السبت الموافق ٢ كانون الاول ٢٠١٧
وَحيدٌ في الغرفة.
جاءت المُمَرِّضَة قَبْلَ دَقائق بصينية الفُطور .
سأبدأ الآن بتناول الفطور ، وحَبّات الأدوية بعدها مباشرة وذلك قبل أن تأتي هِبة، وإلا، فنصيبي عندها أن أتَلَقّى بَهْدَلة أدبية جديدة حيث ستتهمني بالتأخر في تناول حبات الدواء نظرا لـ “إلتهائي” عن تناولها في موعدها بالقراءة والكتابة .
هِبه تُعاود بين فينة وأُخرى كل يوم تذكيري بتعليمات المُمَرِّضة البرتغالية الصارمة بأنَّ عَلَيَّ أنْ اتناولها في مواعيدها بِدِقَّة ، وعلى الأخص حَبّات السايكلوسبورين .
إذَنْ ، سأتوقف الآن عن الكتابة ، وسَيُسامِحَني ضَميري.
—
تَناولتُ من الفطور الذي تم تَوْزيعه على الغُرَفْ في الثامنة والنصف صباحاً بعضه؛ كورن فليكس مع حليب ، وقِطْعة خُبْز مع التَّطْلي أو العسل ، مع مَسحات من الزبدة.
خلال عملية تناول الطعام ، جَدْوَلت عملية أخذ حبات الدواء.
فعدد الحبات المطلوب تناولها في “الثامنة صباحاً ” هو سبعة.
مع التحسن في قبول الطعام وتحسن اوضاع منطقة الفم وكذلك في عملية البلع …الخ ، إكتشفتُ أنَّ معدتي لا زال لديها حساسية عالية للأغذية والدواء ، وعلى الأخص عند تناول كميات كبيرة من المياه مرة واحدة ،…. ولتفادي ان تلفظ مَنافِسي الحبوب وتقذفها الى خارج الفم ، فقد كان عَلَيَّ أن أتناولها حَبّةً حَبّة ، مع ترك برهة زمنية قبل تناول حَبّة أُخرى .
خلال ثلاثة أرباع الساعة ، تَمَكَنتُ من إنجاز تناول طعام الفطور مع حبات الدواء السبعة.
قد لا يَسُرُّ ذلك هِبَه ، ولكن هذا أقصى ما اٌسْتَطَعتُ تحقيقه في هذا الشأن.
—
زَئير صَافِرَة صديقي “الـرّوبوت “( القائم – ستاند )يَنطلق الآن . عقارب الساعة تُشير الى التاسعة والنصف صباحاً .
خلال لحظات ، ستَحْضُر المُمَرِّضة ، ولعلها تَفِكّني من أَسْري ، فأنا مربوط بالرّوبوت بتيوب Tube رَفيع ، من خلاله ، يتم تغذيتي إما بالأنتي بَيُوتِك أو بالمُسْتَحْلَب الأبيض ، الذي فهمتُ من الممرضة البارحة ، انه يُعْطى لي لحماية الكِلْيَتَين.
حَضَرَت المُمَرِّضة أخيراً ، وأخبَرَتني أنها تحتاج لتزويدي بدواء آخر بـ “التنقيط” من خلال الـرّوبوت ، وقالت انه وبعد نصف ساعة من الآن ، ستُحَرِّرَني من الـ تيوبات التي تربطني بالرّوبوت .
قُلتُ في نفسي؛أنا سجين غرفتي في المستشفى من يوم ١٠ تشرين الثاني ٢٠١٧. أمضيت كل ثانية من وقتي فيها طيلة تلك المدة .أنا لم أخرج منها منذ (٢٢) يوماً …..!
فماذا يَضيرُ أن أبقى مُقَيَّداً في “زِنْزانَتي” لمُدّةِ نِصفِ ساعةٍ آخر ؟!
نعم . ماذا يضير ؟!
كي أخرج من المُستشفى ، لا بد من أن يتم الإنتهاء من تناول الأدوية التي يتم تغذيتي بها بالتنقيط من خلال الـروبوت ، أي باستعمال ” القائم “.
—————————-
عَلِمتُ من المُمَرّضة هذا الصّباح أن الجو باردٌ جداً في الخارج ، وأنّ الحرارة تصل ( كما تمكنت أن أفهم ) الى ثلاثة درجات تحت مَنسوب الصِّفر …..!
من الواجهة الزجاجية لغرفتي، أرى سماء بَيْضاء، لا رِياح.
لاحظتُ أن الثلج الذي تراكم البارحة ذاب ولم يَسْتَقِر ،… يبدو ان هناك ما يشير الى تكوُّن جليد أوصقيع في الطرق والممرات .
—
على شاشة المَيادين المربوطة بسريري في الغُرفة رقم (٦) في المستشفى، اشاهد خبر زواج (٢٥) جريح سوري مع (٢٥) صبية سورية بحضور الآلاف السوريين وسط موسيقى صاخبة .
السماع لكلمات الصبايا والشباب ترفع منسوب الأمل ،…
قُلتُ في نفسي ؛ كم هي الحياة قاسية في بعض الأحيان !…..!!!
——
قبل ثوانٍ ، تَرَكَت الطّبيبة شايلا ورفيقتها الغرفة بعد ان زفّا اليَّ الأخبار التالية :
•تِعداد كُرات الدَّم البَيضاء قفز الى (٣٦٠٠).
•تِعداد الصفائح إرتفع الى (٢٦٢).
•الهيموچلوبين إرتفع أيضاً .
سألتني إن كنتُ أشكو من شيء :
أخبرتها أني أشكر من:
• A runny nose with no blood causing dryness in the skin.
• Some pain at the entrance of the throat
• When the urge to pee comes, urine may spill out if being late in reaching the WC
حول النقطة الاولى ، أخبرتني انه من الأعراض المتوقعة ، وما أُعاني منه ليس رشحاً cold . وطلبت مني الإستمرار في استعمال زيت التزييت لمجاري الأنف.
حول النقطة الثانية ، قالت أنَّ الألم سيزول مع استمرار تحسن المناعة وإرتفاع عديد كُرات الدم البيضاء ….الخ.
حول النقطة الثالثة ؛ أكدت لي أيضاً ان هذا هو واحد من الأعراض المتوقعة الناتجة عن عدد من الأدوية والتفاعلات. وأنه سيزول مع الوقت عند الوصول الى الحد الطبيعي من تناول الأدوية .
ثُمَّ ذَكَرَت ، أنَّ إستمرار التحسن ، بالمعدل الذي تجري فيه الأمور الآن ، فإنَّ هذا سيؤهلني للخروج من المستشفى مع نهاية هذا الاسبوع.
خلال هذا الوقت ، حَضَرَت المُمَرِّضة بعد أنْ إنطَلَقَ صفير الـرّوبوت .
ثُمَّ قامت بتحريري من الأصفاد ، وقالت بالإنجليزية :
I will set you free now.
ثم سَأَلت :
هل تعرف تلك الأغنية التي مَطْلَعها يقول :
Set me free
أخبرتها ، أنا هو الذي يعرفها الآن، وعن تجربة ومعاناة ،…!
وهمستُ في أذُنها :
شُكراً لأنكِ حَرَّرْتِني،….
ثم قالت لي؛ مع إستمرار الإرتفاع في مؤشرات المناعة ، فإنك سوف لا تكون بحاجة لصديقك الـروبوت ، وان ذلك يمكن أن يبدأ مع حلول يوم الاثنين القادم . فغداً ، هو آخر يوم يستضيفك الـرّوبوت في غُرفتك .
قلت في نفسي ؛ غداً ، سَأَخْسَر صديقي الـروبوت . سأخسر صديقاً رافقني لمدة تزيد عن ثلاثة أسابيع، وأولاني عناية بصدق وإخلاص .
سأذهب الى صديقي الـروبوت Robot ، والتقط صورة سيلفي معه للذكرى .

—————-
حَلَّ المساء ،… تناولتُ قطع ساندويشة الجبنة والأڤوكادو والبندورة التي صَنَعَتها الايدي الماهرة لهِبَه العظيمة.
تمكنت من ابتلاع ستة حبات من الدواء حتى الان . بقي حَبّة دواء أخرى وحَبّتَي سياكلوسبورين.
يجب ان أتناول كل تلك الحبَّات مع حلول الساعة الثامنة اي خلال نصف ساعة.
مُنى وهِبه غادرتا قبل ساعتين.
هِبَه تحتاج لمساج تدليك لظهرها. لديها موعد لهذا الغرض. وهناك قائمة مشتريات shopping للشَقّة قبل حلول الأحد.
تم إزالة مأخذ الدم المزروع في ظهر يدي اليمنى بعد آلآم شديدة أَلمت بي عند تغذيتي عبره بمحلول الـ أنتي بيوتيك.
استعد للنوم بعد قليل، أي بعد تناولي الحبات المتبقية.
سأحاول النوم بلا حَبّة مُنَوِّم هذه الليلة.
سأمضي وقتاً إضافياً مع التلفزيون قبل أن أنام .
الجميع لا زال مُحتار في ” لُغز” فقدان بنطلون البيجامة؟؟؟!
———————
حضرت هِلينا الُممَرِّضة البرتغالية. أخذت القياسات . جميعها ضمن المدى المقبول . الضغط عند حده الأعلى ضمن المجال المقبول. سألتني عما أرغب أن تقوم به تجاهي قبل أن تنتهي ورديتها في التاسعة والنصف. أخبرتها أنني خلال اليومين الماضيين أخذت حَبّة مُنَوِّم كل ليلة.
أفكر اليوم بأن أنام بلا حبة مُنَوِّم.
قالت : هذا أفضل . على اي حال ، سأُحْضِر لَكَ الحَبّة . فإذا إضطررت لإستعمالها، فيجب أن يتم ذلك قبل الحادية عشر مساء. وإذا لَمْ تَستعملها ، فَسَلِّمها غدا صباحاً للمُمَرِّضة .
كانت تلك كلمات تحكي حكاية هذا اليوم .