الجمعة الموافق ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٧ ( يوم البُشرى )
يلتقي في هذه الجملة، العدد (١٧) مرتين مصحوبا بالرقم (١١) .
عندما كتبتُ مقالة لنشرة “خريجي الفاضلية” التي تُصدرها جمعية لخِرِّجين منها ، قبل عدة أشهر ، وجدتُ أني بدأتها بالإفتتاحية التالية :
“الإبحار في أوراق ” وهيب البيطار ” المخطوطة في كراسة له كتبها في عام ١٩٣٣/ ١٩٣٤
بين أوراقه ، وعلى قِطْعَة من الورق، كتب وهيب البيطار عليها بخَطِّ يده ، أنه وضع يده على وُريقه كَتَب عليها والده المرحوم الشيخ رشيد البيطار ملاحظة تقول :
” رُزِق َ لي هذا اليوم ولد أسميته وهيب “، وجاءت الملاحظة مؤرخة في ٢٣ ذي الحجة لعام ١٣٣٤، وهو يصادف يوم ٢٣ تشرين الثاني من العام ١٩١٦. ”
وفِي تشرين الثاني ١٩٨٣، جائتنا صبية ، أسميتها “هِبة” ، فأضاف والدي عليها إسم الله ، فأصبح إسمها ” هبة الله “،…!
أقولُ في نفسي الآن : ما قِصّتنا مع تشرين الثاني ؟
قبل السابعة صباحاً بِدَقائق ، حَضَرت كريستن ، وأخَذَت عَيّنات من دَمي من مأخذ الدم في الرَّقَبَة.
بعد نَحْو رُبْع ساعة أو أكثر ، جاءت من جديد لتَسْحَب دما اكثر . وقالت : يَحتاجون عَينات دم أكثر في المختبر.
قُلتُ لها ؛ إنهم متعطشون لدَمي.
أخدت القياسات وكانت كما يلي :
الحرارة : ٣٦.٣
الضغط : ١٣٠/٨٠
الوزن قبل الفطور : ٨٨.٣.
جَلستُ بعد ذلك على التَّخْت أتناول الفطور وأنا بـ “دم من صنف B+” لآخر مرة.
قرَّرتُ أن آخذ شاوَر لأني أردتُ أن أستقبل الخلايا الجذعية الجديدة من نوع +AB بحُلّة جديدة.
حَضَرَ فريق من الأطباء والمُمَرِّضين.
أعلَمني طبيبٌ في الفريق أن عملية الـ Transfusion Of The Stem Cell للدم الخاص بي ستبدأ في الحادية عشر من صباح هذا اليوم .
ثُمَّ قاموا بفحص حَلْقي ، ثم الرِّئَتين والقَفَص الصَّدْري ،..
سألوني عن أي عوارض أشعر بها .
أخبرتهم أنه وبالإضافة الى الحَكِّة ( الرّاش ) ، فإني أشعر وكأني من المحتمل أن يكون لديَّ حالة شبه إسهال او إسهال ، لكن “الـبُراز” ليس في وضعية سائلة تماماً.
حَضَرَت بعد ذلك مُنى ورُوى ،ثم جاءت هِبة الى الغُرفة ، وقالت أنَّ سَماء في الطريق .
تَحدثتُ مع فرح وشفيق على التلفون ،..
الجو في هايدلبيرغ غائم و بارد . درجة الحرارة في الخارج هي (٣) مئوية ،..
صَبِِيّة في الغُرفة تُنظف الارضيّة ، في حين تقوم هِبة بتَوضيب التَّخت إاستعدادا لإستقبال الوليد الحاصر الجديد :
بعد ذلك ، حَضَرَت كريستن والطبيبة نورا ، وبيدهما عُبُوة الـ ” الخلايا الجذعيّة ” .
ألتقطُّ صور تذكارية للعُبُوّه وهي في يد الطبيبةنورا .


بعد ذلك طَلَبَت منّي الدكتورة نورا أن أُجاوب على أسئلتها ؛
ذكرتُ لها إسمي ، وتاريخ ميلادي الذي كان ، أي “القديم”
قالت : الآن سَنبدأ بـ “الزراعة” ،أي لنَقِل الـ ” الخلايا الجذعية ” الجديدة الى دمّك .

تَحَوَّلَت الدكتورة نورا في ثوانٍ الى ” فَلّاحة ” ألمانية ، تُتقن ” الزراعة “…!
عَلَّقَتْ العُبُوّة على إحدى حوامل القائم ، وفَتَحَتْ الصَّنبور المُتَحَكُّم بها،
في لَحَظَات ، …. بَدَأَتْ خلايا الحبيبة ” سائدة ” الجذعية تَهْرَع نحو فوهة الأُنبوب وتَتَحَرَّك فيه ،…
وفِي أقلِّ من دَقيقة، دَخَلَتْ جِسْمي في مَوِْكبٍ حافِل ، وتحتَ مُراقبة من عيون نورا وكريستن ومُنى وهِبة ،
أمّا ما شََعَرتُ به في تلك اللحظة ، فكان إحساسٌ بخيطٍ باردٍ يَتَسَلّل إلى جِسْمي خِلْسَةً ، …
هذا الخيط جَعَلَني أشعر ببرودةٍ فقط ،… لكنهالا تَصِل إلى حَدِّ القَشعريرة ،..
رُحْتُ اُقاوِمُها بمَزيدٍ من التّغطية لأجزاء جسمي غير المُغَطّاة …
لَمْ أحتاج إلا لـ “الِّلحاف” الذي أَلتحِف به ، ولم أكنْ بحاجة إلى غيره .
لَمْ أستطع مقاومة تأثير محلول الأنتي هيستامين المُنَوِّم، فَدبَّ فيَّ نُعاسٌ أجبرا جَفْناي على الإنغماض ،…
وهناك تراءى لي منظر عُش من قُطِنٍ ، وردي اللون ، والعُش يَنتظر وليدَه ….
يَنْتَظِر أن تَنْتَهي إجراءات الولادة ليستقر الوَليد في عُشِّه ، لا أدرِ لِمَ ….!؟ ، فقد بقيت صورة العِش تتوارد في مُخَيَّلَتي أكثر من مرة خلال فترة الحلم تلك. .

بدأتْ عملية الزِّراعة ، أي رحلة إنتقال ، او إنتثار ، أو إنتشار الخلايا الجذعية في “تراب جسمي” كله في الحادية عشر والثُّلث صباحاً ، واستمرت حتى الثانية عشر وإثنا عشر دقيقة بالتّمام والكمال.
لا أحد في الغرفة الآن .
سألتني الممرضة إِنْ كنتُ أرغب في تناول الغَداء أجبتها بلا ،
نَفْسي مفتوحة لإستقبال بذور الحياة الجديدة ،…لتَحضنها ذَرَّاتُ جِسْمي، لأُدَللها …
نفسي لّيْسَتْ مفتوحة لتناول أي طعام ، وبالتأكيد ليس وجبة غداءهم .
—/———————
ماتْيوُس ، المُمرض المسؤول في وَرْدِيّة بعد الظهر ، تابع أُموري خلال تلك الوردية .
هو يعمل في المستشفى نفسه منذ (٣١) عاما.
أخبرني أنه عادة ما تلي عملية الزِّراعة مباشرةً ، فترة أسبوع تصطرع خلاله الخلايا الجذعية الجديدة مع القديمة لغاية الحلول محلها في فضاءات النخاع الشوكي ، للبدء بممارسة عملها في إنتاج دم جديد بفصيلة دم جديدة .
وسَيتلوا ذلك أيضاً أسبوعٌ آخر من المُنازَلة بين تلك الخلايا .
سيتحول جسمي أثناءها الى مضمار او ميدان للمنازلة او السِّباق ،…!
الاسبوع الأخير من الأُسبوعين المذكورينأاعلاه هو الاسبوع الحاسم ، فالنجاح مرتبط بنجاح عمل الخلايا الجذعية الجديدة في إنجاز المهمة المطلوبة .
قبل الزراعة ، تم تخفيض مناعة الجسم الى أوطأ منسوب ممكن، لمساعدة الخلايا الجديدة والسماح لها في تحقيق مهمتها بدون عوائق ، أي في تحقيق نصر حاسم على الخلايا القديمة ، وبالضربة القاضية.
وقال ، بأنه خلال اسبوع الاصطراع، فقد يتعرض المرء لأعراض مَرَضِية مختلفة ، لذا فمن الضروري الإستعداد لذلك.
إذنْ، الأُسبوع القادم قد يكون صعباً .
انا مستعد لذلك .
انا أقترب من تحقيق الهدف .
عمّار ملحس يزوروني هذه الأيام في هايدلبيرغ . أستمتع بجلساته. عمار يتمتع بفطنة وذكاء حاد. وله وجهات نظر في أمور كثيرة قد تختلف معها ولكنك لا تملك إلا أن تحترمها .
أعجبني مقولةٌ له هذا اليوم حين قال :
” أجمل العطاء هو العطاء الذي يخلِقُ أملاً”.
سيبقى قوله عالقاً في ذهني ما حَييت .
بعد أن قام ماتيوس بالتغيير، وتََفقد جُرح الرَّقَبة ، أحضر عبوة جرعة الـ سي إس آى ، وعلّقها على أحد حوامل الـروبوت ( الـ ستاند ) ، وفتح صُنبور العُبوة ليتدفق سائل العُبُوة في الأُنبوب المشبوك على خط الـسنترال لاين المَزروع من الرَّقبة .
من المنتظر أن تتفرغ جُرْعِة هذه العبوة في جسمي خلال ثلاث ساعات ، أي أنها سترافقني حتى منتصف الليل .
قبل قليل جاءت مُمرضة وأخَذَتْ القياسات المُعتادة وكانت جميعها ضمن الحدود.
أعلمتني روى ان جود قادمة غدا لكن بدون تينه.