الخاطِرة رقم (٥) – ٧ كانون الثاني ٢٠١٩
البارحة ، وبمناسبة إكمالي من العُمْر أربعة عشر شهراً جينياً أو أقل قليلاً من تاريخ زراعة خلايا جذعية في نخاعي العظمي في هايدلبيرغ ،… فقد قَصَدتُ عيادة الزِّراعة في مركز الحسين للسرطان ، حيث تَمَّ تَطْعيمي بطُعْمٍ مُضاد للدَّفتيريا وطُعْمٍ ثانٍ مُضاد لالتهابات الرئة وثالث مُضاد للسُّعال الديكي….!
ولأني عادةً ما أنام على جانبي الأيمن ، فقد فَضّّلتُ أن آخذ المَطاعيم الثلاثة في أعلى يدي اليُسرى ، كي لا تُؤثرَ على نومي…!
عُدْتُ بَعْدَها للبيت ،… وشَغَلتُ نفسي بكتابةِ خاطِرة يوم أمس ،… الخاطِرة رقم (٤)…
سَأضْطَرُّ مَرة أُخرى للخروج من مَسْرَب الطريق الى الرَّصيف الجانبي لأكتب الخاطرة رقم (٥) ، فقد أثارَني وأغْضَبَني أنْ يَمُرَّ على المُناضِل الأسير ” كريم يونس ” ما مجموعه سبعٌ وثلاثونَ عاماً وهو في الأَسْر ، في زِنزانِةٍ بين أربعة جدران ، يَلتَحِف سَقفها ، ويَفْتَرِش أرضيتها الباطونيتين ….!
لكنّي ، يا رِفاقي، سأتناولُ الموضوع ، ليس من باب تَمجيد صُمود” كريم يونس” ، وهو حَقاً يَستحق كل التمجيد ، وليس من باب إدانة إعتقاله الطويل ، فهذه مُمارسة ليسَتْ بجديده على الصهيونية العُنصرية وعلى هذا النّوع من دول القَمْع والفَصْل العُنْصُري ، والتي نَجَحَت الصهيونية بجدارة بإنتاج نموذجاً لا يُبارى مِنْها …
نعم ، سأتناول الموضوع في سِياق الفِكرة التي أطرحها منذ فترة، والتي آمل ان تُساهم محاولاتي وطُروحاتي فيها في تغيير الفِكر الإستراتيجي الراهن ، بإتجاه النجاح في التّرويج لتَبَنّي إستراتيجيات جديدة للعمل الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة المهمة من حياة شعبنا وشعوب بلداننا العربية المحيطة بفلسطين المَدْمِيّة والمُثقلة بالهموم من كل الأنواع .
وربما أكونُ بذلك ، قد ساهمتُ بحق في الأخذ بيد الفِكْرة التي ناضل من أجلها كريم يونس ، وغيره من مناضلي الشعب العربي الفلسطيني ومن الأحرار العرب وغيرهم من أحرار العالم الذين ساندوهم ، أقول ،… الفكرة التي ناضل كريم وناضل هؤلاء جميعاً من أجل تحرير الإنسانية ويهود العالَم من العنصرية الصهيونية السوداء، ومن أجل إستئصال نظام الفصل العُنصري الذي أقامته الصهيونية في فلسطين في العام ١٩٤٨ وإحلال كيان ديمقراطي علماني لكل مواطني فلسطين اللاعنصريين محله ، و كذلك في سبيل إحقاق الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني الذي تَعَرَّض للتطهير العِرْقي العُنصري ، وصُودِرَت حقوقه وممتلكاته من قبل الضحايا من يهود أوروبا وغيرهم الذين حَوَّلَت الصهيونية أغلبهم الى مُغتَصِبين ومُضْطَهِدين وجَلاّدين ، وقَتَلة .
في العام ١٩٦٢، حَكَمَتْ مَحْكَمة “ريفونيا”على المُناضِل “نِلسونْ مانديلا” بالسِّجن مَدى الحياة ، وهذه المَحْكَمة هي إحدى المَحاكم التي أقامها نظام الفصل العُنصري (الأبارتهايد) لدولة جنوب إفريقيا لمحاكمة المناضلين الأفارقة الجنوبيين.
لم يَخرج نلسون مانديلا من مُعتَقَلِه في إطار إتفاقية تبادل أسرى محدودة ( وهذا ليس عيباً لو كان قد تم ) ، ولكنه تَحَرَّرَ مِنه في ١١ شباط من العام ١٩٩٠ ، بفعل تراكم نضالات حزب المؤتمر الوطني الإفريقي ، وبعد أن نجح حزب المؤتمر من تحويل النِّضال ضد عُنصرية البيض من مُهِمّة وطنية جنوب إفريقية محدودة الى مهمة عالمية واسعة النطاق تهم جميع أحرار العالم في كل مكان ، وشعوبه ودُوَلِه ، وبعد التمكن من شَنِّ حملة دولية واسعة إستهدفت إدانة نِظام الفَصل العُنصري لدولة جنوب إفريقيا، وفضح سياساته وممارساته .
نعم ، بفعل هذا النمط والزّخم النضالي الثوري على المستويين الجنوب إفريقي الوطني ، والدولي ، نَجَحَ حزب النؤتمر في إطلاق سراح زعيمه ، والآف المعتقلين من الأفارقة الجنوبيين.
لقد أَشَّرَ إضطرار حكومة دولة الأبارتهايد في جنوب أفريقيا إلى إطلاق سراح المناضل نلسون مانديلا في العام ١٩٩٠ إلى أن نظام الفصل العُنصري في جنوب إفريقيا قد وصل فِعلاً إلى عَتَبِة الإنهيار تحت وطأة نِضالات المناضلين الجنوب إفريقيين العنيدة والطويلة الأمد، و كذلك ، تحت وقع نِضالات الأحرار من كل بلدان العالم الذين فَرَضوا على حكومات بُلدانهم مُساندة نِضال شَعب دولة جنوب إفريقيا للتّخلص من العُنْصِرية السوداء ونظام الفصل العُنصري الذي اقامته فيها .
دخل نلسون مانديلا مُعْتَقلات نظام الفَصل العُنصري في دولة جنوب إفريقيا عندما كان في سن الرابعة والأربعين ، وخرج منه مُنتصراً وهو في سِنِّ الحادية والسبعين بعد أنْ قَضى فيها (٢٧) عاماً.
وبإنهيار نظام الأبارتهايد ، قادَ نِلسون مانديلا حملة تصفية للمؤسسات العنصرية لكيان دولة الفصل العُنصري ولقوانينه ولتراثه، وقاد في ذات الوقت حملة مُصالَحة تاريخية في أوساط مواطني جنوب إفريقيا السود والبيض على قدم المُساواة ، وتحت شعار جنوب إفريقيا لا عنصرية، دولة ديمقراطية عَلمانية لكل مواطنيها الرافضين للعنصرية؛ بيضاً كانوا أو سوداً أو بأي لون آخر … دولة مُواطنة مُتساوية ، دولة عَدالة ومُساواة ، دولة فَصل سُلطات يّسود فيها قانون واحد للجميع بلا أي تمييز .
في دولة الأبارتهايد الجنوب إفريقية العنصرية ، لم تكن الدولة تتحرج من الحديث عن شعبين مختلفين ، وعن إنتهاج مَساريّ تنمية مُتبايِنَين ، وعن منهج حُكم إقصائي لا يعنيه الا المَصالح والبُنى التجارية والإقتصادية والإجتماعية والخَدَمِيّة للبيض في جنوب إفريقية .
في دولة الأبارتهايد الجنوب إفريقية ، تَمّّ تقنين العُنْصُرية ، وجرى مأسستها في مختلف مناحي الحياة على نحو رسمي، ونشأت أحزاب جَعَلَت من العُنْصُرية أيديولوجياتها في الدفاع عن الوجود الأبيض فيها ، وعن مصالح هذا الوجود ومكاسِبه .
في العام ١٩٤٨ ، وبنَجاح الحِزْب الوَطني المُتَطَرِّف (القومي – Nationale Party ) بتَسَلُّم السُّلطة في دولة جنوب إفريقيا ، فقد تم تكريس نظام الفَصْل العُنصُري وتقنينه ، وبدأ ذلك بمباشرة الحِزب تطبيق برنامجه العُنْصُري عبر سن قانون ” سِجِل السُّكان ” في العام ١٩٥٠ الذي قَسَّمَ سُكّان البلاد رسمياً إلى مَجموعات عِرْقِيه تم تعيين أماكن مُحَدّدة لسُكناها في أراضي دولة جنوب إفريقيا … وقد أسَّسَ هذا القانون لإنتاج مُجتَمِعَين مُتبايِنَين في كلِّ شيء ، وكَرّس التّفرقة العُنْصُرية كنَهجٍ في الحُكْم ، وبكل مناحي الحياة .
“تَعني كلمة أبارتايد في لغة الأفريكانو : وَضَعَهُ جانِباً، أو نَبَذَهُ مع ما يحمله ذلك من معاني النّبذ والتهميش والإلغاء وحتى الإحتقار” .
مُنذُ العام ١٩٤٨ ، فقد سَادَ هذا المَفهوم في صُلْب أدَبِيات وممارسات الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتعليمية والصِّحيّة لنظام الفَصل العُنصري في دولة جنوب أفريقيا.
لقد قَصَدْتُ أنْ أعْرِضَ السّيرة الذاتية لنظام الفصل العُنصري الجنوب إفريقي وأنا أتحدث عن المناضل الأسير كريم يونس ، الذي يقبع حالياً في سجن النَّقب الصحراوي .
ما يُمَيًز كريم يونس عن غيره من الأسرى يكمن في كونه إبن قرية ” عارة ” التي تقع في منطقة المثلث الشمالي، وهي مَنطقة تقع ضمن الأراضي المُخصصة في قرار التقسيم رقم (١٨١) للدولة العربية الفلسطينية .
هذه المنطقة تّضُمُّ سِتّ مُدن عربيّة ( أم الفحم، الطيبة ، الطيرة ، كفر قاسم ، قلنسوة ، باقة الغربية ) وثلاثة وعُشرون قرية فلسطينية عربيّة منها (قرية عارة ) والعديد من المُستوطنات اليهوديّة، وهي كانت في العام ١٩٤٩ تحت سيطرة الجيش العراقي .
وحول كيف آلت هذه المنطقة لتكون بيد قوات دولة الكيان الصهيوني ، يقول الباحث جمال البابا في دراسته القَيِّمة بعنوان ” خط الهدنة بين الضفة الغربية وقِطاع غزة وإسرائيل ” ما يلي:
[ لقد تَضَمّن الإتفاق ( أي إتفاق الهدنة مع الاْردن ) الذي وُقِّع َ في صباح ٢٤ آذار ١٩٤٩ بنداً هاماً ، يتضمن وعداً من اليهود ، أنهم سيُبادِلون المُثلث بمساحة مُساوية له من الأرض التي يُسيطر عليها اليهود وبالخصوبة نفسها ، وهو ما أكدته إتفاقية الهدنة ، حيث جاء في المادة السادسة من الاتفاقية ما يلي :
“١- من المُتّفق عليه أن قوات المملكةالاردنية الهاشمية ستَحِل مَحَل القوات العراقية في القِطاع الذي تَحتله الآن هذه الأخيرة ، إذ أن نية حكومة العراق بهذا الصدد قد أُبْلِغَت الى الوسيط الدولي بالوكالة في الرسالة المؤرخة في ٢٠ آذار من وزير خارجية العراق ، مُجيزة تفويض المملكة الاردنية الهاشمية ، بأن تُفاوِض عن القوات العراقية ومُصَرِّحة بأنه سيجري سحب تلك القوات .
٢- يكون خط الهدنة للقطاع الذي تحتله الآن القوات العراقية كما هو مبين على الخريطة رقم (١) الواردة في الملحق (١) بهذا الإتفاق ، وقد أُشير إليه بالحرف (أ).
٣- يتعلق هذا البند بكيفية دخول القوات الإسرائيلية إلى أرض المُثلث المشار إليها سابقاً .
٤- إن خط الهدنة في قطاع الخليل – البحر الميت المشار اليها في البند (ج) من المادة الخامسةمن الإتفاق ، والمُؤشَّر عليه بالحرف (ب) على الخريطة رقم (١) الواردة في الملحق (١) ، والذي يُشَكِّل إنحرافاً كبيراً عن الخُطوط العسكرية الحالية لمصلحة قوات المملكة الاردنية الهاشمية ، إنما حُدِّدَ مقابل تعديلات الخُطوط العسكرية الحالية في القطاع العراقي كما هي مبينة في البند (٣) من هذه المادة “.]
ويقول ،
[ورغم وجود هذا النص الواضح في إتفاقية الهدنة بخصوص التبادل ، الا أن الإتفاقية لم تحدد الوقت لتنفيذ هذا البند الذي لم يلتزم الجانب الاسرائيلي في تنفيذه ، وبذلك أصبحت هذه القضية دّرباً من الماضي. كما أن الاتفاق كان يقضي بأن يُعطى القرويون بعض الحماية وأن يَبقوا في قُراهم ويَعيشوا على أرضهم ، ولكن هذه المادة أيضاً لم تُنَفَّذ ، وطُرِدَ الجزء الأكبر من العرب من منطقة المثلث ، كما إنتُزِعَت ملكية كل سكان المدن في المنطقة الغربية ، الذين كانوا يملكون أراضي في المُثَلّث ومُنِعوا من الوصول الى مُمتلكاتهم لأنهم إعتُبِروا من الغائبين “].
نتيجة هذه الترتيبات، فقد آلت منطقة المثلث لتصبح تحت سيطرة القوات الاسرائيلية في نيسان وأيار من العام ١٩٤٩.
لم يكن كريم يونس قد أبصر النور عند وقوع قريته تحت سيطرة دولة الكيان الصهيوني ، فقد وُلِدَ في العام ١٩٥٦. واعتُقل في العام ١٩٨٣ .
ما أود أن أقوله في هذه الخاطِرة أمران :
الأمر الاول : أنَّ هُناك تشابه شديد ما بين نشوء نظام الفصل العُنصري في جنوب إفريقيا بعد إستلام الحِزب القومي (العنصري) السلطة في تلك الدولة في العام ١٩٤٨ ، و
بين إقامة دولة الكيان الصهيوني ( اسرائيل ) في ١٤ أيار ١٩٤٨ على أنقاض الفلسطينيين ، أصحاب البلاد الأصليين ، ونجاح المنظمات الإرهابية الصهيونية المسلحة خلال الفترة الممتدة من ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ و ١٤ أيار ١٩٤٨ من تنفيذ اكبر عملية تطهير عِرْقي لمئات الألوف من الفلسطينيين ( نحو ٤٥٠،٠٠٠ نسمة) بالقوة المسلحة والإرهاب ، وهؤلاء هم من سكان المدن والقرى العربية الواقعة في الأراضي المخصصة للدولة اليهودية في قرار التقسيم ، ونجاحه أيضاً في تدمير عشرات القرى العربية خلال تلك الفترة لمنع القرويين الفلسطينيين من محاولة العودة الى قراهم . ونجاحهم كذلك في الفترة الممتدة من ١٥ أيار ١٩٤٨ و ١١ أيار ١٩٤٩ من إحتلال نصف الأراضي المُخصَّصة للدولة العربية الفلسطينية بموجب قرار التقسيم ، وطرد الجزء الأكبر من سكانها ( ما بين ٣٠٠،٠٠٠ و ٤٠٠،٠٠٠نسمة).
التّشابه كبيرٌ الى الدرجة التي يمكن فيها إحلال اسم “دولة اسرائيل” محل “دولة جنوب افريقيا” في السرد الذي قدمته في هذه الخاطِرة ويبقى النص سليماً، هذا مع فارق أساسي وهو أن نظام الفصل العُنصري في دولة جنوب إفريقيا قد إنتهى الى الإنقراض في العام ١٩٩٢، في حين أن نظام الفصل العُنصري الذي أقامته الصهيونية العنصرية في فلسطين في العام ١٩٤٨ ، فهو لا زال قائماً ، ولا زالت السلطة التي تّحكمه تَتَفَنّن في إنتاج وإصدار وإعمال القوانين العنصرية بحق الفلسطنيين ، وهو نِظام يَنتظر حتفه حتماً …!
الأمر الثاني : وهو يتعلق بأهمية وضرورة تبيان الأوجه العنصرية لهذا الكيان في كل مرحلة وفِي كل واقعة وحادثة ، وفِي كل وقت من الأوقات … ولا بد من تَعميمها وإستثمار وسائل التواصل الاجتماعي وكافة الأساليب المتنوعة لفضح الطابع العُنصري لهذا الكيان ،… لأن بناء جبهة الضَّغط العالمي ضدالسياسات العنصرية لهذا الكيان من جهة وفضح الطابع العُنصري للصهيونية من جهة أُخرى هما شرطان أساسيان ضروريان لتحقيق أهداف النِّضال الوطني الفلسطيني وتخليص الإنسانية ويهود العالم والفلسطينيين من شرور العُنصرية الصهيونية السوداء…!
ورواية كريم يونس ينبغي، في نَظَري، إعادة كتابتها وإنتاجها من منظور هذه الزاوية…!
وللحديث بقية
ر