الجمعة في ١٩ كانون الثاني ٢٠١٨
شَهرين ويَومين مَرًّا عن ذلك اليوم الذي تلقيتُ فيه من أختي سائدة (٨،٥) مليون خَليّة جذعية تم زراعتها تحت إشراف البروفسور الكبير بيتر دريچر في هايد لبيرغ ،…!
كان ذلك في إطار البرتوكول الطبي المَرْسوم لمّنع عودة خلايا اللوكيميا للعمل من جديد بعد الكيموثيرابي الأول الذي تَلَقَّيْتَه في مَركز الحسين للسرطان في عمان ، وبعد الكيموثيرابي الثّاني الذي تَلَقَّيْتَه في مُستشفى هايدلبيرغ قبل الشُّروع في زِراعة الخَلايا الجَذْعِيّة..
سائدة ؛ قَدَّمَت لي أُكْسير حياةٍ جديد في رِحْلة حياتي الراهنة ..!
لَمْ أَعْرِف في حِينه ما أقول لها بهذه المناسبة ،…
ولا اعرف حتى هذا اليوم بأي كلمات أو مَشاعر أُعَبِّر فيها عن مشاعر الإمتنان و التقدير والتي تَغْمُرني ، كُلّما فَكّرتُ بالأَمر ، من أَخْمَص القدمين حتى أَعلى الرأس ،…
لكن ،.. يا أختي .. يا سائدة … تَبْقين وسَتَبقين سائدة على كل مشاعري وأحاسيسي …!
شُكراً ..!
ولأنَّ إسمها ” سائدة ” ، دعوني أذكر لكم قِصّة تتعلق بإسمها رَواها لي عَمّي سعيد قبل رحيله… !( الرحمة لروحه الطيبة )
قال، إنَّ ” أبو سائِد ” ، كان هو الإسم الذي كان يَتم تداوله لأبي ( وهيب البيطار ) قبل زّواجه ، وبَعده ، بين أصدقاءه …
وأنَّ والِدي قد رُزِقَ بادىء ذي بدء بإبنتين إثنتين ؛ رباب ، ولبنى، فلمّا حَمِلت أُمي بحَمْلِها الثالث ، وظهر انه أُنثَى جاء من اقترب من والدي وأَسَرَّ له بأن ” الله ” ربما لا يُحْبذ له الإسم الذي كان مَعروفاً به ، أي ” أبو سائد “، وأنّه لو غَيَّر نِيَّتَه ، فرُبّما يكون الحَمْل الرابع ذَكَراً ،… وإقترح عليه أن يُسَمّي طفلته الثالثة بـ” سائدة ” على أن يُغَيِّر الإسم السائد له الى إسم ٍ يَحمِل مَعنىً مُعاكساً لمَعنى ” السيادة ” ، وإقترح عليه الأخذ بإسم ” عبد الرحمن “.
ويَبدو أن والدي لمّا جاءه الخَبَر بأن المولود في الحَمْل الرابع لوالدتي كان ذَكَراً ، أَخَذَ بالإقتراح ، وأسْماني ” عبد الرحمن ” بعد أن كان قد أسمى إبنته الثالثة في الترتيب ” سائِدة “،…
فبذلك ، تكون أختي ” سائدة ” قد أخذت مِنّي الإسم الذي كان في ذِهْنِ والدي أن يُسَمّيني به…! ، وها هي تَمنَحني الآن فُرصة إستكمال مِشواري في الحياة بخلايا جَذْعية عَزيزة من نُخاعِ عَظمها ودَمها الدافىء.
بعد أنْ لَعِبتُ رياضة الصّباح ،… وهي جُزْءٌ من البروتوكول العِلاجي ،.. ذَهبتُ الى مَكتبي في الشّقة المستأجرة في هايدلبيرغ ،.. لأُكَمِّل مشواري في الكتابة ،… فأنا مُنْهمكٌ منذ فترة في كتابة مُساهمتي في تجديد الفكر الاستراتيجي الوطني الفلسطيني ، وهو جُهدٌ يَصْب في الجُهْد الذي بَدَأه الصّديق الدكتور خليل الهندي … !
وبهذه المناسبة ، دعوني أن أُشْرِكَكُم بالسؤال الذي يقض مضاجعي منذ زمن ،… محاولاً ان أجِدَ جواباً شافياً له …!
أثناء مُراجَعتي لوَثائق مَرحلة مُبَكِّرة في النِّضال الوطني الفلسطيني ، إسترعى انتباهي نَص البيان الصادر عن اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني الرابع والمؤرخ في ٨ تموز ١٩٢٢ ، أي قبل نحو (٩٥) سنة ، فقد لاحظتُ ورود مواقف في هذا البيان بمفردات ، يتم حتى هذا الوقت تِكرار ترديدها ،… بما يّجعل من المشروع أن نتساءل ؛
لِمَ تفشل نضالات هذا الشعب العظيم المِعْطاء وتَضحياته الجَسيمة خلال قَرنٍ من الزّّمان في تحقيق التراكمات اللازمة للوصول للغايات المَرْسومة في المحافظة على الوطن أو في تحريره وإسترداده أو في تحقيق عَودة اللاجئين الذين هُجِّروا وطُرِدوا مِنه ( بفعل سياسات التّطيهير العِرقي التي إنتهجها المُهاجرون الصّهاينة إلى فلسطين ) الى قُراهم وبَلداتهم ومُدنهم في فلسطين ،..
أقول ،.. لِمّ تَفشَل تلك النضالات والتضحيات ونَفشَل باستمرار ؟ !!!!!!!!!!!
سُؤالٌ مَشروع ،… لم أَرَ له إجابات عَميقة مُقْنِعة من المثقفين وقادة الرأي والمحللين الفلسطينيين والعرب حتى الآن…!
أعود للبيان ، وأعاود التّذكير ، بأن ما سّيقرؤنه أدناه قد صَدَرَ بتاريخ ٨ تموز ١٩٢٢ عن اللجنة التنفيذية لمؤتمر فلسطيني إنعقد في القدس قبل (٩٥) سنة في ٢٩ أيار ١٩٢١، وجاء بعد إصدار وزارة المستعمرات البريطانية ( بقيادة ونستون تشرشل في ذلك الوقت ) في حزيران ١٩٢٢ بيانها المعروف في حينه بـ ” الكتَاب الأبيض “، وبعد ان أصدر مجلس النُّوّاب البريطاني قرار يؤيد فيه مشروع صَكّ الإنتداب على فلسطين المَعروض على مجلس عُصبة الأُمم لإقراره والذي يتضمن تولّي بريطانيا بصفتها الدولة القائمة بالإنتداب مُهِمة تهيئة الأحوال السياسية والاقتصادية والإدارية لفلسطين لغاية إقامة الوطن القومي اليهودي فيها ، وتنفيذ وَعْد بَلفورْ ، وهو الصَّك الذي أقره في وقتٍ لاحق مجلس عُصْبة الأمم في ٢٤ تموز ١٩٢٢.
فقد ورد في البيان المواقف التالية :
- أنَّ ” للعرب في فلسطين حق تقرير مصيرهم ومصير بلادهم السياسي ، وهو حقٌ أكسبتهم إياه الأجيال الطًِوال ،…..وهُم به مُتَمّسِّكون ، وعَنه مُدافعون لا يُثْنيهم عَنْه قَرارُ دِول ، ولا يَرُدّهم عن طَلَبِه رَادّ ” .
-
أنَّه “…. وبعد أن إعتادَت الأمة تَلقّي طُغيان السِّياسة بصَبْرٍ وثَبات يوم ‘ ڤيرساي’ ( مُؤتمر السّلام في ڤِيرسايْ بعد الحرب الكونية الاولى ) ويوم سِيڤر ( مُعاهدة سِيڤر ما بين الدولة العثمانية ودُوَل الحُلفاء المُوَقَّعة في ١٠ آب ١٩٢٠ والتي أنهت الحرب بينهما ) ويوم سان ريمو ( إمتداد لمُؤتمر السّلام ، عَقَدَته عُصْبة الأُمم في مدينة سان ريمو الإيطالية ) ، فلا يجب أن يُؤثر قرار مجلس النُّواب البريطاني على قُوّتنا المعنوية أو أن يُدخل التشاؤم على نفوسنا لا سيما ومجلس اللّوردات بجانبنا ، وبِيَدِنا حَقٌ أبلج ، ويَدُ الله معنا ” .
-
وإن ” في فلسطين ثالث الحرمين، وأولى القِبْلَتين ، وهي البلاد المقدسة لدى جميع الامم الإسلامية والمسيحية ، فهي ليست لسُكّان فلسطين وَحْدَهم، بل لكل مُسلم ومَسيحي في قَلْبِه ذَرّة من الدّين والإيمان الصحيح ، وإنَّ الفلسطينيين الذين قاموا في الدفاع عن هذه البلاد المقدسة وَحْدَهم خيرُ قيام ، سوف يَطلُبون إلى العالمين الإسلامي والمّسيحي الإشتراك في ذلك ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما بَنَتْهُ المبادىء السياسية السافِلة من الباطل سَتَهْدِمَه المبادىء القَومية والدينية والسّامية بأيدي الحق ” .
-
وأعلنت اللجنة التنفيذية للمُؤتمر العربي الفلسطيني الرابع بإسم الأمة العربية الفلسطينية أنها ” تَضْرِب بقرار مَجلس النواب البريطاني الأخير المبني على الجُّور والظُلْم عَرْض الحائط ، كما ضَرَبَ ذلك المجلس ووزارة بريطانيا بعُهودِ الحكومة البريطانية لعرب فلسطين في سّنة ١٩١٥ وسَنة ١٩١٨ عَرْضَ الحائط “.
-
إنَّ اللجنة التنفيذية للمُؤتمر قد ” دَعَت الوَفْد لقَطْعِ جميع المفاوضات مع وزارة المُستعمرات، والرُّجوع إلى البلاد بعد أن يُعلن للحكومة البريطانية وعُصْبِة الامم قرار الأمة بِرَفض الإنتداب “
-
إنَّ اللجنة التنفيذية ستدعو ” المُؤتمر العربي الفلسطيني للإجتماع بعد عَودة الوفد حالاً كي يَضَع الخطط الجديدة التي تراها الأمة أضمن وأقرب للوصول الى الغاية الأساسية “- الوثائق من (١٩٢١-١٩٣١) – مؤسسة فلسطين للثقافة ]
وأنا أَتَمَعّن بكلمات ذلك البيان ، قُلتُ في نفسي ، ما أشبه اليوم بالبارحة ،.. ….!
لكنْ لمَِ نَفْشَل ( ولا زلنا نَفْشَل ) في تحويل نِضالات هذا الشّعب وتَضحياته الى تراكُمات تُحقق النتائج التي يَصبو لها ،… لِمَ…؟؟؟؟. !!!
هل من مُجيب ….؟!