الخاطرة رقم (١١) – الثلاثاء الموافق ١٥ كانون الثاني ٢٠١٩
في الخاطرة رقم (١٠) ، تَحَدّثتُ عن الشّق المُتَعَلِّق بحق العودة في “برنامج العمل المشترك للتجمع الديمقراطي الفلسطيني” ….!
في هذه الخاطِرة ، سأتحدث عن ” الدولة المستقلة ” التي ورد ذِكْر ٌلها في “البرنامج” ، كهدف يسعى “التجمع” لتحقيقه …
مَرّة أُخرى ، لم يُحَدِّد “البرنامج” (حدود) تلك الدولة .
ولِنُدْرك أبعاد هذا الأمر الذي أطرحه ومَراميه ، دعونا نستعرض معاً التصريحات التالية التي صَدَرَت خلال الأيام القليلة الماضية عن زعماء مصر والأردن ، وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وهي الكيانات العربية الثلاثة التي وَقَّعَت إتفاقيات مع دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل “؛
“إتفاقية كامب ديڤيد”، و
“إتفاقية أوسلو” و
“إتفاقية وادي عربة” :
•عن “حُدود” الدولة الفلسطينية المستقلة، فقد ورد في عدد جريدة ” الغد ” ليوم الأحد الموافق ١٣ كانون الثاني ٢٠١٩ الخَبَر التالي عن نتائج اللقاء فيما بين وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصّفدي وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات عن لقائهما الذي تم في عمان في ١٢ كانون الثاني ٢٠١٩ :
” … وأكدا أهمية تحرك المجتمع الدولي لكسر هذا الجمود والعمل على إيجاد أفق حقيقي يُنتج مفاوضات جادة وفاعلة لحل الصراع على أساس حل الدولتين الذي يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية سبيلاً وحيدا لإقامة السلام الشامل “.
•وعن “حدود” الدولة الفلسطينية المستقلة أيضاً ، فقد وَرَدَ في عدد جريدة “الغد” ليوم الإثنين الموافق ١٤ كانون الثاني ٢٠١٩ الخبر التالي عن اللقاء الذي تم في ١٣ كانون الثاني ٢٠١٩ بين قادة مصر والأردن :
“… وتم بحث مجمل التطورات الإقليمية ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والقدس ، حيث أكد الملك( عبد الله الثاني ) والرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) ضرورة دعم الأشقاء الفلسطينيين في مساعيهم لتحقيق تطلعاتهم الوطنية المشروعة في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس ” .
من هذه التصريحات ، نفهم أن المَقصود بـ “الدولة الفلسطينية المستقلة” بالنسبة : لكيانات مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية ، هي دولة حدودها الرابع من حزيران ١٩٦٧ وعاصمتها القدس .
ومع أن دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” هي الطّرف الآخر الذي تم توقيع تلك الإتفاقيات معه، فإن أياً من تلك الإتفاقيات لم يَرِد فيها أي تحديد لـ ” الدولة الفلسطينية المستقلة ” على الإطلاق . وبالتالي ، فإن حدود “الدولة الفلسطينية المستقلة” هي حدود موجودة فقط في أذهان أو في نوايا أو أنها تُمَثِّل رَغَبات أو تَمنِّيات لدى قادة الدول العربية و ( منظمة التحرير ) التي وَقَّعَت تلك الإتفاقيات مع دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل “.
هذا الجانب من هذا الأمر ، يَحمل في نَظَري بعض الإيجابيات . بمعنى ، أن الإيجابي في هذا الأمر ( أي التحديد المُعْلَن لحدود دولة فلسطين المستقلة ) ، هو أنه لا يُمثل إتفاقا مُلزِماً لمصر والأردن ومنظمة التحرير التي وَقَّعت تلك الإتفاقيات مع دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” ، وأن إعلان تلك الكيانات عن “حدود” الدولة الفلسطينية المستقلة هو تحديد من طرف واحد ، ولا يتعدى حدود التصريحات والرَّغَبات وربما السياسات لكل من الاردن ومصر و(منظمة التحرير ؟!)، ولم يتحول الإعلان أو التصريح بعد إلى قانون أو الى إعتراف قانوني ورسمي مُلزِم .
لقد ورد في “إتفاقية كامب ديفيد” تحديداً لحدود مصر مع دولة الكيان الصهيوني” إسرائيل ” على أنها الحدود الإنتدابية مع فلسطين.
وورد في ملحق إتفاقية كامب ديڤيد تحديداً لما سُمِّيَ “إقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة” .
كما ورد في المادة الثالثة من “إتفاقية وادي عَرَبة” تحت تعريف الحدود الدولية ما يلي :
“تُحَدَّد الحدود الدولية بين الأُردن وإسرائيل على أساس تعريف الحدود زمن الإنتداب كما هو مبين في الملحق (١ أ) والمواد الخرائطية المضافة إليه والإحداثيات المشار اليها فيه”
أي أن حدود الأردن ( الضفةالشرقبة ) مع دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” هي تلك الحدود الإنتدابية مع فلسطين.
إذن ، لم تحدد “إتفاقية وادي عَرَبة” أيضاً حدود “الدولة الفلسطينية المستقلة” .
ومن الجدير ذِكْره أن تلك الاتفاقيات جميعها قد إستندت على قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الصادر في ٢٢ تشرين الثاني من العام ١٩٦٦، والذي وَرَدَ فيه :
“1- يؤكد أن تحقيق مباديء الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق كلا المبدأين التاليين:
أ – سحب القوات المسلحة من أراض (الأراضي) التي إحتلتها في النزاع.
ب – إنهاء جميع إدعاءات أو حالات الحرب وإحترام وإعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة وإستقلالها السياسي، وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد وأعمال القوة.”
القرار ٢٤٢ إذن ، هو قرار يعني الدول التي إشتركت في حرب عام ١٩٦٧ ، ولا يعني الشعب الفلسطيني ولا قضيته ولا حقوقه .
فالدولة الوحيدة التي لم تقم بعد هي الدولة الفلسطينية العربية كما يقتضيها ويحدد حدودها قرار التقسيم رقم ١٨١ الذي تم إقامة دولة ” إسرائيل ” بالإستناد عليه .
وهي الدولة ( أي دولة فلسطين المستقلة ) التي يكفل إقامتها بموجب قرار التقسيم ، تحقيق الأمن والسلم في المنطقة والعالم الذي تضمنه مَتن القرار ٢٤٢.
الدولتان العربيتان ( الاردن ومصر ) اللتان وقعتا إتفاقيات مع دولة الكيان الصهيوني ” إسرائيل ” حددتا حدودهما مع دولة الكيان الصهيوني فلسطين على أنها حدودهما المحددة لهما زمن الإنتداب البريطاني على فلسطين .
وهما ، أي ” الاردن ومصر ” لا تملكان حق حرمان الشعب الفلسطيني بحقه في إقامة دولته وفق أحكام قرار الشرعية الدولية رقم ١٨١ ، كونهما مُلتزمتان بميثاق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ، ومُلزَمَتان بتطبيق قرارات الشرعية الدولية
القرار ١٨١ ، هو الوحيد الذي خاطب سكان فلسطين ، أي الفلسطينيين واليهود الذين كانوا مُقيمين فيها في العام ١٩٤٧، ودعاهما لتنفيذ خطةالتقسيم المرسوم كل تفاصيلها في القرار نفسه .
لقد خاطب القرار ١٨١ سكان فلسطين على النحو التالي :
” تدعو ( أي الجمعية العامة للأمم المتحدة ) سكان فلسطين ( أي الفلسطينيين العرب – وعددهم ثلثي عدد السكان – ويهود فلسطين – وعددهم ثلث عدد السكان- ) إلى القيام من جانبهم بالخطوات اللازمة لتحقيق هذه الخطة.( خطة التقسيم ) ”
نعم ، القرار ١٨١ ، هو الوحيد الذي حّدَّد للدولتين اليهودية والفلسطينية العربية في فلسطين حدودهما فيها .
وعليه ، لا تملك لا دولة الكيان الصهيوني التي قامت ، وقُبِلَت عُضويتها في الأمم المتحدة بالإستناد إلى القرار نفسه، ولا الفلسطينيون كذلك ، أن تحدد لنفسها أو يحددوا لأنفسهم ، حدوداً غير الحدود المحددة لكل منهما في قرار التقسيم نفسه، أي القرار ١٨١ دون موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة .
وقد إعترفت بلدان العالم بدولة الكيان الصهيوني ضمن حدودها التي حَدَّدَتها لها الشرعية الدولية في القرار رقم ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وقَبِلَت الأمم المتحدة عضويتها فيها بالإستناد إلى القرار المذكور (١٨١)، وإشتراط تنفيذها للقرارين الأمميين ١٨١ و ١٩٤ .
أورد فيما يلي مُقتَطَفات من قرار التقسيم بخصوص الدولتين اللتان أقر القرار إقامتهما في فلسطين :
• ” تُنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس المبين في الجزء الثالث من هذه الخطة، وذلك بعد شهرين من إتمام جلاء القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، على ألا يتأخر ذلك في أي حال عن 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1948. أما حدود الدولة العربية والدولة اليهودية ومدينة القدس فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث أدناه.”
و
• “تكون الفترة بين تبني الجمعية العامة توصيتها بشأن مسألة فلسطين وتوطيد استقلال الدولتين العربية واليهودية، فترة انتقالية.”
و
• “حكم عام
تعتبر الشروط التي يتضمنها التصريح قوانين أساسية للدولة، فلا يتعارض قانون أو نظام أو إجراء رسمي مع هذه الشروط أو يتدخل فيها، ولا يقدم عليها أي قانون أو نظام أو إجراء رسمي.”
و
• “1- المواطنة (Citizenship)
إن المواطنين الفلسطينيين المقيمين في فلسطين خارج مدينة القدس، والعرب واليهود المقيمين في فلسطين خارج مدينة القدس، وهم غير حائزين على الجنسية الفلسطينية يصبحون مواطنين في الدولة التي يقيمون فيها، ويتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية جميعها بمجرد الاعتراف باستقلال الدولة. ويجوز لكل شخص تجاوز الثامنة عشرة من العمر خلال سنة من يوم الاعتراف باستقلال الدولة التي يقيم فيها، أن يختار جنسية الدولة الأخرى شرط ألا يكون لأي عربي يقيم في الإقليم العربي المقترح الحق في اختيار جنسية الدولة اليهودية المقترحة، وألا يكون لأي يهودي يقيم في الدولة اليهودية المقترحة الحق في اختيار جنسية الدولة العربية المقترحة. وكل شخص يمارس حق الاختيار هذا يعتبر أنه في الوقت ذاته قد أجرى الاختيار بالنسبة إلى زوجته وأولاده الذين هم دون الثامنة عشرة من العمر.
ويجوز للعرب المقيمين في إقليم الدولة اليهودية المقترحة ولليهود المقيمين في إقليم الدولة العربية المقترحة، الذين وقعوا تصريحا برغبتهم في اختيار جنسية الدولة الأخرى أن يشتركوا في انتخابات الجمعية التأسيسية لهذه الدولة، ولكن ليس في انتخابات الجمعية التأسيسية للدولة التي يقيمون فيها.”
و
• “تضمن الأمم المتحدة أحكام الفصلين الأول والثاني من التصريح، ولا يجري عليها أي تعديل دون موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويحق لأي عضو في الأمم المتحدة أن ينبه الجمعية العامة إلى أي خرق لهذه البنود أو إلى خطر خرقها. ويجوز للجمعية العامة بناء على ذلك أن توصي بما تراه ملائما للظروف.”
و
• “يحال كل خلاف متعلق بتطبيق هذا التصريح أو تفسيره على محكمة العدل الدولية -بناء على طلب أحد الطرفين- ما لم يتفق الطرفان على أسلوب تسوية آخر.”
برنامج العمل المشترك للتجمع الديمقراطي الفلسطيني لا يُحدد حدود الدولة الفلسطينية المستقلة التي يطلب من الشعب الفلسطيني بكل مكوناته داخل فلسطين وخارجها تأييده لإقامتها ولا يذكر القرار الأممي رقم ١٨١.
هل تنازل التجمع الديمقراطي الفلسطيني عن الحقوق التي أقَرّتها الشرعية الدولية له في القرار ١٨١؟
البرنامج المشترك يحتاج للمراجعة كي يتحول إلى برنامج وطني عام لكل الفلسطينيين في فلسطين وخارجها .
لقد تجاوز قرار التقسيم نفسه– الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة دون الرجوع لشعب فلسطين – الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وإختزلها ، وبناء عليه ، حَدّدت الشرعية الدولية حقوقاً مختزلة له بعد أن إقتطعت من حقوقه التاريخية جُزءاً جسيماً، ومنحتها ليهود فلسطين لحل مشكلة إضطهاد الأوروبيين لليهود في هذا العالم …!
فلماذا لا نتمسك بتلك الحقوق المُختزلة ؛ أي جميعها ، سواء ما تعلق منها بإقامة الدولة الفلسطينية العربية في الحدود المرسومة لها في القرار أو بحقوق المواطنة في الدولتين ، الفلسطينية واليهودية وفي منطقة القدس الدولية ، وكما وردت في قرار التقسيم بحذافيره ، كحد أدنى ؟
نعم ، لماذا لا …؟!
كيف يمكن لأي فلسطيني أن يقبل بحقوق أقل من تلك الحقوق المختزلة ؟
إن دولة الكيان الصهيوني العنصري ” إسرائيل” بتركيبتها الصهيونية العنصرية الراهنة لا تملك الإنفكاك عن عُنصِريتها ، وبالتالي هي ترفض وسترفض تطبيق كل قرارات الأمم المتحدة ؛ ١٨١، ١٩٤، ٢٤٢ ، ٣٣٨،… وما بينها وما بعدها …!
وهي في نهاية الأمر ستفشل في التكيف مع بيئة الشرعية الدولية ككيان شرعي مشروع …!
ولهذا السبب ، ستسقط في نهاية المطاف ، وستُنبَذ ..!
لهذا السبب ، علينا التمسك وبشدة وبدون أي تهاون بالقرارين ١٨١ و ١٩٤، ودفع الدول العربية وشعوبها ومطالبة دول العالم كله ، البقاء متمسكة بالشرعية الدولية وقراراتها ، كمدخل لحل القضيتين الفلسطينية واليهودية على قاعدة إحقاق الحقوق الوطنية المعترف بها للشعب العربي الفلسطيني في وطنة وبموجب احكام القرارين ١٨١و ١٩٤.
التمسك بالقرارين ١٨١ و ١٩٤ هو الذي سيحرر يهود فلسطين والعالم من الصهيونية العنصرية وسيفتح آفاق حل الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة ؛
دولة لكل مواطنيها على قاعدة إحقاق حقوق الفلسطينيين الوطنية ، والعدالة والمساواة والمواطنة المتساوية لجميع مواطني دولة فلسطين الديمقراطية الرائعة.
المشروع الصهيوني في مأزق ، ومأزقه يتفاقم.
المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق، ويواجه تحديات كبرى.
والحل معروف للمأزقين.
ودونه، سيتأبد الصراع …!
هذا هو رأيي.
عبد الرحمن البيطار