يومية الثلاثاء في ١٦ كانون الثاني ٢٠١٨
سُكونٌ قاتِل، هُدوءٌ طاغٍ ، لا حِسٌ ولا صَوت سوى ما يَتسلل الى سَريري في غُرْفة النَّوم من حَركة واحِدة او أكثر من العَرَبات على الطَّريق المُحاذي للشّقة في هذا الوقت المُبَكِّر من الصّباح … أو على خَلفِيّة صَوت “تْرامْ” يَأتِ من بَعيد ، وكانَّ لسانُ حاله يقول : ها قد بَدَأّت الحَياة تَدُبُّ في أوصالِ النّهار لهذا اليوم من أيام “الكوانين” في هايدلبيرغ …!
قَرَأتُ في رسائل أخبار الصّباح الباكِر الآتية من عَمّان أنَّ العاصِفة المَطَرية الثَّلجية “نور” ، سَتَحِل ضَيْفَةً على البلاد مع نهاية هذا الأُسبوع ، مُحَمّلةً بأمطارٍ غَزيرة وبالثُّلوج أيضا صَباح ومَساء يوم الجُمْعة القادِم …!
وكالعادة ، سَتبدأ “إستعدادات” الناس لإستقبالها من صباح هذا اليوم “الثلاثاء”….!، وسَتُقام ، في البيوت ، الإحتفالات بقُدومها …!
تَساءَلتْ ؛
هل تَحتفل النّاس بالضّيف الأبيض عندما يَحِل لأنّه يَحمل إلى حياتهم نوعاً من التغيير ، ويحمل الخَير والأَمل والمَاء وهو أُكسير الحياة لبلاد تعاني من الجفاف مثل بلدنا … أم لأن إحساسهم مُسْتقرٌ على أنَّ باقي أيام سَنَتِهم سَتَلُفَّها أو قد تَلُفَّها عُتْمة من نوعٍ ما وضَباب ،…؟
قبل عامين،قَرَأتُ للدكتور المُوَثِّق المُبْدِع أحمد جميل عزم ، كلماته التي كَتَبَها في أَحَدِ ثوار فلسطين في ثلاثينات القَرْن الماضي إبان الثورة الفلسطينية الكبرى ، وقد وَرَدت في مقالةٍ له نَشَرّتها “الغد” – عدد يوم ٣١ تموز ٢٠١٥ ، إحتفظتُ بفقرات منها في ذاكِرة تلفوني الموبايل ، وقد كَتَبَ يقول :
” …. هُناك قِصّة تقول أنَّ الفِلسطيني عَوَض النابلسي ، وكان من ثوار الثلاثينيات ، كَتَبَ قَصيدة قُبيلَ إعدامه على يَدِ البريطانيين ، يَتَحَسّر فيها لعَدَمِ تَرْكه شيئاً لأولادِه ، وحتى مَصاغَ زَوْجَته الذّهبي باعَه ليَشتري بُنْدقية . فَكَتبَ أبياتاً تَئِّنُّ وتقول:
” تْظُنْ دَمْعي خوفْ،…
دَمْعي عَـ أَوْطاني،…
عَـ ‘ كَمْشِةْ زغاليلْ ‘ بالبيتْ جوعاني،…
مينْ رَحْ يِطْعِمْها مِنْ بَعْدِي ،….
وإخْواني إتْنينْ قَبْلي عالمَشْنقة راحوا،…
وأُم ولادي، تِقْضي نْهارْهَا،…
ويلْها عليّ
وويلها عَـ صْغارها،…
يا ريتْ خَلّيتْ في إيدها إِِسْوارها ،..”
تَمْلَئُني كلمات ‘ عَوَض ‘ في كل مرة أقرأها فيها بالحُزن ، وبالغيظ ، والمّرارة ، وبالقهرِ ، والسُّخطِ أيضاً ….!
تَهُزُّني بِشِدَّة كلماته ‘ التي كتبها قبل أن تقوم سلطات الإحتلال البريطاني البغيض لفلسطين بإعدامه ، لأنَّه قاوّمها من أجل نَيْلِ ” الحُرِّية لفِلسطين ” أي مِنْ أجلِ تحريرها من إحتلالهم ، وَمِنْ مُهاجريهم الصّهاينة الذين وَعَدوهم بتسهيل مُهِمَّتهم التي أدّت إلى تشريد وطَرْدِ شعبنا من قراهم وبلداتِهم ومدنهم في فلسطين ، وفي تجريدهم من مُمتلكاتِهم وبيوتِهم ، وفِي تَمكينِهم من إقامة وطن قومي يهودي لهم في بلادنا ….. !
تذكرتُ هذه الكَلِمات وأنا أستمع إلى “باسم التميمي” يَتَحَدَّث عن مُعاناته في تلك الليلة التي حاول فيها أن يَنام في سَريرِ إبنته ‘ عَهْد ‘ ؛ “جان دارك” فلسطين ، فلَم تُغمض له عَينان ، وبكى ،.. لا حُزْنا على فلسطين ، وإنما على “السُلطة ” التي تقود فلسطين إلى الضياع غير عابِئة بالتضحيات التي يُقدمها الشّعب ، ولا باستعداده للتّضحية في النِّضال الجِدّي لإزالة الإحتلال والتّخلص مِنه، وتَحرير الأرض ،… ! ، ومَقتاً للإحتلال، ولماكينته وأجهزته القَمْعِيّة العُنصرية القَذِرة ، وتوقاً لنيل الحُرِّية وتَحقيق الخلاص ..!
ثوار فلسطين ، منذ مائة عام … هُمْ ….هُمْ….؛ مِنَ الناس العاديين الطّيبين البُسَطاء الذين عاشوا على أرض فلسطين وحَرَثوها وزَرّعوها وإقتاتوا مِنها ، وقارَعوا الإحتلال فيها ، وإستشهدوا أو قُتِلُوا أو ماتوا أو سيموتون على أرضها… !
هُمْ … هُمْ… رجالاً ونساءً ،…أولاداً وبناتاً … عندما يخوضون الصراع …لا يَحسِبون الحِسابات ،.. لكنهم لا يستطيعون أن يتحرروا من إنسانيتهم ، فيُقْلِقَهم قَبْل الشّهادة مَصير من سَيتركون وَراءهم ،.. ومع ذلك ،… يَمْضون ولا يَترددون ،…!
ذلك هو قَدَر هذا الشَّعب الذي يَتعرض لـ “هولوكوست صهيوني” على يَدِ الصّهاينة من المُستوطنين اليَهود العُنْصُريين ،… !
أمّا الضمير العالمي ، فلا زال نائماً لا يرى ما إقترفه هؤلاء الفاشيست العنصريين ، وما زالوا يقترفونه بحق شعب فلسطين ، أو أنَّ هناك في هذا العالم من لا يُريده أنْ يَرى … !
هذا في الوقت الذي يّستيقظ فيه هذا الضمير بين حين وآخر بصورة كيفية وإنتقائية مرة على الأحياء من المخلوقات هُنا وهُناك مِنْ بَشَرٍ وحيوانات ونباتات …! ، ومرة على المناخ والبيئة ،…!
لكن هذا الضمير العالمي ،وعن قَصد يَستثني من عُداد أؤلئك …ليس فقط الأحياء من البّشر الفلسطينيين ..! وولكن أيضاً الأموات منهم ممن إستشهدوا وقُتِلوا على يد الفاشيست الصهاينة من عَسْكر ومُستوطنين عُنصريين ، الذين شاء هؤلاء الفاشيون أن يَحْتفظوا بجثامينهم في الثَلاّجات للتّفاوُض والمُساومة عليها، وحِرمان عائلاتهم من وَداعهم بصورة تليق بكونهم بَشَر ينتمون الى الشَقِّ المُعَذَّب من هذه الإِنسانية .
قبل قليل عُدْنا من مِشْوار إستهلكَ قُرابة السّاعتين ، تم فيه في البداية أخذ صور لمُنى وهِبة لتقديمها مع طلب تمديد الإقامة ، وتقديم طلب التمديد.
بعد ذلك ، ذَهَبنا إلى” Serba Market “؛ أي السُّوق التركي في هايدلبيرغ للتّبضع بمّواد غذائية نحتاجها.
خلال فترة إنتظار التاكسي، قلتُ لمنى وهبة ،… أنني قبل ثلاثة أسابيع أو أربعة ، رافَقْتُكم الى نفس المكان (Serba Market)، وتَمَلّكَني في تلك الرِّحلة التَّعَب بسُرْعة،.. وأَحْسَستُ خِلالها بتَعَب في المَفاصِل مَصحوب بألم ،.. كنتُ لا أقوَ على الإستمرار بالوقوف والحَرَكة لفترة ” التَّبَضُع “…
أمّا اليوم ، فإني أشعر أني أكثر قوة، وأكثر قُدرة على التّحمل ، وبدون الشعور بذلك القَدْر من التَّعَب والإجهاد الذي شَعَرتُ بهما في المَرّة السّابقة ، وبدون ألم هذه المرَّة أيضاً…!
عَلَّقَت هِبه على ذلك قائلةً انها لَمَسَتْ إزدياد القُدرة لدي على التّحمل يوم الأحد الماضي عندما قَرّرنا العودة إلى البيت مَشياً على الأقدام لكامِل المّسافة المُمْتَدة من فندق “الأوروبيشه هوف” وحتى الشّقة ، وهي مسافة تزيد عن (٢) كم ، ولاحَظَتْ حينها أنّّ طُول الخَطوة التي أخطوها أصبحَ أكبر مِمّا قّبل ، حيث كنت عند خروجي من المُستشفى لا أقو على خَطْوِ إلا خطوه قَصيرة .
ولاحَظَتْ أيضاً أنّي أصبحتُ غالباً ما أتجاوزهما ( مُنى وهبة ) في سُرْعة المَشي،..!
هذي مُناسبة للمُقارنة ، ولقياس مدى التّقدم الذي تمَّ إحرازه خلال الـ ٥٩ يوما الماضية ودَرْجته.
نَعَم ، إنّي أشعر أن أوضاعي تَتَحَسَّن باضطراد…!