يومية الجمعة الموافق ٢ تشرين الثاني ٢٠١٨
توطئة:
تحدثنا في الجزء الاول من تعليقنا على مقال/ دراسة الدكتور محمود يزبك المعنونة ؛ “فلسطين بين صفقة القرن وقانون القومية العُنصري” والمنشورة في صحيفة الرأي – باب عين الرأي في ٢٣ تشرين اول ٢٠١٨ عن التحدي الاول ، أي عن سَعْي الحركة الصهيونية للسيطرة على الأرض الفلسطينية ، وتوقفنا فيه عند العام ١٩٤٩.
وقُلنا فيه أن الحركة الصهيونية وبالإستناد الى قرار التقسيم من جهة ، وبأساليب الإرهاب والتطهير العِرْقي العُنصري ، فقد تَمَكَّنَت من السّيطرة على ٧٨٪ من أرض فلسطين الواقعة ما بين النهر والبحر .
وأود أن أُشير في هذا المقام أيضاً إلى أن الحركة الصهيونية ما كانت لتُحْرِزَ هذا الإنجاز وتُكْسِبَه شَرْعية دولية لولا الدعم الهائل الذي تلقته من الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت من جهة ، ومن جهة أخرى الى التَّغير الذي حَصَل في موقف الإتحاد السوڤييتي من الحركة الصهيونية بعد إنقضاء الحرب الكونية الثانية، ومن مشروعها الصهيوني في فلسطين ، وذلك بعد اندلاع الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي الرأسمالي الإستعماري ، والشرقي الشيوعي الإشتراكي ما بين عامي ١٩٤٥ و ١٩٤٩، والذي بلغ ذروته مع قيام الاتحاد السوڤييتي بحصار برلين ما بين حزيران ١٩٤٨ و أيار ١٩٤٩، وانتصار ثورة ماوتسي تونغ في كانون اول ١٩٤٩.
خلال تلك الفترة ، تَخَلّى الإتحاد السوڤييتي رسمياً عن موقفه المبدئي الأيديولوجي الماركسي القائم على إعتبار اليهودية ديناً ، وليس قومية ، وإعتبار اليهود مواطنين في الدول التي يعيشون فيها وليس شعباً.
عندها، نجحت الحركة الصهيونية في تمرير قرار التقسيم رقم ١٨١ ، والذي حظي بموافقة لجان الأمم المتحدة والجمعية العامة وتأييد الإتحاد السوڤييتي .
كانت الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوڤييتي ، وهما زعيما المعسكرين الغربي والشرقي ، من أوائل الدول التي إعترفت بدولة الكيان الصهيوني خلال الأيام الثلاثة الأولى من تاريخ الإعلان عن إنشائها في ١٤ أيار ١٩٤٨.
وما كان لتوصية مجلس الأمن في شباط ١٩٤٩ بقبول إعتبار دولة الكيان الصهيوني (اسرائيل)دولة مُحِبّة للسلام ، وإصدار توصية للجمعية العامة للنظر بقبول طلب عضويتها في المنظمة الدولية أن تَصْدُر ، لولا تأييد كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوڤييتي معاً لطلبها . وأخيراً ، ما كان لدولة الكيان أن تَحظى بقبول عضويتها في الأُمم المتحدة ، وأن تُصدر الجمعية العامة قرارها بقبولها في ١١ أيار ١٩٤٩ لولا تأييد الدولتين العُظْمَيَين أيضاً لطلبها المذكور وتأييد العديد من الدوّل الأعضاء في كتلتيهما له عند النظر فيه في الأُمم المتحدة .
لم يحصل التغيير في الموقف السوڤييتي من القضية الفلسطينية بعد إنقضاء الحرب الكونية الثانية بصورة أتوماتيكية أو مفاجئة ، فقد شَكَّلَ إندلاع الحرب الباردة – بين الحليفين في تلك الحرب أي بين الكتلتين الشرقية والغربية – عاملاً أساسياً وراء هذا التغيير ، وكان لقُصور وتَقصير الدبلوماسية الفلسطينية ( الهيئة العربية العليا لفلسطين )والعربية ( جامعة الدول العربية والدول العربية الستة الأعضاء في الامم المتحدة في ذلك الوقت- سورية ، لبنان ، العراق ، السعودية ، اليمن ، مصر ) وأخطائها في ذلك الوقت ، وإصطفاف الدول العربية جميعاً في المعسكر الغربي المُعادي للمعسكر الشرقي ، وإرتباطها بمعاهدات أمنية وعسكرية بِدُوَلِه ، ومعاداتها الصريحة للإتحاد السوڤييتي بِتَبَنّيها أجندة المعسكر الغربي في مكافحة إنتشار الشيوعية ، وعدم قيام الدول العربية الستة الأعضاء في الأُمم المتحدة بأية مبادرات أو محاولات ذات معنى ووزن للتنسيق معه ( أي مع الإتحاد السوڤييتي ) أثناء دراسة لجان الأُمم المتحدة للمُعْضِلة الفلسطينية في الأعوام ١٩٤٧، ١٩٤٨ و ١٩٤٩، وقبل وخلال الجلسات التي عقدها مجلس الأمن والجمعية العامة خلال تلك الفترة ، أقول، أنَّ كل ذلك قد جرى في وقت كانت فيه الدبلوماسية الصهيونية قد نّشِطَت لإقامة علاقات وثيقة مع الإتحاد السوڤييتي، ونَجَحَت في إقناع جناح مهم من صُنّاع الدبلوماسية السوڤييتية في ذلك الوقت في جدوى تأييد المشروع الصهيوني في فلسطين ، وعلى الأخص وأنَّ تياراً مهماً في الحركة الصهيونية، وفِي أوساط قادتها التاريخيين كانوا يَتَبَنّون الفكر الإشتراكي ، وكانوا أصلاً مواطنيين روس أو من مواطني بعض دول المعسكر الشرقي ،..
نعم، كان لكل تلك الإعتبارات دوراً حاسماً في النجاح الذي حققته الحركة الصهيونية في فلسطين وفي ترويج الرواية الصهيونية ، وإنتزاع الإعتراف بدولة الكيان الصهيوني – التي أنشئها في فلسطين –من المجتمع الدولي ، وكانت كذلك وراء الإخفاق والفشل الذريع في الحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية وصيانتها ، الناجم عن أخطاء وقصور السياسات والمواقف التي تبنتها ، والأعمال التي قامت بها الحركة الوطنية الفلسطينية وجامعة الدول العربية ودولها الأعضاء في الأُمم المتحدة ، والتواطؤ الذي حصل في ذلك الوقت ، والذي أفضى في نهاية المطاف لما تم تسميته بـ ” النكبة الفلسطينية ” أو “نكبة العام ١٩٤٨” أو ” الكارثة الفلسطينية “، ولاحقاً في إدامتها حتى هذا الوقت .
تحتاج التغيرات التي حصلت في الموقف الدبلوماسي السوڤييتي في الأُمم المتحدة بخصوص القضية الفلسطينية ، والقُصور والتقصير والأخطاء الفادحة للدبلوماسية العربية والفلسطينية في الأعوام ١٩٤٧، ١٩٤٨ و ١٩٤٩ المزيد من الدراسة ، وربما أتمكن من إلقاء الضوء على عدد من جوانبها في يوميات قادمة .
لنعد الآن الى إكمال ما بدأناه في الحديث حول السيطرة على الأرض الفلسطينية.
في الأعوام القليلة التي تَلَت العام ١٩٤٩ ، إستمرت الحركة الصهيونية ، – ولكن هذه المَرَّة من خلال قوات دولة الكيان الصهيوني – في محاولاتها لقضم المزيد ثم المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية الواقعة بمحاذاة خطوط الهدنة ( تجفيف بحيرة الحولة، والسيطرة على شريط من أراضٍ محاذية تماماً لخطوط الهدنة مع كل من سورية ولبنان والأردن وصحراء النَّقب مع مصر) .
ولكنها وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٥٦ ، وبعد أنْ تَمَكَّنَت مِن تَثبيت أوضاعها وإحكام قَبْضَتِها على الأراضي الفلسطينية التي إحتلتها في العام ١٩٤٨،و في ظل الغياب (أو التغييب) الفلسطيني عن المسرح العربي والدولي شبه الكامل ، وتجريد الشعب الفلسطيني من أي قيادة تمثله ، وباقتران كل ذلك بحالة العجز أو التّقاعس أو التّنصل العربي الصارخ ، أقول ، بعد كل ذلك ، حاولت دولة الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) في العام ١٩٥٦ من تحقيق تَوَسّع جغرافي ليس فقط على حساب الأراضي الفلسطينية التي كانت ما تزال في قَبْضة الاْردن ومِصْر ، ولكنها تَمَدَّدت لتشمل هذه المَرَّة – بالإضافة الى إحتلالها لقطاع غزة – أراضٍ عربية مصرية في شبه جزيرة سيناء .
الدكتور محمود
لقد كان هذا التّمدد إلى خارج نطاق الأراضي العربية الفلسطينية أول محاولة مكشوفة وصريحة تقوم بها الحركة الصهيونية من خلال قوات دولة الكيان التي أنشئتها في فلسطين، أقول أول محاولة مكشوفة لإحتلال أراضٍ عربية – أراض عربية مصرية – في القرن العشرين.
كشفت محاولة التَّمَدُّد هذه المَرّة أبعاد أهداف المشروع الصهيوني في منطقة إقليمنا العربي على نحو سَافِر، ودقَّ في ذات الوقت أجراس الإنذار على مخاطر هذا المشروع على شعوب بلداننا العربية ( وليس فقط على الشعب العربي الفلسطيني وبلاده ) وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين .
تم التَّمَدد المَذكور بالتواطىء المكشوف مع دولتي سايكس بيكو ؛ بريطانيا وفرنسا ، واستهدف أكبر وأهم دولة عربية في الإقليم ؛ مِصْر التي كانت قبل أربعة سنوات فقط ( في تموز من العام ١٩٥٢) قد إنتفضت ، وأسقطت أول نظام عربي رسمي مُرْتبط بالمعسكر الغربي الإستعماري ، وبالتحديد ببريطانيا ، في القرن العشرين .
كان لمحاولة التَّمدد الصهيوني تلك ، المَصحوبة بتواطؤ بريطاني فرنسي سَافِر ، آثاراً هائلة في تجذير “حركة الضباط الأحرار” المصرية ، وفي تعميق إنحيازاتها الفكرية وخياراتها ومواقفها ليس فقط على الصعيد السياسي ، وإنما أيضاً على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي ، وعلى المستويات الداخلية في مصر ، وخارجها في البلدان العربية جمعاء ، وفي بلدان الإقليم وعلى الصعيد الدولي ، وعلى رأس كل ذلك ، في تعزيز دور مصر على صعيد حركات التّحرر العربية والإفريقية والعالمية .
نعم، لم تنجح محاولات التَّمدد الصهيوني والإمبريالية تلك ، نظراً للتغيرات التي حصلت في النظام العالمي الجديد الذي كان قد تَشَكَّلَ بعد الحرب العالمية الثانية ، وموازين القوى الجديدة فيه ، وإحتلال كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوڤييتي مواقع الصدارة والقيادة فيه.
وبالنتيجة ، إنتكس مشروع التوسع الجديد وانسحبت قوات دول العدوان الثلاثي من الأراضي المصرية والفلسطينية ( قطاع غزة )، وخَرَجت مصر مُنتصرة من المواجهة التي حَصَلَت ، وتبوأت مركز القيادة والصدارة كقوة أساسية مُناصرة لحركات التّحرر الوطني ، ليس فقط على صعيدالعالم العربي، ولكن أيضاً على صعيد دول العالم الثالث.
مِصْر بعد العام ١٩٥٦ ، لم تعد كما كانت قبل العام ١٩٥٦.
أدركت مصر منذ هذه اللحظة دورها السياسي الحاسم في الإقليم ، وعلى الأخص ، على الصعيد القومي العربي وفي العالم الثالث ، وأهمية تجذير وتطوير برنامجها الإجتماعي والإقتصادي ، وضرورات تطوير قدراتها العسكرية .
لقد ساهمت في توليد معسكر ثالث هو معسكر دول عدم الإنحياز ، لكنها أدركت أيضاً أنها لا تستطيع أن تتمتع بحرية حركة مطلقة ، وأن عليها أن تُوَثِّق إرتباطاتها مع المعسكر الشرقي ، لأن المعسكر الغربي حَدَّدَ خياراته وإنحيازاته ، واختار الإستمرار في التحالف مع دولة الكيان الصهيوني ، وفِي دَعْمِها وإمدادها بكل وسائل القوة .
لقد وَضَعَها ( أي وضع مِصْر ) هذا الإدراك ، والخيارات التي اختارتها والإنحيازات التي مارستها في حالة تصادم مع المعسكر الغربي الإمبريالي وقواه العاتية.
لكن دولة الكيان الصهيوني أيضاً ، وبعد مغامرتها العسكرية ضد مصر في العام ١٩٥٦، فإنها لم تَعُد تبدو كما كانت تَطْرح نفسها – في سابق الأيام – في الساحة الإقليمية والدولية على أنها دولة مُسالِمة ، لا أطماع لديها في الإقليم الذي نعيش فيه. كما أنها لم تعد قادرة على إخفاء عُمْق إرتباطاتها بالمعسكر الإمبريالي الغربي ودورها في مخططاته في الإقليم . هذا بالإضافة الى أنها أبرزت بوضوح أبعاد وحجم قدراتها العسكرية ومهاراتها في ممارسة فنون القتال ومؤهلاتها في هذا المضمار ، وفِي كونها قوة يتعين أخذها بجدية في حِسابات القوى الفاعلة في المعسكر الغربي الإمبريالي ، وأيضاً من قبل المعسكر الشرقي، وفِي أوساط بلدان الإقليم .
الدكتور محمود
باختصار، لم تُعْجِب الخيارات والإنحيازات التي اختارتها القيادة المصرية بعد العام ١٩٥٦ دول المعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ( وبريطانيا وفرنسا ) .
في ضوء ذلك ، أخذ تواطؤ دول الإستعمار القديم والجديد في التطور أكثر وأكثر وبتسارع ، وذلك مع ازدياد الأهمية الحيوية الحاسمة للنفط العربي في كل مناحي الحياة الغربية .
لقد أصبحت الحضارة الغربية برمتها في النِّصف الثاني من القرن العشرين تعتمد بصورة كلية على موارد النفط في العالم ، وعلى الأخص نفط الدول العربية . أصبح النفط سلعة استراتيجية ذات أهمية بالغة، وإكتسب أمن منابع إنتاجه، ومتطلبات استمرار تدفقه للأسواق العالمية بسلاسة وبدون انقطاع ، وضرورات تأمين خطوط نقله من المهام الأساسية التي لا غنى عنه لاستمرار نمط الحياة ، وتواصل الإنتاج والمحافظة على نسب النمو في دول العالم الغربي وفي بلدان العالم بأسره .
في ضوء الإنحيازات والخيارات التي حَدَّدَتها مصر لنفسها ، والدور الذي قررت أن تلعبه على الصعيد القومي العربي ، وعلى صعيد دعم حركات التحرر في العالم ، وعلى صعيد العالم الثالث كذلك، فقد إزداد بالمقابل أهمية دور دولة الكيان الصهيوني في التصدي للمشروع النهضوي التحرري العربي الذي وَضَعَت مِصْر أعباء حمله على عاتِقها ، ومواجهة أية مخاطر قد تؤثر على مصالح دول المعسكر الغربي.
مَنَح الخيار المصري هذا ، وإنحيازاتها المُعْلَنة ، وقيادتها للمعسكر العربي المُناهض للمَصالح الغربية الإمبريالية في الإقليم ، دولة الكيان الصهيوني فرصة تاريخية إضافية لا تقدر بثمن ،وأَبْرَزَ أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به لصالح المعسكر الغربي الإمبريالي، وزاد إدراك دول المعسكر للدور الذي يمكن أن تلعبه دولة الكيان الصهيوني في هذا الخصوص من إدراك دولة الكيان لقيمتها ، وَرَفَعَت بالتالي من منسوب مطالبها لتقديم الخدمة المطلوبة .
كانت مصر وسورية ( والعراق كذلك ) تمثلان تهديدان إستراتيجيان لدولة الكيان ، ومستقبلها في الإقليم. لذا، فإن إخراجهما من ساحة الصِّراع ، وإزالة ما يشكلانه من أخطار عليها ، أقول، كان ذلك يمثل هدفاً استراتيجياً لها ، وهو أحد المطالب الأساسية التي حددتها لنفسها كي تقوم بالدور المطلوب منها في الإقليم.
في ذات الوقت، كان ذات الهدف يَصبُّ مباشرة في خدمة المصالح المباشرة للمعسكر الغربي في المنطقة.
وعلى ذلك ، فقد التقت مصالح الطرفان .
وبناء على ذلك أيضاً ، فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية ، بصفتها القائدة للمعسكر الغربي الإمبريالي، إلى توظيف دولة الكيان الصهيوني في حزيران من العام ١٩٦٧ واستخدامها لتوجيه ضربة قاصمة لمصر وجيشها، ولجيوش دولتين عربيتين أُخريين ( سورية والأردن ).
وفِي سياق حَمْلَتها تلك ، تمكنت دولة الكيان الصهيوني ( إسرائيل ) من تحقيق مخططها الأصلي في إستكمال إحتلال باقي الاراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية وقِطاع غزة ).
أصبحت فلسطين الآن ، أي منذ الخامس من حزيران من العام ١٩٦٧، أقول، أصبحت كل فلسطين ، من النهر الى البحر ، في قَبْضة الحركة الصهيونية ، ووقعت تحت إحتلال قوات الدولة ” المُحِبَّة للسلام ” التي أنشئتها تلك الحركة في فلسطين في أيار ١٩٤٨ ، بدعم الغرب الإستعماري .
في حملتها العسكرية هذه ، لم يتوقف الأمر عند إحتلال باقي فلسطين فحسب ، بل أنها قامت بإحتلال هضبة الجولان السورية لأول مرة ، وإحتلال شبه جزيرة سيناء المصرية للمرَّة الثانية أيضاً، بعد أحد عشر سنة فقط من إحتلالها لها أول مَرَّة.
دكتورنا الكبير
كما سبق أن ذكرت، ففي حزيران من العام ١٩٦٧، حققت دولة الكيان الصهيوني سيطرتها الكاملة على كامل التراب الوطني الفلسطيني.
لقد تَعَرَّضْتَ في مَقالِكَ المذكور أعلاه للتطورات التي حَصَلَت بعد ذلك على نحو مُبْدِع.
لقد أَوْرَدْتَ تفاصيل ما حصل بعد قيام دولة الإحتلال ( إسرائيل ) بفرض الأحكام العسكرية في الأراضي العربية التي احتلتها في العام ١٩٦٧ ، بما فيها الأراضي الفلسطينية.
لن أحاول إعادة ما أوْرَدْتَه أنتَ في مَقالِك . لكني أريد أن أُبدي ملاحظات مهمة.
•بعد عدوان حزيران ١٩٦٧، فإن دولة الكيان الصهيوني لم تتردد في القيام بِـ ، والإعلان الرسمي عن ضَمِّ جُزْءٍ من الأراضي التي احتلتها بالقوة الى الأراضي التي كانت قد سيطرت عليها أيضاً في العامين١٩٤٨ و ١٩٤٩.
ومع أن أراضي مدينة القدس هي في القرار ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ تُعْتَبَر مَنطقة يَتَعَيَّن وَضْعَها مع سُكّانها الفلسطينيين العرب ، واليهود ، وغيرهم تحت الحكم الدولي ، فقد تغاضت الأُمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ ، وسكتت عن وقوع جزء من المدينة في العام ١٩٤٨ في أيدي الجيش العربي الاردني ، وعن إعلان ضَمّه للأردن باعتباره جُزْءاً من الضفة الفلسطينية الواقعة غربي نهر الاْردن ، وسَكَتَت كذلك عن وُقوع الجزء المُتَبَقّي منها في ذات العام في قَبْضَة الإحتلال الصهيوني ، وتغاضت عن إعلان دولة الكيان الصهيوني ضمه لها ،وتغاضت أيضاً الإعلان عن ذلك الجزء من القدس عاصمة أبدية لدولة الكيان .
••لماذا سكتت الأُمم المتحدة عن هذا الانتهاك للقرار ١٨١، وهي التي كانت معنية بإدارة شؤون حكم هذه المدينة ؟
••لماذا لم يعتبر مجلس الأمن هذا الإنتهاك تهديداً للأمن والسلم العالمي ؟
•لقد مَثّلَ سكوت الأُمم المتحدة عن هذا الإنتهاك وهي ذاتها المنظمة الدولية المعنية بإقامة الحكم الدولي في مدينة القدس وإدارته ، تواطئاً منها، ومن الدول الكبرى المسؤولة عن الأمن والسلم العالمي ، أي دول مجلس الأمن، ، أقول ، تواطئا منها إستهدف القفز عن القرار ١٨١ ، وتعطيل عملية تطبيقه، لأن تفعيل تطبيق هذا الجزء كان يستدعي تفعيل الأجزاء الاخرى غير المنفذة في القرار ذاته.
•لم تكن هناك مصلحة لإلغاءالقرار ذاته، لأنه القرار الذي أعطى الشرعية الدولية لإقامة دولة الكيان الصهيوني في فلسطين ، ولأن إبطاله من شأنه أن يُهدد شَرْعية وجود او إستمرار وجود دولة الكيان الصهيوني ذاته.
•وقد كانت المنظمة الدولية قد تغاضت أيضاً على قيام قوات دولة الكيان في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ بإحتلال نحو نصف أراضي الدولة العربية الفلسطينية المخصصة لها في قرار التقسيم.
•كان تنفيذ إقامة حكم دولي في مدينة القدس سَيَفتح كل هذه الملفات.
••ولكن كيف تمكنت دولة الكيان الصهيوني من الإفلات من تطبيق القرار ١٨١ ، ومن بعده القرار ١٩٤ ؟
•في ذلك الوقت ، أي في العام ١٩٤٨ وحتى العام ١٩٦٧ ، بَرَّرَت دولة الكيان إحتفاظها بجزء من القدس ، بإحتفاظ الأُردن بالجزء الآخر منها (أي من مدينة القدس) . لم تكن الاْردن في ذلك الوقت عضواً في الامم المتحدة ( اكتسبت العضوية في العام ١٩٥٥) ، في حين كانت دولة الكيان قد استحوذت على عضوية الامم المتحدة في أيار من العام ١٩٤٩.
•وبَرَّرَت دولة الكيان الصهيوني أمام المحافل الدولية ولدى المجتمع الدولي ، إحتفاظها بنصف أراضي الدولة العربية الفلسطينية المحددة لها في قرار التقسيم ، وعدم تقيدها بتنفيذ القرار ١٩٤ أي قرار الامم المتحدة بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم في الأراضي التي خَصَّصَها قرار التقسيم للدولة اليهودية ، وكذلك الى دِيارهم في ذلك الجزء من أراضي الدولة العربية الفلسطينية التي إحتلتها دولة الكيان في العامين ١٩٤٨و ١٩٤٩ ، أقول ، بَرَّرَت ذلك عبر الإدعاء بأن الدول العربية المحيطة بفلسطين هي دول غير مُحبة للسلام، وأنها ، أي تلك الدول ، دول عدوانية قامت في العام ١٩٤٨ بشَنِّ حَرْبٍ عليها وحاوَلَت تَدميرها وإِبادتها، وبالتالي ، فإنَّ تنفيذها لقرارات الشرعية الدولية ( القرارين ١٨١، ١٩٤) مربوطٌ ، حسب ادعائها ، بقبول تلك الدول توقيع إتفاقيات سلام معها ، وهي الدولة المُسالِمة التي تَعيش في بحر من العداء العربي لها ، وهو كذلك مربوط بإعتراف الدول العربية بها.
•إذن ، بدون اتفاقيات سلام مع الدول العربية المحيطة بدولة الكيان ، وبدون اعتراف عربي بها ، أبقت دولة الكيان سيطرتها على الجزء الذي إحتلته من القدس، وأبقت إحتلالها لنصف اراضي دولة فلسطين العربية المحددة لها في قرار التقسيم ، ومنعت عودة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم سواء تلك الموجودة في نطاق أراضي الدولة اليهودية ، أو إلى دِيارهم في نطاق أراضي الدولة الفلسطينية التي احتلتها في العام ١٩٤٨.
•ولأن الدول العربية( مصر ، سورية، لبنان، الأُردن، العراق، السعودية ، اليمن + الهيئة العربية العليا لفلسطين ) لم تكن قد وافقت على تطبيق قرار التقسيم، ولم تكن قد طالبت الأُمم المتحدة بتطبيقه حتى في إتفاقيات الهدنة التي وقعتها أربعة دول عربية مع دولة الكيان، والتي إنطوت على إعتراف واقعي بالدولة الصهيونية ، لا بل ولَم تسعَ أو تنجح لا لتطبيقه ولا لتنفيذ قرارات الجامعة العربية المتعلقة بفلسطين والتي صدرت في النِّصف الاول من العام ١٩٤٨ مباشرة بعد صدور قرار التقسيم ،…. فقد تَولَّدَ منذ العام ١٩٤٨، وضعٌ شاذ وجد الشعب العربي الفلسطيني نفسه فيه بلا هوية عربية فلسطينية ، يعيش نحو ثلثاه في مُخَيَّمات لُجوء في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وفي الضفة الشرقية لنهر لأردن، وفي سورية ومصر أو في الشّتات، ويعيش نحو مائة وخمسٌ وخمسون الفاً منه كمواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم فلسطين يحملون هوية دولة الكيان الصهيوني الوليدة ، ويعيش نحو (٤٠٠) الف منهم في دِيارهم الأصلية في الضفة الغربية كمواطنين أُردنيين ، لا فلسطينيين ، في حين فَقَد نحو (١٤٠)ألفاً من سكان قطاع غزة الأصليين مواطنتهم الفلسطينية ، واستبدلت بوثائق سفر صادرة عن الأُمم المتحدة، مع أنهم بقوا في دِيارهم الأصلية في القطاع لم يغادروها بفعل الأحداث التي حصلت بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ .
الدكتور محمود
يُلاحَظ في سياق القراءة أعلاه في التطورات التي حَصَلَت أنَّ دولة الكيان الصهيوني لم تكن تطلب ولو لمَرِّةٍ واحدة في الفترة الممتدة من العام ١٩٤٨ وحتى العام ١٩٦٧ ( وإلى وقت طويل بعده) ضرورة أن يقوم الطرف الفلسطيني المُمَثِّل للفلسطينيين بالإعتراف بها ، لأن هذا الطرف لم يعد قائماً في نَظَرِها ، وأصبح مُغَيَّباً ، وعلى الأخص منذ النِّصف الثاني من العام ١٩٤٨.
نعم أصبح الطرف الفلسطيني الممثل للفلسطينيين مُغَيّباً بالكامل وذلك بسبب عدم إعتراف الدول العربية جميعها بحكومة عموم فلسطين، وإنشقاق العرب( الخلاف ما بين مصر والأردن ) حول مسألة الإعتراف بها مما أدى إلى إضعافها وموتها البطيء التدريجي .
و / أو أنه أصبح مُغَيّباً بالكامل بسبب رفض الهيئة العربية العليا لفلسطين ، وجامعة الدول العربية ، والدول العربية المحيطة بفلسطين ، وهم الأعضاء في المنظمة الدولية ( باستثناء الاْردن في ذلك الوقت ) قبول قرار التقسيم رقم ١٨١ ، وبسبب عدم الإعلان عن إنشاء دولة فلسطين العربية في الأراضي المُخَصَّصة لها في قرار التقسيم في ذات الوقت الذي تم فيه الإعلان عن إنشاء دولة الكيان الصهيوني في ١٤ أيار ١٩٤٨، أو حتى في ذات الوقت الذي نَظَرَت فيه الأُمم المتحدة في قبول عضوية دولة الكيان فيها، أي، في أي وقت في الفترة المُمتدَّة منذ ١٤ أيار ١٩٤٨ وحتى أيار ١٩٤٩.
تلك المواقف أَفْضَت إلى فقدان فرصة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين العربية في نطاق الحدود المرسومة لها في قرار التقسيم من قِبَل ذات الدول الأعضاء في المنظمة الدولية التي اعترفت بالدولة اليهودية وقبلتها عضواً في الأُمم المتحدة.
لم يكن هناك على الإطلاق أي إحتمال لعدم الاعتراف بدولة فلسطين العربية ضمن حدودها المرسومة لها في قرار التقسيم لو تم تقديم طلبي الإعتراف بها وقبول العضوية في الأُمم المتحدة بشكل متوازٍ مع الطلبات التي تقدمت بها الحركة الصهيونية في ذلك الوقت .
كان تأسيس دولة فلسطين العربية بموجب أحكام قرار التقسيم ضرورياً لتوليد شروط تفعيل باقي أحكام القرار ذاته ، وللحيلولة دون تمكين دولة الكيان الصهيوني من تنفيذ مخطط التطهير العِرْقي لفلسطين وتدمير القرى والأحياء الفلسطينية وتحويل ثلثي الفلسطينيين الى لاجئين ؛ نصفهم لاجئون في وطنهم ، ونصفهم الآخر موزعون على عشرات مخيمات اللجوء في الضفة الشرقية من نهر الاْردن وفِي سوريه وفِي لبنان .
•• هل كان دخول جيوش عربية الى فلسطين ( مصر ، الاْردن، العراق) بحجم محدود ، وبدون خطة ، وعلى نحو إرتجالي ، ودون معرفة بحجم العدو وإمكاناته ، من دول فاقدة لإرادتها السياسية ومربوطة أغلبها بمعاهدات أمنية وعسكرية مع بريطانيا وتعتمد في تسليحها وفِي تمويلها عليها –وفي إعاشة إحداها عليها ( الاْردن )– ، أتساءل ، هل كان ذاك خطأ تاريخياً ؟
•• هل كان على الدول العربية المحيطة بفلسطين في العام ١٩٤٨ أن تُحَوِّل خطوط الحدود ما بين مصر والأردن وسورية ولبنان الى خطوط إمداد ومواجهة ، وأن تعلن حرباً شعبية شعواء ، تَزِجُ فيها قدرات الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية ، وتُشَكِّل فيها جيوش الدول العربية ، وحدات مساندة لقوات الحرب الشعبية في فلسطين ، وقوات تَدَخُّل عند الحاجة ،… ؟ ، أقول ، هل هذا ما كان يتعين أن تقوم به الدول العربية ، إذا لم تكن مُهتمة أو مَعنية بقبول قرار التقسيم ومترتباته أو رافضة له ؟ هل كان هذا خياراً قائماً ؟
•• هل كانت الدول العربية التي كانت قائمة في ذلك الوقت ، والمربوطة بمعاهدات أمنية وعسكرية مع بريطانيا ،… هل كانت تملك حرية اتخاذ مثل هذا القرار ؟ وهل كانت إذا أخذته قادرة على تنفيذه ؟
إنني أثير التساؤلات أعلاه بهدف ممارسة تمرين ذهني يستهدف تحديد مواضع الخلل ، وتبيان الأخطاء التي إرْتُكِبَت في ذلك الوقت ، ولا زالت تُرتكب حتى هذه اللحظة .
لم ينته التعليق بعد ، ويبدو أنه لا مناص من جزء ثالث
يا سيدي الدكتور محمود.
عبد الرحمن البيطار