Menu Close

قبل عام من هذا اليوم ، أي في ٢٠ كانون الثاني ٢٠١٩، كتبتُ من هايدلبيرغ أقول :

السبت الموافق ٢٠ كانون الثاني ٢٠١٨

قبل قليل ، عُدتُ من مِشْوار مع إبن عَمّي ، نِضال الى شارع الممشى Haupstrase ،.. مَشينا تحت المَطَر ، وإحتسينا القهوة في أحد مَقاهي الشارع ، وتَبادَلنا الرأي حول موضوع ” استراتيجية النضال الوطني الفلسطيني ” والمُعضِلات ، والتَّحديات التي تواجه نضال شعبنا ،.. وأعطيته فِكْرة عن الدِّراسة التي أنهمك حاليا في إعدادها حول ضرورات تجديد الفكر الاستراتيجي الفلسطيني وإعادة صياغة استراتيجية النضال ….!

اما دانا وهِبَه ، فخرجتا معاً في رِحلة ، أعتقد أن جانبًا منها للتَّسَوق …

وليلة أمس ، كان لنا لقاءٌ في مطعم إيطالي مع الصديقان مها وماهر عاشور ، وأمضينا وقتاً ممتعاً تواصلنا فيه ، وتبادلنا الأخبار حول الأحوال الصحية لي ولماهر ، وحول تجربتي في هايدلبيرغ خلال الشهور الثلاثة الماضية…!

بعد ان أستمتعا هي ونِضال بتدخين سِيجارة أو أكثر في حَديقة الشَّقة ،… عادَتْ منُى لتقوم بتقديم الطَّبق الذي أَعَدَّته للغداء وهو ” طَبْخة سَبانِخ “…!

قبل أيام ، كنت أشاهد على شاشة الـ CNN متابعة لأخبار ألماني عَمِلَ في وحدة الـ SS في حراسة معسكر أوشڤيتز الذي كانت تُرْتَكب فيه أعمال إبادة ضد يهود أوروبيين و أو أعمال عُبودية وعَمَل قسري ،… !

كان الخَبَر يَتَكرر كل نِصٍف ساعة، وتَظهر على الشاشة صورة مُسِنٌّ ، تجاوز التسعين من العمر ، لا يقوَ على المَشْي ، فدخل قاعة المَحْكَمة على كُرسي مُتَحَرِّك ،…!

أثار اهتمامي الخَبَر والمَنْظر ،… فَقَرَّرتْ أن أتعمقَ في الأمر لأعرف أكثر….!

ووجدتُ أن المحاكمة تجري في بلدة دِتْمولد Detmold الصغيرة الكائنة في شمال ألمانيا ، وأن الألماني الذي يُحاكم هو رينولد هاننچ Reinhold Hanning ، وقد كان خلال الحَقبة النّازية يعمل حارساً في القوات الخاصة المعروفة بـ الـ SS والتي كانت مُكَلَّفة بحراسة معسكر الإعتقال المشهور أوشڤيتز Auschwitz خلال الفترة ما بين كانون الثاني ١٩٤٣ وحزيران ١٩٤٤، وقد عَمِل على واحدٍ من أبراج المُراقبة الخاصة بالمعسكر . وأنه قد وُلِدَ في أواخر عام ١٩٢١ ، وإلتحق بمُنظمة الشبيبة الهِِتْلرية في عام ١٩٣٥ ، ثم في إحدى وحدات قوات الـ SS . وقد جُرِحَ أثناء القِتال في كِييڤ في أيلول ١٩٤١، وفَقَدَ آهليته للخِدمة في الوحدات المُقاتِلة ، فتَمَّ نقله للخدمة ككاتب إداري أولاً ثم كحارس في معسكر أوشفيتز .

اما التُّهمة التي وُجِّهت إليه، فهي تَتمثل في إعتباره مُشارِكا accessory to murder في إبادة (١٧٠،٠٠٠) يهودي تم قتلهم في معسكر الموت أوشڤيتز ، وقد حَضَر، كما سبق وأن قُلتُ ، إلى قاعة المحكمة على كُرسي مُتَحَرِّك.

وبالإستناد الى المعلومات المنشورة في مجلة الـ Time ، فإن أياً من الشهود لا يعرف رينولد هاننچ شخصياً، لكنهم جاءوا أو تمَّ تَجميعهم بعد (٧٠) عاماً، ليَرسموا صورة عن الحياة داخل المعسكر المذكور، وعن الدَّوْر الذي يُمكن أن يكون هاننچ قد قام به كونه واحداً من آلآف جنود وحدة الـ SS التي كانت تَخْدِم في المُعسكر في ذلك الوقت . وتبين أن المُحاكمة تتم وفق تشريعات جديدة سَمَحت بتوجيه الإتهام للمُوظفين والجنود من المراتب الدنيا دون أن تكون هناك إتهامات محددة إرتكبها قبل سبعين عاماً أي ٍ من هؤلاء الأفراد العاملين في المعسكر بالإسم .

التهمة باختصار أنَّ أي فرد عَمِلَ في المُّعَسْكَر مهما دَنَتْ رُتْبَتِه يُعْتَبَر قد شاركَ في تَشغيل آلة القتل في المعسكر ، وبالتالي يتعين أن يخضع للمُحاكمة وأن يتلقى العقاب اللازم .

أنكر هاننچ أثناء المحاكمة مشاهدته شخصياً لآلية إختيار الضحايا وتحويلهم للموت في غرف الغاز والمَحارق أو إلى مُعسكرات الأشغال الشاقة ، ولكنه ذَكَرَ بأنه ومع الوقت أخذتْ تَصِل إلى مَسامعه أخبار عن أعمال القتل التي كانت تُمارس ضد الضحايا ،وأنه في مرات عديدة كان يَشُم رائحة الجثامين المُحترقة ويرى جثثاً تُنْقَل هنا وهناك ، ….

BY ELIZA GRAY/DETMOLD

إحدى الشهود وقد جاءت من نيويورك للشّهادة ، وكان عمرها قد بلغ السادسة والثمانين من العمر ، قالتْ في المحاكمة أنها كانت تتمنى لو أن محاكمة هاننچ قد تمُت في وقت أبكر من العمر ، وأنها ترغب أن تُسْمِعَ المتهم عن عَواقب ما إقترفوه وهم في عُمر الشباب ، و….

وقالت أيضاً:

“ I wish that he had been tried much earlier,” Weiss said in February. “But at the moment, I just want him to hear from me and the others who testified what the consequences were of what he did at a young age, and let him reflect on it.”

اما المتهم ، فقد كَسَر صَمْتَه في ٢٩ نيسان ٢٠١٧ ، وقال أمام المحكمة :

“I want to say that it disturbs me deeply that I was part of such a criminal organization,” he told the court, according to the AP. “I am ashamed that I saw injustice and never did anything about it, and I apologize for my actions. I am very, very sorry ”

وانا اتابع الخبر على الـ CNN ، اطرقتُ بالتفكير ،.. وقُلتُ في نفسي ،… مُجرموا الحرب هم مُجرمون ،… سواء من مارس منهم جريمة الإبادة بالقتل في غرف الغاز أو المحارق ، او برماية المدنيين أو إرهابهم بغاية تهجيرهم من أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم…ومن قراهم وبلداتهم ومدنهم ، ومن ثم الإستيلاء عليها وإحلال مستوطنين صهاينة فيها .

هم مجرمون ، سواء ارتكبوا جرائمهم في أوشفتز أو في دير ياسين ، في العام ١٩٤٤ او في ٩ نيسان من العام ١٩٤٧

نعم ، هم مُجرموا حرب بممارستهم حملات التطهير العرقي المُمَنهج ، وأستعمال أساليب القمع والاضطهاد والتمييز العنصري ، لتحقيق أغراض غير مشروعة ،…

وهم مجرموا حرب بقيامهم بقتل الاطفال وإقتلاعهم من أَسِرّتهم في بيوتهم، وإعتقالهم ومَنعهم من حق العيش والحياة الطبيعية لمجرد انهم مارسوا حقهم في التعبير عن الرأي ، أو فِي التظاهر وفِي مقاومة الإحتلال ، وفِي المطالبة بحقوقهم الأساسية وبالحرية والعدالة والحق في الحياة بكرامة،…

هم مجرموا حرب مهما طال الزمن ،… وكما تم في نيورمبيرغ وغيرها من المَحاكم مُحاكمة ُمجرمي الحرب المسؤولين عن الهولوكوست اليهودي في اوروبا ، والذي دَفَّعَتْنا حكومات أوروبا ، نحن في فلسطين ، وفِي بلدان المنطقة المحيطة بها ، ثمن ما أقترفته هي ، بحق مواطنيها اليهود من مجازر أدت الى اضطرارهم للهجرة الى فلسطين والى بلدان اخرى،

وكما قامت الحركة الصهيونية بأستعمال مآسي اليهود في اوروبا وتعبئتهم بفِكر عُنصري استيطاني إحلالي استعماري ، وتحويل الضّحايا الى مُجرمي حرب ، شاركوا مع المهاجرين الصهاينة الذين سبقوهم في إقتراف جرائم تطهير عرقي وإرهاب وإبادة وتمييز عنصري، بحق الشعب العربي الفلسطيني وتحويل الجزء الأكبر منه الى لاجئين يَقتاتون على ما تَتفضل به الدول لوكالة الغوث والتشغيل ( الأنروا ) ، واضطهاد الجزء المتبقي وحرمانه من حق الحياة الطبيعية ، ومن الحرية ، والعدالة ،و….

نقول … كما تم ذلك ،.. وذلك ،.. فأنها ليست إلا مسألة وقت قبل أن تبدأ المُحاكم في حيفا وعكا وصفد ونابلس والقدس وغيرها من محاكم المدن والبلدات في فلسطين والخارج في إستقبال قضايا الإتهام ضد هؤلاء المجرمين العنصريين الصهاينة ..ومحاكمتهم أمام قُضاة فلسطينيين ويهود غير عنصريين وغير صهيونيين من مواطني دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية الواحدة !

نعم إنها مسألة وقت ،.. وعلينا منذ الآن تحضير قوائم بأسماء المُجرمين وإعداد لوائح الإتهام للجرائم التي ارتُكِبت من قبلهم بحق شعبنا وشعوب البلدان المحيطة بفلسطين وحتى بحق يهود فلسطين ويهود العالم غير الصهيونيين ، غير العنصريين ، منذ إحتلال فلسطين في ٩ كانون اول ١٩١٧ وبعد هذا التاريخ ، وقبل صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ وبعده ،… وحتى اللحظة هذه …!