الأربعاء الموافق ١٧ كانون الثاني ٢٠١٨
سَتّقولُ لي ، ما مَعنى أنْ تتحدث في يومياتك لهذا اليوم عن الدّرّاجات ،… ! ولِمَ إخْتِرتَ هذا العنوان ..؟
أرى ، إذا أردتَ أن تتعرف على الجواب، أن تُرافقني على درّاجة ونحن نَقْطَع معاً فقرات “يومية أربعاء ” هذا الأسبوع ،.. فقد تَجِد في ذلك مُتعة ذِهنية مَخْفِيٌة إِنْ لم تَكُن جَسَدية…!
في هايدلبيرغ ، التي لا يزيد تعداد سكانها عن ١٧٠،٠٠٠ نَسَمة ، لا ترى كَمّاً هائِلا من السيارات على الطُّرق كتلك التي أراها في عمان أو في إربد أو الزرقاء أو السّلط ، ولم أشهد أثناء إقامتي فيها ، وقد قارَبَتْ شهوراً ثلاثة إختناقات مُرورية للسيارات .

في هايدلبيرغ ، ( وهي إحدى مُدُن ألمانيا ، هذه البلد الشهيرة جداً بصناعة السيّارات الرائعة ) يَنْتَقِل كَمٌ كبيرٌ من أطفالها، ورجالها ونساؤها ؛ شِيبةً وشّباباً إلى أماكن عَمَلهم أو مَدارسِهم أو جامِعاتهم او للتَّبَضّع في المّتاجر بالدّرّاجات الهوائية مع نِسْبة قليلة ولكن مُتزايدة ، أصبَحّت تَستخدم الدَّراجات الكهربائية أو الإلكترونية. وتلك العادة غير مَقصورة على هايدلبيرغ بل بالألمان في غالبيتهم الذين كما تُشير إحصاءات مَرْصَد الدّرَّاجات في ألمانيا يمتلكون في كل بيت درّاجتان كمعدل وسط ، في حين يَصِل عدد سائقي الدّرّاجات في ألمانيا إلى 71 مليوناً من أصل 80 مليون نَسَمَة، وهو العدد الإجمالي لسُكّىًانها.
من أجل قيادة آمنة للدّرَّاجات ، تَحتاج الدّّرّاجات الى شبكة من الطُرُقات الخاصة بها فقط، وهذه تتوفر في هايدلبيرغ وأغلب المدن الألمانية إن لم يكن جميعها. “ويتعامل ،نظام السير في ألمانيا مع الدّرّاجة مثل بَقِيّة المَرْكبات، كالسيارة أو الشّاحنة أو الحافِلة. ويُمكن لراكب الدّرّاجة أن يسير بدراجته بمحاذاة السيارات في المَسارات المُخصّصة لتلك الأخيرة، ويَتَوقّف عند إشارات المرور مثلما تتوقف السيارة إذا كان يشاركها الطريق نفسه. لكنه يُعامل معاملة المُشاة إذا كان على الرّصيف المُخّصّص لهؤلاء.”
وفِي مقال كتبته يارا وهبي، ونشرته “العَرَبي الجديد” ، ذَكَرَت يارا أنَّ الدّرّاجة الهوائيّة هي واحدة من أُمور عِدّة تَجمع الأوروبيّين، وأن أوّل تصوّر للدّرّاجة وضعه الرسام الإيطالي ليوناردو دا فينشي، وطَبَّقَه بادىء ذي بدء الكونت الفرنسي دو سيفراك ، ثم طوّره الألماني درايس فون حيث أَضاف إليها المِقْوَد، وفي مرحلة لاحِقة، حاول الإنكليز زيادة سرعتها من خلال تكبير قطر العجلة الأماميّة. وقد مرّت الدَّرّاجة بمراحل مُختلفة قبل أن تصل إلى شَكلها الحالي .

وقد سَرَدَت المستشار الألمانية الزعيمة أنجيلا ميركل قِصّتها مع الدَّرّاجة عندما كانت طِفلة تعيش في ألمانيا الشّرقية في حَفل إفتتاح مَعرض للدَّرّاجات الهوائيّة في ألمانيا، حيث قالت أنها لمّا كانت فتاةً صغيرة، وعندما كانت تلعب مع أصدقائها ، لم تُقاوِم ذات يوم سِرقة إحدى دَرَّاجات الجُنود السوڤييت بُغْية بلوغ إحدى شجرات التوت وقطف ثمارها ، مُشَدِّدَةً من خلالها على أهميّة الدَّرّاجة في حياة الألمان كعادة قَديمة، وكصِناعة يجب أن تزدهر.
وقالت: “ألمانيا ليست فقط بلد السيَّارات، بل هي أُمّة الدَّرّاجات”.
وأذْكُرُ أنا أن أوّل تَجْرُبة لي مع الدَّرَّاجة كانت في نابلس ، وَلَمْ أكنْ قد بلغتُ الثانية عشر من العُمْر . كُنّا نَقْطُن في بيت في مجمع بيوت عائد لآل عبد الهادي كائن في مَنطقة مُحاذية لحارة ” السُمَرّة ” في نابلس. وكان أغلب الأطفال في عُمري في ذلك الوقت يُمارسون اللعب عبر قيادة الدَّرّاجات . وكان في المنطقة ” دُكّان ” يقوم بتأجير الدَّرّاجات ويُقَدِّم دُروس أساسية لتَعَلُّم ِ قِيادتها مقابل مبلغ يدفعه المَتَلَقِّي .
وأذْكُرُ أن محاولتي الأولى لم تكن مُوَفَّقة ،… فقد فَقَدتُ السّيٍْطَرة على الدَّرّاجة التي هَوَّرَت على مُنْحَدَرٍ إلى جانب الطريق ، وبتسارع بإتجاه بَقَرَة كانت تَرْعى هُناك .
لم أصطدم بالبَقَرَة ، بفِعْلِ الحَشائش الطويلة، وشُجيرات العِنَب التي أوقفت الدّراجة قبل الإرتطام بالبَقَرَة، لكني أَذْكُر كم إمتلئتُ رُعْباً ، وأنا أراه الدَّرّاجة تَتًَجِه نحوها غير عابئةٍ بشيء .
كانتْ تِلكَ تَجْرُبتي الأولى مع الدّرّاجة ، لكنها لم تمنعني من إستكمال أخذ الدروس وإتقان قيادتها .
رُكوب الدَّرّاجة وإستعمالها في التّنقل إلى أماكن العمل والدراسة ، وفي التّبضع هو في نَظَري أمر تتعانق فيه الثقافة مع الرياضة والإِمتاع ، وهو عمل ذو قيمة وفائدة بيئية وإنتاجية وصِحِيّة ، ويُوَفِّر وسيلة رخيصة للتنقل غير مُرْهِقة لميزانيات الأُسر …. لكن ممارستها وتحويلها الى قيمة إنتاجية مفيدة للإقتصاد الوطني وللبيئة والصحة العامة ، والى عادة في أوساط الاطفال ورجال ونساء المجتمع ، فإن ذلك يَتَطلب تَرويج الفِكرة وتَشجيعها ، وتوفير بُنْيَة تَحتية في الشوارع على هيئة مسارات خاصة ، وعلى هيئة مَواقف دَرَّاجات فِي الساحات المحيطة بالمدارس والجامعات وأماكن العمل والمَتاجر …إلخ
ويَروق لي ان اذكر في هذه المناسبة أنّي قد لاحظت في كل
مرة زُرتُ فيها البروفسور الذي يَتولى عِلاجي من اللوكيميا في هايدلبيرغ ، وجود “حَقيبة ظهر” مَرْكونة في رُكنٍ من غرفته البسيطة التي تخلو من كل مظاهر الفخامة، وعَرِفتُ بعدها أنها الحقيبة التي يحملها على ظَهْرِه كل يوم عند قُدومه إلى أو ذَهابه من عمله الى مَنْزِله راكبا درّاجته ..!
التطور والتقدم يستدعي تربية النَفْسيات على التّواضع ، وعلى العَمَل المُنتج ، ويَتعين أن تُساهم زيادة مَعارِف الإنسان في تعزيز تواضعه وإنسانيته وتَمَسُّكه بقِيَم العدالة والمُساواة ورَفضه للظُّلم وإستعداده للعطاء بدون تَجَمُّل .
أردتُ أن أُسَجِّل في يومياتي في هايدلبيرغ هذه الملاحظات ، لكونها تشكل جزءاً من قِيَم هذا المجتمع الألماني ذو الإنتاجية العالية .
في هذا الصباح، ستواجه “جان دارك فلسطين” ؛ عَهْد التميمي للمرة الرابعة أو الخامسة منذ إعتقالها القُضاة الفاشيست في المحكمة المُحالة لها الذين يَتَفَنَّنونَ في إطالة أَمَدِ إحتِجازها بكل وسائل و طُرُق المُماطلة والتَّسويف والمُخادعة…!
غداً، وفِي الصباح ، سألتقي بالبروفسور بيتر في الموعد الأسبوعي المُعتاد. وسيَتِم تَقييم الوَضع بعد تحليل نتائج إختبارات عَيِّنات الدَّم وغَيرها من الإختبارات.
مُنى مُنْشغلة في وضع الَّلمَسات الأخيرة على ” طَبْخة مَلْفوف ” حَضَّرتها ليلة أمس باستخدام المَلفوف ” التركي المَنْشَأ ” بعد أن فَشِلَ الملفوف الألماني في تطويع نفسه لـ ” الّلف ” إلى لُفافات ٍ على النّحو اللازم ، وأَخَذَتْ أوراقه تَتَكَسّر بين أصابعها ، وهي تُحاول لَفّه في الليلة السابقة .