كتبت لهاني المصري حول مقاله الذي نشره هذا اليوم (الثلاثاء ٣٠ تشرين ٢٠١٨) في موقع ” مسارات ” الإلكتروني ، بعنوان ” ما بعد المجاس المركزي ” أقول :
“أشكرك هاني على المقال .
أتفق معك في أن المجلس المركزي بتكوينه وبأعضاءه وعلى رأسهم محمود عباس ، غير معنيين بالتصدي للمهام والمسؤوليات التي تمليها أوضاع القضية وأوضاع الشعب الفلسطيني، وتضع مسؤولية تحمل أعباءها على كاهلهم .
كَرَّس محمود عباس ، وقيادات فتحاوية عديده من حوله وغيرهم ، حالة الشلل ، والخِصِي لمنظمة التحرير الفلسطبنية ، وللمجلس المركزي ، وللحكومة الفلسطينية .
نحن نحتاج ، يا هاني ، الى تفكير استراتيجي جديد يتعامل مع التحديات التي تواجه قضيتنا في الوقت الراهن.
نحن لا نحتاج الى إجترار سياسات مُستهلكة، لا تستهدف الا اطالة أمد امتيازات حفنه من مسؤولي السلطة.
نحن لا نحتاج للإستمرار في سياسات الإمعان في التنسيق الأمني مع المحتل ، سياسات تتعامل مع الاحتلال بأدب ، وتؤدي الى تأبيده .
نحن لا نحتاج لسياسات حررت الاحتلال من تحمل تكاليفه ، ونقلتها وحملت كلفته كلفته لشعبنا الفلسطيني المنهك ، المقموع ، المسلوب الإرادة .
لقد نقلت وكالة وفا عن المحلس خبراً مفاده :
“قرر المجلس المركزي الفلسطيني إنهاء التزامات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية كافة تجاه اتفاقاتها مع سلطة الاحتلال إسرائيل وفي مقدمتها تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، نظرا لاستمرار تنكر إسرائيل للاتفاقات الموقعة وما ترتب عليها من التزامات وباعتبار أن المرحلة الانتقالية لم تعد قائمة.”
في رأيي أن ما ورد في قرار المجلس المركزي يستند الى القرار الدولي رقم ٢٤٢ الذي ينادي لعودة قوات دولة الكيان الصهيوني الى مواقعها على خطوط الهدنة ، والتي أسماها المجلس المركزي في قراره ؛ ‘ حدود الرابع من حزيران عام ١٩٦٧’ ، القرار ٢٤٢ ؛ هو قرار ، يا هاني ، لا يخاطب الفلسطينيين ولا منظمة التحرير الفلسطينية … !
هو ، أي القرار ٢٤٢، يخاطب الدول العربية التي إحْتُلَّت أراضيها في حرب عام ١٩٦٧، أي أنه بخاطب مصر وسورية والأردن …!،
صحيح أن جُزْءاً من الأراضي التي أحْتُلَّت هي أراضي فلسطينية كانت بعهدة الأُردن ( الضفة الغربية ) ومصر ( قطاع غزة ) ، الا أن المسؤولية عن إعادتها تبقى تقع على عاتق الدول العربية جمعاء باعتبارها أراض عربية وعلى رأسها مصر والأردن ، من جهة وكذلك على عاتق الفلسطينيين من جهة أخرى .
هذا لا يعني تنصل الفلسطينيين من مسؤولية المشاركة في تحرير أية أراضي عربية إحْتُلَّت ، سواء كانت مصرية او سورية او لبنانية او أردنية ، وإبقاءها على عاتق الدول العربية . فمعاهدة الدفاع العربي المشترك ، بها وبدونها يا هاني ، تَضَع هذه المسؤولية على شعوبنا العربية ومنها شعبنا العربي الفلسطيني.
القرار الأُممي الوحيد، يا هاني ، الذي يخاطب الفلسطينيين واليهود في فلسطين ، ويعطيهم حق تقرير المصير ، كُلاً على جزء من أرض فلسطين، هو قرار التقسيم الصادر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، أي القرار رقم ١٨١ فقط .
سياسة تخفيض مناسيب المطالبة بالحقوق خطأ استراتيجي وتنازل من الفلسطينيين لا مبرر له ….!
يقول قرار المجلس المركزي بأنه يعلق “الإعتراف بإسرائيل الى ان تعترف بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام ١٩٦٧” ، في حين ان القرار ١٨١ مَبني على أساس تقسيم فلسطين الى دولتين مع قدس تحت حكم دولي ، وينص على أن لأي من الدولتين حق التقدم للامم المتحدة بطلب للاعتراف بها ضمن الحدود المحددة لها في القرار .
بناء على ذلك ، فإن الجهة المخولة بالإعتراف بالدولة العربية الفلسطينية هي منظمة الامم المتحدة، لا دولة الكيان الصهيوني ، يا هاني ، فكما اعترفت المنظمة الدولية بدولة الكيان الصهيوني ( اسرائيل ) في ١١ أيار ١٩٤٨، ، فإن المنظمة الدولية مطالبة بالاعتراف بالدولة العربية الفلسطينية ضمن الحدود التي حددها قرار التقسيم لها .
هل تلاحظ يا هاني الحقائق التالية :
فمنذ صدور القرار ١٨١ في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وحتى هذه اللحظة ، ومنذ تشكيل حكومة عموم فلسطين في ٢٠ أيلول ١٩٤٨، وحتى هذه اللحظة ، ومنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام ١٩٦٤ وحتى هذه اللحظة ، لم تتقدم للأُمم المتحدة ، أي جهة مُمَثِّلة للفلسطينيين – وحتى يومنا هذا – بطلب الاعتراف بدولتها ( أي بدولة فلسطبن العربية ) بالإستناد الى ذلك القرار.
إذن ، وفِي ضوء ذلك ، ما هو المطلوب ؟
إنّي أرى ، أن المطلوب ، وبدون أي تأخير ، رفع منسوب مطالبنا الى منسوب القرار ١٨١ على أقل تقدير .
ماذا يعني ذلك ؟
يعني ذلك أن الأمر يستدعي ، أن تتقدم منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني ، وهي المنظمة المعترف بها دولياً بهذه الصفة ، أقول، أن الأمر يستدعي أن تقوم المنظمة ، اليوم اليوم وليس غداً ، بإعلان إقامة دولتها في حدود قرار التقسيم ، ويستدعي أن تُطالب بإعادة السُّكان الذين هَجَّرَتهم دولة الكيان الصهيوني من الأراضي المُخَصّصة للدولة العربية الفلسطينية في قرار التقسيم الى أراضي الدولة المخصصة لها فيه، ويستدعي أيضاً ، أن تُعلِن ، بأنها على استعداد للتعامل مع مواطني دولة فلسطبن العربية من اليهود ( الذين كانوا مقيمين في أراضيها في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وأي أعداد إضافية توافق دولة فلسطبن العربية على إقامتهم فيها ) على قدم المُساواة وبدون اَي تمييز ، مع مواطنيها الفلسطينيين العرب ، ويستدعي أن تطالب أيضا بأن تعيد الدولة اليهودية التي قرر قرار التقسيم إقامتها على ٥٥٪ من أراضي فلسطين ، مواطنيها العرب الى دِيارهم فيها ، وأن تعيد ممتلكاتهم لهم ، وان تعاملهم على قدم المُساواة بدون اَي تمييز مع مواطنيها اليهود، وأن تطالب بتشكيل لجنة دولية لتقسيم الأملاك العامة( مطارات ، سكك حديد ، مصفاة حيف، موانىء، ،…الخ ) في فلسطين التي كانت قائمة في العام ١٩٤٧ على كل من الدولتين العربية الفلسطينية واليهودية بحيث تأخذ كل منهما حصتها منها ، وذلك كما يقضي قرار التقسيم ، وان تقوم تلك اللجنة بتقدير قيمة التعويضات التي تستحق للشعب الفلسطيني جراء قيام دولة الكيان باستعمال واستثمار تلك الأملاك العامة طيلة الفترة الممتدة من العام ١٩٤٨ وحتى الآن ، وأخيراً ، يستدعي أن تتوجه المنظمة، اليوم اليوم وليس غداً، بطلب للأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطين العربية ، المحبة للسلام ، وضمن الحدود المخصصة لها في قرار التقسيم .
قرار التقسيم ١٨١، يا هاني ، هو قرار دولي أصدرته الأُمم المتحدة في العام ١٩٤٧ ، أعطى مشروعية لإقامة الدولتين العربية واليهودية وعلى قدم المُساواة ، على أرض فلسطين . لم يعطِ القرار مشروعية لإقامة دولة واحدة ، بل دولتين ، مع قدس تحت حكم دولي.
لا يجوز ، في نظري، للفلسطينيين أن يعترفوا بدولة اسرائيل ضمن حدود تختلف عن الحدود المحددة لها في قرا التقسيم الا بموافقةالفلسطينيين والجمعية العامة للامم المتحدة كما تقضي أحكام قرار التقسيم . إن فعلوا غير ذلك ، فإنهم يعطوا مشروعية لقانون القوة ، وهو أمر منبوذ ، ويكونون بذلك ينتهكون الشرعية الدولية والقانون الدولي .
ولا يجوز للفلسطينيين أن يُطالبوا الدولة التي أُنْشِئَت بموجب نفس القرار ( أي دولة الكيان الصهيوني ) ، أن تَمنح هي المشروعية لدولتهم ، بأن تعترف هي بها ، وبحدود تختلف عن الحدود التي حددها القرار لها . هذا الأمر لا يحوز أن يحص بأي شكل من الأشكال .
ولا يجوز ان يعطي الفلسطينيين الشرعية لدولة الكيان، لمجرد كونها كانت تملك القوة القادرة على احتلال الأراضي وأن تتجاوز في ذلك تجاوز الحدود المنصوص عليها لها في القرار المذكور ، وعلى الأخص لأن احتلالها لأراضي الدولة العربية الفلسطينية في العام ١٩٤٨ أولاً وثُمَّ في العام ١٩٦٧ ، قد تم بأساليب لا يقرها القانون الدولي ، أي بأساليب القوة العسكرية المسلحة وبالإرهاب وبالتطهير العِرْقي ، وجميعها أساليب يدينها القانون الدولي ، ولا يُقِرُّها .
على ذلك ، لا يجب أنْ نُخاطب دولة الكيان في مطالبنا ، فهي لا تملك حق أن تعطي ما لا تَملكه ، وما لم تُعْطِه لها الشرعية الدولية ، فهي أخذت حِصَّتها من أرض فلسطين بالإستناد الى قرار التقسيم ، وتَجاوزت حِصَّتَها في العام ١٩٤٨ بمقدار نصف الاراضي المُخصصة للفلسطينيين ، ثم احتلت من الاْردن ومن مصر أراضي الضفة والقطاع في العام ١٩٦٧، وكل تلك الاراضي التي احتلتها خارج نطاق حصتها المُقَرّرة في قرار التقسيم هي أراض مُحْتَلّة بالقوة ، يجب أن تنسحب منها ، إن لم تكن بإرادتها ، فبقوة القانون الدولي ، أو بالأساليب المشروعة التي يُقِرّها القانون الدولي ، ويَمنحها للشعوب المُسْتَعْمَرة ، والمُحْتَلَّة لتحرير أراضيها …!
ما ذكرته أعلاه هو ما يجب أن يشكل برنامج الحد الأدنى الذي يتعين على الفلسطينيين (و منظمة التحرير) أن يُطالبوا به الأُمم المتحدة والمجتمع الدولي لتحقيقه.
لا يجب على الفلسطينيين المطالبة والنضال من أجل تحقيق مطالب أقل من تلك الحقوق التي يعطيها قرار التقسيم رقم ١٨١ لهم .
المجتمع الدولي والمنظمة الدولية مُطالبة بتحقيق القرارات الدولية التي أصدرتها هي بحق فلسطين والفلسطينيين .
الرأي العام الدولي سَيَتَفَهم مُطالبات الفلسطينيبن هذه ، لأنه يحترم الشرعية الدولية والقانون الدولي ، ولأنها تستند على الشرعية الدولية والقانون الدولي كذلك .
نحتاج ، يا هاني ، لشن حملة عامة في كل أركان الكون ، مثيلة لتلك التي تَشِنّها حركة الـ BDS ، للتعريف بالحقوق التي حَدَّدَها لنا القرار ١٨١، حملة تشرح كل التجاوزات التي إرتكبتها دولة الكيان الصهيوني منذ العام ١٩٤٨ لتلك القرارات وحتى الآن ، حملة تفضح بهدوء ، وعلى نحوٍ مؤثر ، الحكومات والدول التي ساندتها في سياساتها العنصرية والتوسعية وما زالت تُساندها .
شعبنا يعيش في مخيمات اللجوء ، ولا يزال يعيش جزء كبير منه على الإعانات الدولية ، منذ العام ١٩٤٨. ذلك لوحده يُبين هول الفاجعة التي ألحقتها دولة الكيان الصهيوني وسياساتها العنصرية والتوسعية بشعبنا .
علينا ، يا هاني ، ان نشرح للرأي العام العالمي كيف تحول شعبنا الى شعب من اللاجئين . ولماذا يجب ان يتم إيقاف معاناته بعد أن مضى عليها سبعون عاما كاملة .
علينا أن نطلب من الرأي العام العالمي بعد توعيته أن يساندنا في إحقاق الحقوق وتحقيق العدالة ، ومقاومة سياسات الأبارتهايد وكل انواع التمييز والقهر، لأن مطالبنا هذه من شأنها أن تصنع حلاً عادلاً لمعاناة شعبنا العربي الفلسطيني ، ولمعاناة اليهود وحالة اللايقين التي ألحقتها الصهيونية بمستقبلهم .
لن تعطينا ، يا هاني ، دولة الكيان الصهيوني العُنصري اَي من حقوقنا ما دامت ترى أن قياداتنا لا تطالب بحقوقها ، وأنها مستعدة للقبول بأقل مما يحدده لنا القرار الذي تأسست دولة الكيان ذاتها بموجبه .
عندما تتمسك منظمة التحرير بمطالبنا هذه ، فإن شعبنا سيجتمع حولها ، وسيساعده في نضاله كل الشعوب العربية وشعوب العالم الحرة ، واحرار العالم وشرفاءه، بما في ذلك الاحرار والشرفاء من يهود العالم .
دولة الكيان الصهيوتي العُنصري التي يحكمها حالياً يمين مُتَعَصِّب أعمى غير مَعنية أصلاً بأن يأخذ الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم في أي جزء من فلسطين …! ، لا على أساس أراضي القرار ١٨١ ولا على أراضي فلسطين التي احتلت في العام ١٩٦٧ . ما دام الأمر كذلك ، لِمَ لا نرفع ، يا هاني ، منسوب مطالبنا الوطنية بحيث لا تقل بأي شكل من الأشكال عما يحدده لنا القرار ١٨١.
وعلينا يا هاني ، وبلا أي تأخير إضافي ، أن ننقل مسؤولية الإحتلال الى عاتق دولة الإحتلال .
وعليه، ومع نضال وطني عام ، شامل ، وواضح ، على أساس قرار الشرعية الدولية رقم ١٨١، وبمُراكمة المنجزات ، فسنتمكن مع الوقت من توليد الأحوال المؤاتية لتطبيق القرار ١٨١، أو لتوليد أحوال يتم وفقها التفاوض والعمل لبناء دولة فلسطين الديمقراطية اللاصهيونية على كامل ارض فلسطين ، دولة لكل مواطنيها بلا أي تمييز ؛ دولة للفلسطينيين العرب واليهود الأحرار المستعدين للنضال معنا لتحقيق هذا الهدف.
بيان المجلس المركزي يُعزز حالة التيه التي وضع المجلس المركزي شعبنا برمته في صحراءها ، ويستمر في إعطاء أوهام لليهود الصهاينة لا تحقق الحقوق التي حددتها الشرعية الدولية، على إجحافها ، لشعبنا …!
المشروع الصهيوني ، رغم كل ما حَقَّق ، هو في أزمة عضوية يا هاني .
نعم، في العام ١٩٤٨، شكل اليهود ثلث عدد سكان فلسطين. تمكنوا منذ العام ١٩٦٧ من السيطرة على كل أرض فلسطبن من النهر الى البحر . وبالرغم من كل الظروف ، فإن في حدود أرض فلسطين الآن نسبة متساوية من البهود والفلسطينيين العرب . هذا عدا عن الفلسطينيين الذين ينتظرون تفعيل حق سكان العودة الى أرض فلسطين.
قطاع غزة وهو يتحول الى اكبر معتقل وغيتو في التاريخ،… غيتو لم تشهده البشرية في أي يوم من أيامها هو لوحده قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه دولة الكيان الصهيوني.
وفِي قلب دولة الكيان ، يقبع ستة ملايين عربي فلسطيني ، يتحولون مع الوقت ، الى قنبلة اخرى مع إمعان الصهاينة في سياسات مصادرة الاراضي والممتلكات والحصار والتضييق والحرمان .
الوقت معنا يا هاني .
نعم ستسوء أوضاع شعبنا أكثر على المدى القريب والمتوسط . لكن أهدافنا المشروعة كلها قابلة للتحقيق يا هاني .
ما نحتاجه ليس الا قيادة تتمسك بحقوقنا الوطنية المشروعة ولا تفرط بها. أما طاقات شعبنا النضالية ، فهو يثبت كل يوم أنها لا تنضب .
ذلك هو رأيي ، يا هاني .
أشكرك ، لأنك شجعتني على كتابة ما كنت أنوي كتابته منذ شهور .
عبد الرحمن البيطار