلال البريطاني ، وقيام عُصْبة الأُمم بفرض الإنتداب عليها في العام ١٩٢٠، وحتى العام ١٩٤٧ .

أما قرار التقسيم الذي أصدرته الأُمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية في العام ١٩٤٥، فقد أحدث تغييراً في آلية وطبيعة وأسلوب السيطرة على الأرض .

فالسيطرة هذه المَرّة أصبحت مغطاة بقرار دولي أضفى عليها المشروعية وفق القانون الدولي ، وهو قرار وضع– بالإضافة الى الأراضي المملوكة من قبل اليهود في فلسطين ( وتقدر بنحو ٧٪؜ من مساحتها) حتى تاريخ صدور القرار في تشرين الثاني ١٩٤٧ – (٤٨٪؜) من مساحة فلسطين الكلية تحت سيطرة سلطات لدولة يهودية قضى القرار بإقامتها فيها ، وهي أراضٍ تعود ملكية أغلبها لمواطنين فلسطينيين حضريين وقرويين وبدو ، أو لوَقْف إسلامي أو مسيحي ، أو أنها تملك صفة أراضٍ ميرية .

إذن ، هذا القرار خلق وضعاً جديداً لم يكن قائماً قبل صدوره ، وقد مَثّل صُدوره تتويجاً لنجاح المساعي التي بذلتها الحركة الصهيونية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في ربط حل المشكلة الإنسانية للاجئين اليهود من مواطني البلدان الأوروبية – والتي نشأت عن تلك الحرب الدامية – بحل مشكلة اليهود الذين سَمَحَت لهم دولة الإنتداب بالتراكم في فلسطين عبر تسهيل هِجرتهم إليها ، ومَثَّلّ أيضاً تتويجاً لنجاحها في إقناع ( واستدرار عطف ، وشراء مواقف وتصويت ) أعضاء اللجان التي شكلتها الأُمم المتحدة في العامين ١٩٤٦ و ١٩٤٧ تحت ما أَسْمَته ‘وضع الحلول للمُعْضِلة في فلسطين’ بجدوى وضرورة ربط المشكلتين بعضهما ببعض، وجدوى وضرورة أن يُوَفِّر أي مشروعٍ لحلٍ يتم وضعه من قِبَلها إطاراً قادراً على حل هاتين المشكلتين معاً.

الدكتور محمود

إنَّ تَخصيص الجزء الأكبر من فلسطين في قرار التقسيم للدولة اليهودية (أي ٥٥٪؜ من مساحتها )جاء لحل المشكلة اليهودية داخل وخارج فلسطين، أي لحل تلك المشكلة بِبُعْديها الأوروبي من جهة ، واليهودي المَحلي (أي في فلسطين) من جهة أُخرى ، وعلى حساب الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه الوطنية والإنسانية والمدنية والسياسية. كما أن تضمين القرار لبندٍ حَدَّدَ موعداً محدداً لإنهاء مفعول صك الإنتداب البريطاني على فلسطين، جاء أيضا بهدف تهيئة الفرصة الملائمة لتحديد موعدٍ توليد أو ولادة و/ أو إقامة دولة الكيان الصهيوني فيها ؛ ليهودها وليهود أوروبا اللاجئين أولاً وللراغبين من يهود العالم ثانياً ، ووفق قواعد المشروعية الدولية هذه المرة.

هذا النجاح مَنَحَ الحركة الصهيونية فُرصة توسيع دائرة سيطرتها على الأراضي الفلسطينية من ٧٪؜ من مساحة أراضي فلسطين الى ٥٥٪؜ من مساحتها الكلية، بحيث إشْتَمَلَتْ تلك الحِصّة بالإضافة لأخصب أراضي فلسطين وأفضل سواحلها ، أراضي صحراء النَّقب، وهي المنطقة التي أضيفت لحصة الدولة اليهودية بغاية تمكين الحركة الصهيونية من حل مشكلة ملايين اليهود اللاجئين في أُوروبا ، وكذلك يهود بلدان العالم ، وإستيعاب جزء كبير منهم في فلسطين .

أما مفهوم السّيطرة على الأرض والممتلكات في قرار التقسيم ، فقد تَبَدّل أو تَطَوَّر كما عَبَّرت عن ذلك أحكامه، فقد إشتمل مفهومه على مبدأ تقاسم مُلكية الممتلكات العامة في فلسطين من منشآت ومرافق مختلفة( ، مصفاة حيفا ، سكك حديد، ومحطات كهرباء ومياه ، ومطارات ، وموانىء، و..الخ) على قاعدة إنتقال السيطرة عليها لسلطات كُلٍ من الدولتين العربية واليهودية التي قضى قرار التقسيم إقامتهما على أرض فلسطين ، وكذلك على مبدأ أنَّ لمالكي الأراضي والعقارات وغيرها من المُقْتَنَيات من الفلسطينيين العرب واليهود وغيرهم في كل من أراضي الدولتين حق الإحتفاظ بحقوق ملكيتهم لها في نطاق الأراضي التي خصصها القرار لإقامة كل من الدولتين اليهودية والعربية فيها.

ومن الجدير ذكره في هذا الخصوص أيضاً أن التخصيص المذكور لأراضي الدولة اليهودية في فلسطين من حيث خارطتها وأبعادها وإمتداداتها على الأرض الفلسطينية ، فإنه مَنَح دول الإستعمار القديم والجديد فرصة تحقيق هدفها التاريخي في عزل إفريقيا العربية عن آسيا العربية .

الدكتور محمود

استغلت الحركة الصهيونية رفض الفلسطينيين العرب والدول العربية لقرار التقسيم في تنفيذ عملية الإستيلاء على الأرض التي خَصَّصَها قرار التقسيم لإقامة الدولة اليهودية عليها ، وتَمَكَّنَت قبل موعد إنسحاب قوات الإنتداب البريطاني من فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، من فَرْض سَيْطَرَتها على الجزء الأكبر من حِصَّتِها من الأرض الفلسطينية التي خصصها قرار التقسيم لها خلال تلك الفترة ، وألحقت أثناءها كذلك دَماراً شديداً بعشرات القرى الفلسطينية وبجرء كبير من ممتلكات الفلسطينيين فيها وفِي أغلب المدن الفلسطينية التي احتلتها وفرضت سيطرتها عليها قبل تاريخ خروج البريطانيين من فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، هذا عدا عن قيامها بنهب مقتنياتهم فيها ، والسيطرة على محاصيلهم الزراعية .

هذا كان قبل ١٥ أيار ١٩٤٨، أما بعد هذا التاريخ وحتى تاريخ توقيع اتفاقيات الهدنة مع كل من مصر ولبنان والأُردن وسورية ، أي حتى تاريخ ٢٠ تموز من العام ١٩٤٩ ، فقد استغلت الحركة الصهيونية ما أسمته “عُدوان الدول العربية” عليها – عند دخول وحدات عسكرية من جيوش كل من مصر والأردن وسورية ولبنان والعراق الى فلسطين – في إستكمال الإستيلاء على باقي حِصّتها من الأراضي التي خَصَّصَها قرار التقسيم لها بما فيها أراضي صحراء النَّقب ، لا بل وتوسيع منطقة سيطرتها من خلال إحتلال نحو نصف الأراضي المُخَصّصة للدولة العربية في فلسطين بما فيها من مدن وقرى عربية( اللد والرملة وقرى المثلث )، هذا بالإضافة الى قسم كبير من أراضي الجزء الغربي من منطقة ومدينة القدس التي خَصّصها قرار التقسيم لتكون تحت الحكم الدولي، بما جعل (٧٨٪؜) من مساحة فلسطبن الإجمالية تحت السيطرة الصهيونية .

لقد قامت بتنفيذ مخطط السيطرة هذا ، مستغلة فرصة رفض الفلسطينيين والدول العربية قرار التقسيم ، ودخول الجيوش العربية الى فلسطبن ، لتدمير فرصة إقامة دولة عربية فلسطينية في الجزء المخصص في قرار التقسيم للدولة العربية فيها . لقد سيطرت الحركة الصهيونية في إطار ذلك أيضاً ليس فقط على الأراضي بل أيضاً على الممتلكات والمباني والمرافق المقامة عليها والمُقْتَنَيات الموجودة فيها ، بما فيها المنشآت والمُعَسْكَرات والمَرافق التي كانت تستخدمها قوات الإنتداب البريطاني قبل انسحابها من فلسطين، وتم ذلك بإتباع أساليب الإرهاب والتطهير العِرْقي وبالقوة العسكرية المسلحة ، وصاحب عملية الإستيلاء تنفيذ تدمير منهجي لجزء كبير من ممتلكات الفلسطينيبن ، ووضع اليد على كل ما لم يتم تدميره منها، بما في ذلك الأراضي والمباني والمزارع والمقتنيات والمحاصيل .

تطورات ذات مفاعيل لها وزن

بالإضافة الى ذلك ، يا دكتورنا الكبير ، فإنه يتعين علينا أن نَلْحظ الى أنه وخلال الفترة الممتدة ما بين ١٤ أيار ١٩٤٨ و نهاية العام ١٩٤٩، فقد حصلت تطورات ذات مفاعيل مختلفة تركت آثارها على مفهوم السيطرة على الأرض وعلى طبيعتها والأساليب التي أُتبعت لتحقيق ذلك ، منها :

• الإعلان في ١٤ أيار ١٩٤٨ عن إنشاء دولة الكيان الصهيوني ( إسرائيل )، وتلاوة وثيقة ما أسمته بإستقلال تلك الدولة ، والتي ورد فيها أن المجلس التأسيسي الذي حددت الوثيقة أنه سيتم إنتخابه من قبل مواطنيها –( وأغلبيتهم يهود ، بعدطردها لأغلب السُّكان الفلسطينيين العرب من المناطق التي سيطرت عليها )– سيقوم بوضع دستور دولة الكيان .

جاء الإعلان عن إنشاء هذه الدولة بالإستناد على قرار التقسيم رقم ١٨١ الذي أصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧.

بعد الإعلان المذكور ، توالت الإعترافات بالدولة اليهودية الناشئة من العديد من الدول.

• وخلال هذه الفترة التي تلت مباشرة إنسحاب قوات الإنتداب البريطاني من فلسطين ودخول وحدات من جيوش خمسة دول عربية الى أراضيها ، في الخامس عشر من أيار من العام ١٩٤٨ وبعده ، أصدر مجلس الأمن قراراين بفرض هُدنتين ما بين قوات تلك الدول من جهةٍ ، وبين قوات دولة الكيان الصهيوني من جهة أُخرى . أما الهدنة الاولى فبدأ مفعولها في ١١ أيار ١٩٤٨ ، واستمر حتى ٩ تموز ١٩٤٨ ، أما الهدنة الثانية، فقد تم فرضها في ١٩ و ٢١ تموز ١٩٤٨ .

• وفِي ٢٠ أيار من العام ١٩٤٨، وبعد مناقشة مجلس الأمن الدولي للأوضاع في فلسطين ، عين مجلس الأمن الكونت برنادوت وسيطاً دولياً لغاية مساعدة الأطراف في تطبيق قرارات الشرعية الدولية وإنهاء القتال في فلسطين والتوصل الى تسوية للمعضلة الفلسطينية ، وفي هذا السياق ، فقد تقدم الكونت بعد تعيينه بمقترحي تسوية رفعهما للأمين العام للامم المتحدة ، وللدول العربية ، ولدولة الكيان الصهيوني ( اسرائيل ) ، استند فيهما الى قرار التقسيم رقم ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وأدخل في مقترحيه تعديلات جغرافية متعددة على بعض أحكام قرار التقسيم ، يتعلق بعضها بوضعية صحراء النَّقب ، وأراضي الجليل ، ومدينة القدس ، ويافا ، ومدينتي اللد والرملة ، كما وثَبَّتَ فيهما لأول مرة مبدأ حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لديارهم التي طُرِدوا منها او إضطروا لمُغادرتها . أما الإقتراح الاول فكان بتاريخ ٢٧ حزيران ١٩٤٨ ، والثاني في ٢٠ أيلول ١٩٤٨ .

ونظراً لأن مقترحاته كانت تتعارض مع الأهداف الصهيونية ، فقد قامت وحدة إرهابية صهيونية بإغتياله في مدينة القدس في ١٧ أيلول ١٩٤٨.

• وفِي ٢٠ أيلول ١٩٤٨، أعلنت الهيئة العربية العليا لفلسطين في غزة تشكيل “حكومة عموم فلسطين” ، وقد إعترفت مصر بالحكومة ، في حين عارضت تَشكيلها الاْردن .

أدى سَعْي المَلِك عبد الله الأول الى عقد مؤتمرات لفلسطينيين يتبنون مَوقفه – انعقد الأول منهما في عمان في ١ تشرين اول ١٩٤٨ ، والثاني في أريحا في ١ كانون اول ١٩٤٨ – الى إجهاض عمل حكومة عموم فلسطين، وتعطيل دورها .

سحب الإنشقاق الأُردني المصري حول جدوى وضرورة الإعلان عن إنشاء دولة عربية فلسطينية، وحكومة عموم فلسطين نفسه على مواقف باقي دول الجامعة العربية، وأدى الى من الناحية العملية الى تعطيل وإجهاض أي دور للحكومة الفلسطينية المُعْلَنة، وَكذلك الى تغييب الفلسطينيين وتعطيل التمثيل الفلسطيني – بصورة فعلية شبه كاملة أو ربما كاملة – في كُلٍ من الساحات الدولية والعربية والفلسطينية كذلك . ألحق ذلك ضربة قاصمة في الظهر العربي الفلسطيني.

• وفي ١٦ تشرين الثاني ١٩٤٨ ، وبالاستناد الى مقترحات تقدم بها الدكتور رالف بالش الأمريكي الذي خَلَف الكونت برنادوت بعد إغتياله كوسيط دولي والتي دعا فيها العرب والإسرائيليين إلى عقد اتفاقية هدنة وإلى انشاء مناطق واسعة معزولة من السلاح وتخفيض القوات المسلحة للطرفين ، فقد تبنى مجلس الأمن هذه المقترحات بقراره رقم (٦٢) بذات التاريخ.

وبالإستناد الى هذا القرار ، تم ما بين ٢٤ شباط و٢٠ تموز من العام ١٩٤٩ عقد اتفاقات الهدنة الدائمة بين دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من جهة وبين كل من مصر ولبنان والأردن وسوريا من جهة أخرى .

• وفي ١١ كانون اول ١٩٤٨ ، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم ١٩٤- (د-٣) على المشروع الذي وضعته لجنتها السياسية والذي تضمن تشكيل لجنة توفيق، وتحديد وضعية القدس ووضعها تحت إشراف الأمم المتحدة، و تَضَمّنَ أيضا البند الأهم الذي قضى بضرورة ” السماح بعودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، والتعويض على من لا يرغب في العودة”.

• وفي ٢٥ كانون الثاني من العام ١٩٤٩، تم تنظيم أول إنتخابات عامة في دولة الكيان الصهيوني لأعضاء المجلس التأسيسي المنتخب للدولة . وبعد عقده، صادق المجلس التأسيسي المنتخب في ١٦ شباط من العام ١٩٤٩ على القانون الإنتقالي الذي غَيَّرَ تسمية نفسه الى الكنيست الاولى. ومن الجدير بالذكر أن المجلس لم يقم حتى تاريخه بوضع دستور لدولة الكيان الصهيوني كما ورد في وثيقة الإستقلال.

• في ٢٤ شباط ١٩٤٩ ، وَقَّعَت مصر أول إتفاقية هدنة مع دولة الكيان الصهيوني ، وفي اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية ، تقدمت دولة الكيان بطلب الى مجلس الأمن طلبت فيه الموافقة على إصدار توصية الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لقبولها عضواً في المنظمة الدولية بإعتبار أن التوقيع على إتفاقية الهدنة هو بمَثابة تأكيد بكونها دولة مُحبة للسلام ، وهو شرط أساسي لقبول العضوية في المنظمة الدولية . وفي ١٧ آذار ١٩٤٩ ، وقعت لبنان على اتفاقية هدنة خاصة بها ، لحقتها الأردن في ٣ نيسان ١٩٤٩.

• في ٨ آذار ١٩٤٩ ، شكل بن غوريون الحكومة الإسرائيلية الاولى .

• في ١٦ آذار ١٩٤٩، أعلنت الحكومة الاردنية عن إحراءات عملية لضم الضفة الغربية بإلغاءها الحكم العسكري المُعْلن في الضفة الغربية وإستبداله بإدارة مدنية .

• في ١١ أيار ١٩٤٩ ، نَجَحَت الحركة الصهيونية في الإستحواذ على قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بقبولها عضواً في المنظمة الدولية . هذا وقد بلغ عدد الدول التي أيدت القرار ما مجموعه (٣٧) دولة من أصل (٥٨) دولة ، وهو العدد الإجمالي للدول التي كانت تحظى بعضوية الامم المتحدة في ذلك الوقت.

• وفي ٥ كانون اول ١٩٤٩، أعلن بن غوريون على خلفية مداولات الأمم المتحدة فيما يتعلق بمدينة القدس أنها العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل و”لب وجوهر دولة إسرائيل”.

• وفِي ٢٠ كانون اول من العام ١٩٤٩ ، أصدر مجلس الوزراء الاردني قانون إضافي لقانون الجنسية الاردني الصادر في العام ١٩٢٨ ، تم فيه تعديل المادة الثانية لتنص على ما يلي :

” جميع المقيمين عادة عند نفاذ هذا القانون في شرق الاردن أو في المنطقة الغربية التي تُدار من قبل المملكة الاردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يُعتَبَرون أنهم حازوا الجنسية الأردنية ويتمتعون بجميع ما للأردنيين من حقوق ويتحملون ما عليهم من واجبات “.

ماذا تَعني هذه التطورات ؟؛

خُلاصات واستنتاجات

لقد أعطى قرار التقسيم الحركة الصهيونية حق إقامة دولة في فلسطين على ٥٥٪؜ من مساحتها وأسْبَغَ عليها شرعية دولية.

وأعطى رَفْض الفلسطينيين والدول العربية لقرار التقسيم الفُرْصة ، للحركة الصهيونية والدولة التي أنشأتها بموجب هذا القرار ، حرية الإستفراد بالحركة واللعب في الساحة الدولية دون مقاومة تُذْكَر.

أما دخول وحدات من جيوش دول عربية– مرتبطة أغلبها بمعاهدات أمنية مع بريطانيا( مصر ، والعراق ، والأردن) ، ، وجميعها مسلوبة الإرادة، ولا تملك السيطرة على مقدراتها – إلى فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ وبعد هذا التاريخ ، فقد إعتبرت دولة الكيان الصهيوني ذلك عدواناً يستهدف القضاء عليها، واتخذت منه ذريعة للتهرب من تطبيق أحكام القرارين ١٨١ و ١٩٤ ، وبَرَّرَت عدم تطبيقها للقرار ١٩٤ القاضي بحق اللاجئين المطرودين من فلسطين أو الذين إضطروا لمغادرتها بالعودة الى دِيارهم بأنه يعود لعدم اعتراف الدول العربية – التي اشتركت بالقتال ضدها – بحق دولة الكيان في الوجود – مُعْتَبِرة ذلك عدواناً يَخرق قرارات الشرعية الدولية – وَرَبَطَت تطبيقها للقرار بتوقيع تلك الدول معاهدات سلام مع دولة الكيان ، معتبرة نفسها دولة “محبة للسلام” وراغبة في إقامته مع جيرانها من الدول العربية ، وبذلك تكون دولة الكيان قد أخفت عدم رغبتها تنفيذ تلك القرارات بتلك الذريعة .

أمّا الإنشقاق العربي الذي حَصَل حول الإعتراف بحكومة عموم فلسطين ، وما تلاه من تفعيل لإجراءات ضَمِّ الضِّفة الغربية الى الاْردن ، وسحبها الاعتراف بالجنسية الفلسطينية لمواطني الضفة – ( كل ذلك على أرضية رفض الهيئة العربية العليا لفلسطين ، والدول العربية ، قرار التقسيم – أي قرار الشرعية الدولية رقم ١٨١ – ، بما عَناه أيضاً من التمسك بحق إقامة الدولة العربية الفلسطينية على كامل مساحة أرض فلسطين ، ورفض مبدأ إقامة دولة عربية فلسطينية على جزءٍ منها مساحته ٤٤٪؜ من مساحتها الكلية) – الأمر الذي أدى الى تكريس تغييب فعلي للفلسطينيين من الساحات الدولية والعربية والفلسطينية ، أقول ، أن مجموع تلك التطورات قد أفضت الى منح دولة الكيان فرصة ذهبية تاريخية وفريدة سَهّّلَت عليها مهمة التَّنَصل والإمعان في سياسة التَّنَصل من تطبيق قراري الشرعية الدولية ١٨١ و ١٩٤.

هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى ، فقد أفضت تلك المواقف والتطورات ، فعلياً وعلى نحوٍ عملي وواقعي، إلى فقدان الفلسطينيين وتجريدهم من حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم ، لا على كامل التراب الوطني الفلسطيني فحسب بل حتى في نطاق الحيّز المخصص لهم في قرار التقسيم لإقامة دولتهم فيه ، و أفضى أيضاً إلى إنتقال حق التصرف بمصيرهم – إبتداءً من تواريخ توقيع اتفاقيات الهدنة مع دولة الكيان الصهيوني ( ما بين شباط و تموز ١٩٤٩ والتي انطوت على اعتراف واقعي بدولة الكيان ) ، مروراً بعدم الاعتراف بحكومة عموم فلسطين والإنشقاق العربي حول هذا الأمر ، وما استتبعه من تكريس تغييب الفلسطينيين ، وإنتهاءً بقبول عضوية اسرائيل في الامم المتحدة – أقول ، قد أفضى كل ذلك ومنذ ذلك الوقت الى إنتقال حق تقرير مصير الفلسطينيين الى الدول العربية ، وعلى الأخص تلك الدول المحيطة بفلسطين.

وبإختلاء وإستفراد دولة الكيان الصهيوني في الساحة الدولية ، وبتقييد الدول العربية المحيطة بفلسطين باتفاقيات هدنة ألزمتها بتأمين حدود دولة الكيان من أي محاولات أو عمليات لإختراقها بما في ذلك ، منع محاولات بعض اللاجئين الفلسطينيين، فرادى أو جماعات ،للعودة الى دِيارهم في ذلك الوقت من العام ١٩٤٩ وما بعده، وبتغييب الفلسطينيين بصوره شبه كلية من المسرح الدولي والعربي والفلسطيني ، وبتحويل ثلثي الشعب الفلسطيني الى لاجئين يقيمون في مخيمات اللجوء في الاْردن وسورية ولبنان وفِي الضفة الغربية وقِطاع غزة ، وبسحب الجنسية الفلسطينية ممن تبقى منهم في الضفة الغربية لنهر الاْردن ، فقد وجدت دولة الكيان الصهيوني نفسها حرة ، بلا أي مقاومة ، وبلا قيود ،في سن قوانينها ، وفِي فرضها في الاراضي الفلسطينية التي سيطرت عليها ، على من تبقى من فلسطينيين فيها (١٥٥ ألفاً ) ؛ تلك القوانين والأحكام والتعليمات التي أصدرتها سلطاتها المتنوعة والتي انطوت على ممارسة صريحة ، وبلا مواربة، للتمييز العنصري الصريح والفاضح ، وعلى التعدّي على الحقوق الأساسية الإنسانية والوطنية للفلسطينيين ، وعلى التعامل معهم على اعتبارهم ، وفِي وطنهم ، مواطنين من الدرجة الثانية، وعلى المضي في تجريد مواطنيها من الفلسطينيين العرب من ممتلكاتهم ، وعلى وضعها اليد على والتصرف بممتلكات ما أسمته بـالـ ” الغائبين ” من الفلسطينيين الذين طردتهم وجردتهم من أملاكهم وحولتهم الى لاجئين .

إن قرار التقسيم رقم ١٨١ ، يمنع المؤسسات التشريعية للدولتين ؛ العربية واليهودية التي قضى القرار بإقامتها في فلسطين ، من حق سن قوانين تتعارض أو تتناقض مع أحكام قرار التقسيم نفسه إلا بموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وبالتالي فهو يمنع السلطات التنفيذية للدولتين المذكورتين من حق فرض تنفيذ أي قوانين او تشريعات او تعليمات تتناقض مع أحكام القرار المذكور .

ولما كان قرار التقسيم هو الذي أعطى الحركة الصهيونية في فلسطين حق ومشروعية إقامة دولتها في ٥٥٪؜ من أرض فلسطين ، فإن أي أفعال او قوانين او تشريعات او تعليمات ، أصدرتها المؤسسات او السلطات التشريعية او القضائية او التنفيذية لدولة الكيان أو بُنِيَت عليها ، وتتناقض مع احكام قرار التقسيم ، ، أقول ، أي من الإجراءات التي اتخذت إبتداءً من تاريخ ١٤ أيار ١٩٤٨، ( تاريخ انشاء دولة الكيان ) ، أو من تاريخ ١٥ أيار ١٩٤٨ ( تاريخ انقضاء الانتداب البريطاني على فلسطين ) ، وأيضاً، من تاريخ قبول دولة الكيان عضواً في الامم المتحدة ، أي في ١١ أيار ١٩٤٩، فإنها تُعْتَبر مُنْعَدِمة وغير مشروعة ، وغير قانونية ، وتتعارض مع احكام ذات القرار الذي أعطى دولة الكيان مشروعيتها .

ويُعتبر وضع القوانين والتشريعات والقرارات المتعارضة مع احكام قرار التقسيم موضع التنفيذ هو إعمال لقانون القوة من قبل دولة الكيان ، وإغفال مُتَعَمَّد للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وبالتالي فهو أمر لا قيمة قانونية له ولا يترتب عليه في نهاية المطاف أية آثار أو تبعات تغير من وزن وقيمة الحقوق التي تقرها أحكام القرار ١٨١، والقانون الدولي والاتفاقيات الدولية .

الدكتور محمود

أعلاه هو الجزءالاول من التعليق الذي أردت أن أقدمه . وسأقوم خلال أيام قليلة قادمة بإرسال الجزء الثاني منه.

مع التقدير

عبد الرحمن البيطار