يوم الثلاثاء الموافق ١١ كانون أول ٢٠١٨
في مثل هذا اليوم قبل سبعين عاماً ، أي في ١١ كانون أول ١٩٤٨ ، صدر القرار ١٩٤، أي القرار الذي تنص الفقرة ١١ منه على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم و ….. ، بعد ان نال تأييد (٣٥) دولة ، وعارضته (١٥) دولة منها الدول العربية الستة الأعضاء في الامم المتحدة .
هذا القرار كان يُشَكِّل أحد محاور النقاش الرئيسية من قبل اللجنة السياسية الخاصة بفلسطين Ad Hoc Political Committee التي كَلَّفَتها الجمعية العامة للأُمم المتحدة في أيار ١٩٤٩ ، للنظر في الطلب الذي تقدمت فيه دولة الكيان الصهيوني للإستحواذ على عضوية الامم المتحدة ….!
دعونا الآن نستكمل ما بدأنا به قبل أربعة أيام .
بعد أن إنتهت السلفادور من مناقشتها لممثل حكومة دولة الكيان الصهيوني ، جاء دور مندوب الدانمارك ،
الذي نجح بتوجيه أسئلة مُركَّزة لـ ” إيبان ” ، سَلَّطَ فيها الضوء بقوة على مسألة إعادة ( اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم ).
وفِي جَلسة اللجنة ، أي (Ad Hoc Political Committee )المُنعقدة في ٦ أيار ١٩٤٩، جاء جواب ” إيبان ” على الأسئلة التي أثارها المندوب الدنماركي على النحو التالي :
قال ” إيبان ” :
” يَتعين عِند دِراسة إعادة توطين اللاجئين العرب الذين كانوا يعيشون في فلسطين ( إلى فلسطين ) ، ان تأخذ الدِّراسة التّغيرات التي حَصَلت في بُنْيِة البلد ( أي التركيب السكاني لفلسطين structure of the country ).
عَلَّقَ ” كويچلي ” على جواب ” إيبان ” المشار إليه أعلاه بأنه يوحي بعدم تَوَفُّر الرَّغبة ( لدى حكومة اسرائيل ) لتطبيق القرار ١٩٤، وذلك لأن القرار نفسه لَمْ يَجعل إعادة اللاجئين ترتبط بِـ ” بنية البلد ، أي بالتركيب السُّكّاني لفلسطين ” .
إستطرد ” إيبان ” قائلاً :
“في السابق ،كان للجزء العربي من البلد ( فلسطين) إقتصاد منفصل ، وهذا لم يعد قائماً (الآن، أي في أيار من العام ١٩٤٩ ) . كما أن العديد من القُرى قد دُمِّرت نتيجة للحرب ، أو أنه تم إخلائها ، وحَصَلت كذلك حَرَكة هُجرة للسُّكان.”
حول هذا البيان ، قال كويچلي ، وعلى نحو مشابه، فإن القرار ١٩٤ لَمْ يَربط إعادة اللاجئين على (مُعطيات ) صُورة الوضع الاقتصادي (في فلسطين) . بالإضافة الى ذلك ، فإنّّ قيام ” إيبان ” بِذِكْر ، أنَّ الدّّمار الذي لحق بالقرى (الفلسطينية ) وإخلاءها ( مِنْ سُكّانها ) واعتباره سبباً لإبقاء العرب خارج (فلسطين) ، هو مسألة مثيرة للشك والتساؤل ، نظراً لأن تدمير القرى وإخلائها من سكانها قد تم تنفيذه من قبل ‘جيش الدفاع الاسرائيلي’ .
ويُضيف ، رُبما أعتقدَ ” إيبان أنَّ أعضاءاللجنة لا يعرفون أن جيش الدفاع الاسرائيلي هو من قام بتدمير القرى (الفلسطينية ) وإخلائها من سكانها ( الفلسطينيين ) . ويقول ، إنَّ ما كان يقوله “إيبان” يعني أنَّ العرب ( عرب فلسطين ) ليس لديهم حق في أن يتم إعادتهم (الى ديارهم ) ، لأنَّ الحكومة التي تُنكر حقهم في العودة هي التي دمرت بيوتهم.
لم يقتنع المندوب الدنماركي ، بار فيدرسبيل Par Federspiel بالتعليل الذي قَدَّمه ” إيبان “. لذا فقد وجه لـ ” إيبان ” سؤاله التالي على وجه التعيين :
” إنّي اعتبر جَوابك ( على سؤالي السابق ) على أنه يَعني أنَّ حكومة اسرائيل لَنْ تقبل النّص المُبين في الفقرة رقم ١١ من قرار الجمعية العامة المُتَّخَذ في ١١ كانون اول ١٩٤٨ ( أي القرار ١٩٤) ، والذي يقول بأن اللاجئين الذين يَرغبون في العودة لبيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم يجب أن يُسمح لهم بأن يقوموا بذلك “.
في معرض جوابه على سؤال المندوب الدنماركي ، أشار ” إيبان ” الى ما قاله بن غوريون للجنة التوفيق ( المُشَكّلة بموجب القرار ١٩٤) . وفِي ذلك ، قال ” إيبان “:
” إن بيان بن غوريون الذي قَدَّمَه للجنة التوفيق يمنح جواباً على ذلك على نحو واضح جداً. وذلك في أنه لم يرفض أي مبدأ تَم وَضْعَه من قِبَل الجمعية العامة ، لكنه ( أي بن غوريون ) ربط مسألة العودة (عودة اللاجئين ) بِـ عاملين :
العامل الأول : إستعادة السلام ، بحيث أنه وبعد أن يتحقق السلام ( بين اسرائيل والدول العربية )، يُمكن للعرب (أي الفلسطينيين )أن يعودوا لبيوتهم ضمن شروط العيش بسلام مع جيرانهم ، وبكلمات اخرى ،( فإن مسألة العودة يُمكن أن تَتَوَلّد شروطها ) عندما يتحقق سلام حقيقي بين العرب واليهود ، أي ( عندما يتحقق سلام ) ليس (على هيئة )هُدْنة مؤقتة (truce ) أو هُدْنة دائمة (armistice ) [كانت قد وقعت كل من مصر ولبنان والاردن ثلاثة اتفاقيات هدنة عند انعقاد هذه الجلسة للجنة في ٦ أيار ١٩٤٩]. و
العامل الثاني : حَسْم مسألة تقرير إلى أي مدى تكون فيه عودة اللاجئين ( العرب الى دِيارهم ) عَمَلية ( بمعنى ، قابلة للتطبيق).
إنَّ هذا الجانب ( يقول” إيبان “) من المُشكلة قد أقرَّ به قرار الجمعية العامة( أي القرار ١٩٤) . إنَّ هذين العاملين هما المَرْجِعان المُؤَهِلان لـ(تفعيل )حق العودة ( أي عودة اللاجئين )، وهما ما لَفَتَ الإنتباه إليهما ‘بن غوريون’ ، ( في بيانه امام لجنة التوفيق ) ولكنه ، وبالتأكيد ، فإنه (أي بن غوريون ) لم يَرْفُض أو يُشَجِّع على رفض مبدأ الإعادة ( أي إعادة اللاجئين repatriation). ”
يقول ” كويچلي ” أن ” إيبان ” فيما قَدَّمَه من إيضاحات ، فإنَّه كان يَتناول عُنصرين من عناصر الفقرة رقم ١١ من القرار ١٩٤ ، ويُحَرِّفهما ليَعنِيَا عَكس ما تضمناهما (العنصران المذكوران) من نوايا .
أوضح ” كويچلي ” ما عناه أعلاه، بقوله، بأنَّ الفقرة ١١ من القرار ١٩٤ ، تقضي بِـ :
” …… وُجوب السَّماح بالعَودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم،…..”
ويقول ، بأن هذه الفَقَرَة دَعَت لإعادة أؤلئك الراغبين فقط بالعيش بسلام ( إلى فلسطبن ) ، وأنَّ الإشارة هنا هي للأفراد( أي للاجىء الفلسطيني ) ، وليس للدُّول ( أي ليس للدول العربية) . لكن ” إيبان ” تعامل مع هذه العِبارة لتَعني بأن على الدول (العربية)أن تكون راغبة بالعيش بسلام (مع إسرائيل) ، وان تُظْهِرَ رغبتها تلك بعقد معاهدات (سلام) معها (أي مع اسرائيل).
ويُضيف ” كويچلي ” ويقول بأن الفقرة ١١ تقضي بأنَّ إعادة ( اللاجئين )يجب تفعيلها “… في أقرب وقت ممكن….”، وأنَّ القَصْد من هذه العِبارة هو إعطاء طابع الإلحاح لمسألة إعادة ( اللاجئين الراغبين بالعودة الى دِيارهم). ويَقول أنه وفي كانون اول من العام ١٩٤٨، فإنَّ حالة العَداء والتحارب كانت ما تزال حقيقة قائمة في بعض الأجزاء من فلسطين .ويستطرد قائلاً، ويقول بأنه ليس في الإمكان إعادة لاجئيي قرية ما اذا كانت قذائف المورتر ما زالت تتساقط عليها. (وعليه )فـإنَّ تَعبير ” أقرب ما يمكن ” (التي وردت في الفَقَرة) كانت تُشير الى الوضع العسكري ( في فلسطين) ، وإليه فقط . ويقول ، بأنَّ “إيبان” فَصَل َ كَلِمة ” مُمكن practicable “ عن سِياقِها ، وأنّه حَرَّفَها ليجعلها تَعني ، ( مدى ) إمكان إستيعاب (practicality of fitting ) ( اللاجئين) العرب في (فعاليات) الحياة في إسرائيل . ويقول أيضاً بأن ” إيبان ” تناول تلك العِبارة ، كما أوردها في بيانه ( الآنف الذِّكر )الى (مندوب )الدنمارك، ( ورَبَطَها ) (بمدى) إمكان دَمْج (اللاجئين) العرب في الإقتصاد الإسرائيلي.
لَمْ يَترك جواب ” إيبان ” إنطباعاً حَسَناً عند ( المندوب الدنماركي )فيدرسبيل Federspiel.
لقد دفعه هذا الأمر لتوجيه سؤال آخر لـ ” إيبان ” :
“هَل أنَّ فَهمي صَحيح في أنَّ حُكومة اسرائيل لا تقبل ولا ترفض الفقرة ١١ من قرار الجمعية ( العامة للامم المتحدة ) المُتَّخذ في ١١ كانون اول ١٩٤٨ ( أي القرار رقم ١٩٤) “.
وهُنا أيضاً ، فقد تراجع ” إيبان ” أكثر ، عما تقتضيه الفَقَرَة ١١ (من القرار ١٩٤) من إسرائيل .
أجاب إيبان :
” إنَّ حكومة إسرائيل تَعْتَبِر ، وقد كانت قد أوضحت بأنًَ عودة اللاجئين العرب ( الفلسطينيين ) هو واحد من الأساليب لتسوية هذه المشكلة .” ولكن ، هناك أسلوبٌ آخر ( لحل هذه المشكلة ، وهو يَتَمَثَّل ) ” بتوطين اللاجئين في البلدان المجاورة . أما حَجم من سيتم إعادة تَوطينهم في البلدان المجاورة ، مقارنة بِعَدَد من سَيُعاد توطينهم في اسرائيل ، فهذه (مَسألة) يتعين تَسويتها بالرِّضى ( والتوافق) المُشْتَرَك (وذلك) بعد(إجراء) مفاوضات نحن على إستعداد فوري للدُّخول بها” .
وفي ذلك يقول ” كويچلي ” بأن إعادة توطين ( اللاجئين ) خارج فلسطين ، هو وكما رأينا ، الحل الذي تتبناه حكومة إسرائيل فعلاً. إِنَّ حُكومة إسرائيل لا ترغب بإعادة أي لاجىء. وهُنا ، فإن ” إيبان ” يقول بأنَّ إسرائيل تَرْغب بالتّفاوض لتَحديد عدد مَنْ مِنَ المُمْكِن أنْ يَعود ، ومَنْ مِنَ المُمْكِن أنْ يَبقى خارج فلسطين. لا تُوجد في الفقرة ١١ من القرار ١٩٤ أي مُقْتَرَح حول إجْراءٍ ما ، يَتوافق مع ما تَطرحه حُكومة إسرائيل ( بخصوص عودة او إعادة اللاجئين ).كما أنَّ تلك الفقرة ، كما يقول ” كويچلي ” لم تمنح اسرائيل حق النقض ( ڤيتو) على إعادة اللاجئين.
وبدون أن يُعَلِّق فيدرسبيل على مزاعم ” إيبان ” ، طرح المندوب الدنماركي فيدرسبيل Ferderspiel سؤالاً آخراً على” إيبان “ينطوي على رفض لما كان قاله .
قال المندوب الدانماركي فيدرسبيل :
“أود أن أُشَدِّد على أنَّ هذا ( الامر )هو مسألة مبدأ . إن قرار الجمعية العامة المتخذ في ١١ كانون اول ١٩٤٨ ( أي القرار ١٩٤) قد تعامل مع اللاجئين العرب (الفلسطينيين) على أنهم أفراد لهم حقوق فردية لإعادة توطينهم في وطنهم الأصلي. لقد سمعنا اليوم من ممثل حكومة إسرائيل أن قضية هؤلاء اللاجئين ، ومُستقبلهم ، سيكون موضوعاً للتفاوض بين حكومة اسرائيل من جهة وبين حكومات البلدان العربية المجاورة من جهة أُخرى . لذلك ، أنا أُحِب أن أسأل ممثل حكومة اسرائيل السؤال التالي :
هل تَعْتَبر حكومة إسرائيل حقوق اللاجئين العرب حقوقاً فَرْدية ، أَمْ أنها مادة للتفاوض بين دول ؟
لم يتلقى فيدرسبيل جواباً من “إيبان” على سؤاله .
لكنَّ “إيبان” قال:
“مرة أُخرى، فإنني أولي إهتماماً أقل للمبادىء القانونية ، من إيلائي الإهتمام بالحقائق”. ” إن المُشكلة القائِمة لا يُمكن حَلّها إلا من خلال التفاوض فقط فيما بين الحكومات المَعْنِيَّة .”
عَلَّقَ على ذلك ” فيدرسبيل ” بقوله بأن القرار ١٩٤ وببساطة ، وضع إلتزاماً على إسرائيل بإعادة (اللاجئين). وأنّه ، لَم يَرِدْ في أي جزء من القرار أي شيء يتعلق بالتفاوض مع دول أُخرى ( بخصوص تطبيق إعادة اللاجئين)….!
بعد هذي المُجادلة ، يقول ” كويچلي” بأن فيدرسبيل فَقَدَ أي أمل بأنْ يَنال من “إيبان” أي بيان يؤكد إلتزام اسرائيل بتنفيذ القرار ١٩٤.
عندها ، تحوَّل فيدرسبيل الى ميثاق الامم المتحدة ، وما ورد فيه حول حق تقرير المصير . قال فيدرسبيل :
“إذا كانت إسرائيل لا تقبل مبادىء حقوق الأفراد الفَرْدية في المُلْكية ، وحقوق اللاجئين العرب في العيش في بلادِهم ، وإذا كان هؤلاء يريدون أن يعودوا ، فكيف تُوَفِّق حكومة إسرائيل ذلك الموقف مع المبدأ المُعَبَّر عنه في المادة رقم (١) – الفقرة رقم (٢) من ميثاق الأُمم المتحدة الذي يتعلق مع مبدأ الحقوق المتساوية للشعوب في تقرير مصيرها ؟! ”
يقول “كويچلي” بأن ” إيبان ” أقرَّ بمبدأ حق تقرير المصير ، وقال أن إسرائيل تحترم هذا المبدأ. لكنه قال:
“إن هذا المَبدأ يُشير الى العلاقات ما بين المجموعات ، وهي في هذه الحالة ، إما أُمم أو شعوب ، (أو)حكومات مَعْنيّة ، ولا تؤثر في واجب الحكومة في إعادة تأهيل اللاجئين الأفراد .”
يُعَلِّق ” كويچلي ” على ذلك قائلاً بأن ” إيبان ” كان هو الذي رفض بيان الجمعية العامة (للأُمم المتحدة ) في أن للاجئين الأفراد حق بأن يُعادوا ( الى دِيارهم ) ، وقد نَقَلَ النقاش الى مستوى آخر أي إلى (حق ) المجموعات .
لَمْ تَنْتِه إجتماعات لجنة الـ Ad Hoc Political Committee بعد.
لكن ، هل تُلاحظون من العرض الذي قَدَّمته حتى الآن أنْ لا وُجود في جميع هذه المناقشات لصَوتٍ ، لأي ممثل للشعب الفلسطيني ، ولا للاجئين الفلسطينيين العرب الذين تم طَرْدَهم من بلادِهم …!؟
هل تُلاحِظون هذا الإصرار الشديد من قبل حكومة دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” ومنذ العام ١٩٤٩ على أن المشكلة برمَّتها هي مع حكومات البلدان العربية المجاورة لفلسطين ، وليس مع الشعب الفلسطيني ، وأن حَل مُشكلة اللاجئين هي مسألة يتم تسويتها بالتّفاوض مع حكومات عربية وليس مع أي ممثل للشعب الفلسطيني العربي …؟!
هل تُلاحظون هذا الإصرار الصهيوني في العام ١٩٤٩ على إنكار وُجود أي صِفة أو حقوق (وطنية) للشعب الفلسطيني ، سواء لذلك الجزء الذي نَجَحت دولة الكيان في تَهجيرهم من دِيارهم أو حتى لمن نجح في البقاء في وطنه وعلى أرضه الفلسطينية ….؟!
هل تُلاحظون أن لا أحداً حتى الآن ( لا دول عربية ولا غيرها ) قد تحدث عن إستيلاء دولة الكيان الصهيوني “إسرائيل “لنصف الأراضي المُخصصة في قرار التقسيم (١٨١) للدولة العربية الفلسطينية ، وأنه لَم يطلب أحدٌ منها أنْ تَنسحب من تلك الاراضي …؟!
لحديثنا المؤلم هذا بقية
عبد الرحمن البيطار