Menu Close

إسْتِكمالاً لرِحلِة يوم أمس في فلسطين خلال شهر كانون الأول من العام ١٩٤٧– أي بعد تاريخ صدور قرار التقسيم رقم ١٨١في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧– كَتبتُ في هايدلبيرغ هذه اليَوْمِيّة في ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٨ ، مُسَلِّطاً الأضواء على تلك الفَتْرة الحاسِمة في تاريخ فلسطين …كيف فَكَّرَ العَرَب خلال تلك الأيام ، وماذا فَعَلَتْ الحَرَكة الصّهيونية في فلسطين ….!

الإثنين الموافق ٢٩ كانون الثاني ٢٠١٨

عادت الحياة الى هايدلبيرغ ، ففي أيام الآحاد ، يتولد لَدَيكَ الشُّعور بأن الحياة قد إختفت من الشوارع ، فَتَموت الحَرَكة فيها، وتُغلِق المَتاجرأابوابها حتى دكاكين الخُضْرة ، والمَواد الغِذائية ، والحَلاّقين ، و…..!

والطَّقس في هايدلبيرغ هذا اليوم غير ماطِر ، والشَّوارع جافة ،…. أما تنبؤات الطقس ، فتلك تتوقع تساقط الثلوج إبتداء من يوم الخميس القادم ،… والله أعلم !

ولأني أروي في هذه اليوميات ، وقائع وأحداث تتعلق بالمَشهد في فلسطين بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، أَجِد من الضروري ، بين آونة وأُخرى ، العودة لتثبيت بعض المعلومات حول وقائع معينة ، كي تُصبح الرواية المَسْرودة مَفهومة ومُترابِطة بما سبق وبما سَيَلحَق من وَقائع… لذا ، فقد أضْطَر في أحيان معينة لأُعيد تكرار معاومات معينة أجدها ضرورية كي نَمتلك صورة أشمل وذات معنى عن أحداث ذلك الزمان .

بتاريخ ١٤ شباط ١٩٤٧ – وبعد أن أن حَلَّتْ عُصْبة الأُمم نفسها في نيسان ١٩٤٦ إثر الأعلان عن تشكيل مُنظمة الأُمم المتحدة والتوقيع على ميثاقها في سان فرانسيسكو في تشرين اول ١٩٤٥ – أَحالتْ بريطانيا قضية الإنتداب البريطاني على فلسطين إلى مُنظمة الأُمم المتحدة للنظر فيها وإتخاذ الموقف بخصوصها .

وفِي ١٥ أيار ١٩٤٧، أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم ١٠٦ والذي يَقضي بتشكيل لجنة الأُمم المتحدة الخاصة بفلسطين ( الأنسكوب UNSCOP ) بهدف التحقيق في الأوضاع السائدة في فلسطين وإقتراح توصيات على الجمعية العامة للأمم المتحدة لحل المشكلة (التي خلقها الإنتداب البريطاني ) في فلسطين.

وقد تَشَكَّلّت تلك اللجنة من ممثلي أُستراليا وكندا وتشيكوسلوفاكيا وغواتيمالا والهند وإيران وبيرو والسويد وأوروغواي ويوغسلافيا، وأصدرت تقريرها المُتَضَمِّن توصياتها في ٣١ آب ١٩٤٧ ، ورَفَعَتها الى الأمين العام للأمم المتحدة الذي أحالها بدوره الى الجمعية العامة للأمم المتحدة .

وقد إنْقَسَمَت اللجنة المذكورة فيما يتعلق بمستقبل فلسطين الى :

•أكْثَرِيَّة مؤلفة من كندا وتشيكسلوفاكيا وغواتيمالا وهولندا وبيرو والسُّويد وأورغواي,وهذه أوْصَت بتقسيم فلسطين إلى دولتين ؛ يهودية و عربية مع وضع القدس تحت الوصاية الدولية وتشكيل إتحاد إقتصادي بين الدولتين المُشَكَّلتين ، وإلى :

أقَلِّيّة تَمَثَّلَت بمندوبي الهند وإيران ويوغسلافيا, وأوْصَت بإنشاء “دولة فدرالية” مُؤَلَّفة من كيانين: عربي ويهودي، وأن تكون القُدْس عاصِمة الدولة الفيدرالية، وأن تتركز صلاحيات الدَّولة الفِدرالية على قضايا الدفاع, والعلاقات الخارجية, والهِجْرة, والنَّقد, والضرائب العامة, والمُواصلات الحكومية، وأن تُعطى كل من سُلْطَتَي الحُكْم الذاتي العربية واليهودية الإشراف على شؤون التعليم والصحة والإقتصاد والهِجرة الداخلية والإقامة, والأمن, والضّرائب للأغراض المحلية، وأن تتألف مؤسسات الدولة الفدرالية من رئيس الدولة, ومجلس تَنفيذي, وآخر تَشريعي, على أساس التمثيل النسبي للسُّكان في أحد المَجْلِسين, والتّمثيل المُتساوي في المجلس الآخر.

وكالعادة ، فقد قاطَعَتْ الهَيئة العربية العليا تلك اللجنة, ودَعَتْ إلى الإضراب العام يوم وصول اللجنة إلى القدس في 16 حزيران 1947, فإستجابَ لدَعوَتها كل مُدُن فلسطين, والعواصم العربية, وكان إضرابا عاما وشاملا.

وفي ١ أيلول ١٩٤٧ ،أي في اليوم التالي لإصدار اللجنة تقريرها الى الأمين العام لمُنظمة الأُمم، أصْدَرت الهيئة العربية مُذَكّرة تَتَضمن رَفْضَها لتوصية الأكثرية والأقلية ، أي رَفْضَها للتّقسيم, وللفدرالية, باعتبار أنهما مخالفتان لكل المطالب العربية والميثاق القومي, فضلاً عن مخالفتهما ميثاق هيئة الأمم المتحدة, وجميع مبادئ الحق والعدل.

كما أصدرت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية بياناً عاماً حول توصيات اللُّجنة ، خلا من إتخاذ موقف حاسم .

أما الوكالة اليهودية, ومعظم الأحزاب الصهيونية ، فقد أيَّدَت تَوصية الُّلجنة بالتقسيم.

كما ايّدَ وزير الخارجية الأمريكي جورج ماريشال توصيات الأكثرية في لجنة أنسكوب القاضِية بالتقسيم .

وكما سبق أن ذكرنا ، فإنَّ الجمعية العامة للأمم المتحدة ، أخذت بتوصية المملكة المتحدة ( بريطانيا ) بِصِفَتِها السُّلطة المُنْتَدَبة على فلسطين ، وبرأي الأكثرية في لجنة UNSCOP بعد إدخال بعض التعديلات وذلك بتَبني مشروع التقسيم والإتحاد الإقتصادي ، وتدويل القدس ، وأصْدَرَت بالتالي القرار (١٨١) بتقسيم فلسطين في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ بالإستناد الى تلك التوصية وتقرير اللجنة.

وحيث أن قرار التقسيم تَطّلَّب في الفقرة (أ) من الجزء الاول منه أن :

” • ينتهي الإنتداب على فلسطين في أقرب وقت ممكن، على ألا يتأخر في أي حال عن 1 أغسطس/ آب 1948.” ، وأنْ :

” • …تجلو القوات المسلحة التابعة للسلطة المُنْتَدَبَة عن فلسطين بالتَّدريج، ويَتِم الإنسحاب في أقرب وقت ممكن على ألا يتأخر في أي حال عن 1 أغسطس/ آب 1948. “،

وأن :

“….تُعْلِم السُلْطة المُنْتَدَبَة اللُّجنة في أبكر وقت مُمكن بنيتها إنهاء الإنتداب والجَلاء عن كل منطقة ” ،…

نقول ، أنه ، وبناء على ذلك ، وبتاريخ ٨ كانون أول ١٩٤٧ ، اي بعد نحو اسبوع من صدور قرار التقسيم ، فقد تَقَدَّمَتْ بريطانيا بصفتها الدولة المُنْتَدَبه بتوصية الى الأُمم المتحدة تُشعرها فيها بـ ” إلغاء الانتداب ” إبتداء من ١٥ أيار ١٩٤٨ ، ” على أن يَعْقُب ذلك إقامة دولة يهودية مستقلة ودولة فلسطينية مستقلة بعد أسبوعين ” (من تاريخ إنتهاء الإنتداب) .

بذلك ، تكون عملية تفعيل تَطبيق ” قرار التقسيم “قد بدأت فعلاً.

بعد بيانات الشَّجب والرَّفض من الجامعة العربية والدول المُنْضَوية تحت مظَلَّتها ، إنعقدَ في القاهرة في ٧ كانون أول ١٩٤٧ إجتماع اللجنة العسكرية الدائمة التي شكَّلها مجلس جامعة الدول العربية في إجتماعاته المُنعقِدة في مَصيف “عاليه” في لبنان في مَطلع تشرين أول ١٩٤٧ ، وأعدَّت تقريرا شاملاً عن الوَضْع العسكري الناشىء في فلسطين بعد صدور قرار التقسيم وتوصياتها بما يتوجب عمله في ضوء ذلك .

ورَفَعَتْ اللجنة تقريرها الى إجتماع اللجنة السياسية لمجلس الجامعة المُزْمَع عقده في اليوم التالي ، أي في ٨ كانون الأول بحضور رؤساء الحكومات العربية و/ أو مندوبيها ، وقد إمتدت جلسات ذلك الإجتماع الى تاريخ ١٧ كانون أول ١٩٤٧.

وفِي ضوء الأحوال العسكرية المُسْتَجِدَّة في فلسطين ، وبعد خلافات ومُداولات بين الأعضاء في اللجنة السياسية ، تَوَصَّلت جامعة الدول العربية الى الإعلان بأنَّ تقسيم فلسطين غير قانوني ، وقَرَّرَتْ أنْ تَضَع في تصرف اللجنة العسكرية الفنّية عَشْرة الآف بُنْدقية ، و(٣،٠٠٠) متطوع من الدُّول العربية ( منهم ٥٠٠ فلسطيني ) ، ومَبْلَغ مليون جنيه مصري .

وفي اليوم التالي لإجتماع اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية ، أي في ٩ كانون اول ١٩٤٧، دعا إلياهو بن أليسار ( رئيس الطائفة اليهودية الشرقية في القدس ) في إجتماع اللجنة الأمنية الصهيونية الى وجوب ” إقتلاع ” قرية “أبو كبير” المُجاورة الى يافا والتي كانت قوات الإرغون الإرهابية قد هاجَمَتها قبل ثلاثة أيام، أي في ٦ كانون أول ، مُعْتَبِراً أنَّ ذلك ” سيكون دَرْساً لقرى عربية أُخرى “.

أمّا زعيم حركة ” آغودات إسرائيل ” ( بنيامين مدينتس ) ، فقد دعا الى تدمير إحدى القرى العربية في النَّقَب .

وفِي نفس الاجتماع ، أعلن رئيس القيادة القُطْرية لمنظمة الهاچاناه ( إسرائيل چاليلي ) في ١٠ كانون ثاني ١٩٤٧ ” أن سياستنا الدفاعية تُفَسَّر من قِبَل العَرّب ضَعْفاً “، وطالبَ باتِّباع سياسة ” الدِّفاع الفعّال ” عبر مُهاجمة وَسائط نَقل عَربية وطُرق مُواصلات ومُمتلكات المَسؤولين والمُحَرِّضين ، وقَواعِد تابعة لقُوّات عَربية غير نِظامية .

وفِي ١١ كانون أول ، أبلغ يهوشوع ( جوش )فلمون ، وهو أحد كبار ضُبّاط مَصلحة المُخابرات التابعة للهاچاناه ( شاي)، بن غوريون أنَّ “حيفا” و “يافا” ستُفَرَّغان من سُكانهما العرب بسبب نَقْص المَواد الغذائية ، أما بن غوريون ، فكان يميل للرأي بأن عَرّب المدينتين يوجدون تحت رَحْمِة اليهود ، وأنه بالإمكان قَطع الإمدادات التموينية عنهم وجعلهم يموتون جوعاً .

أمَّا الهاچاناه فقد اسْتَأنَفَت أعمالها العسكرية بقيامها في يوم ١٢ كانون أول بالهجوم على باص عربي في “حيفا” ، وقد نَعَتَ المندوب السامي البريطاني ( ألَنْ كِيننچهام )هذه العَمَلِية على أنها ” مُخْزِيّة وغَير حَضاريّة ” وأنه يجب عدم التمييز بين عمليات ” الهاچاناه ” وإرهاب منظمتي ” ليحي ” و ” ايتسل “.

وتَعَرَّضَ مَقهى قَرْيِة “العبّاسية” ، الواقِعة قُرْب مُستوطنة بتاح تكفا ( ملبس الفلسطينية ) ، لهُجوم شَنّه بعد ظُهر يوم ١٣ كانون اول ١٩٤٧، رِجالٌ مُتَخَفّين بإرتداء اللباس العَسْكَري البريطاني وخُوَذ فُولاذية ، خَرَجوا من سياراتهم ، وأخذوا يُطلقون نار الرشاشات وإلقاء القنابل على مُرْتادي المَقهى من القرويين ، وعلى سُكّان القرية ،… وقد أسْفَرَ هذا العمل الإرهابي عن مَقتل سَبعة من القرويين العرب ، وكان يُمكن أن تَرْتَفع حصيلة الضحايا لو لم تتدخل دورية بريطانية صادَفَ مُرورها قرب القرية وقت تنفيذ العمل الإرهابي.

وفِي ذات اليوم ، أي ١٣ كانون أول ، ألْقَت مَجموعة ارهابية صهيونية في وقت مبكّر من النهار قَنابل مصنوعة محلياً ، من سَيّارة مُسْرِعة ، وسْطَ جمهور من العرب الواقِفين قرب باب العَمود في القدس ، وقد أدى ذلك الى مَصْرَع سِتة من العرب وجرح ثلاثة وعشرون .

أما في يافا ، وفِي نفس اليوم ، فقد تم إلقاء قُنبلة في مَقهى مما أدى الى مَقتل ستة من الفلسطينيين العرب ، وجَرْح أربعون منهم .

وفي ١٥ كانون أول ، وَصَفَت صَحيفة ” عال هامشمار ” الصهيونية النتائج التي أسفرت عنها الهَجمات الإرهابية على القرى والمدن الفلسطينية بالقول أنها ونتيجة تلك الهجمات ” … فإن العَديد من العَرَب الذين كانوا يَقطنون قُرْب المُستعمرات اليهودية كانوا ينزحون الى مناطق يَكْثُر فيها السكان العرب ..” وأنه ومع تَزايد الأعمال الإرهابية ” فإن فَرار الفلسطينيين أصبح متزايدا ً”.

وفِي سياق تنفيذ أحكام قرار التقسيم ، قامَت سلطات الإنتداب البريطانية في ١٥ كانون اول ١٩٤٧ بتَسليم َمهام الإشراف على الأمن في “تل أبيب” ، و”بتاح تكفا” الى اليهود الصهاينة ، ومهام الإشراف على الأمن في” يافا ” الى الفِلسطينيين .

أما مدير الوكالة اليهودية ، فقد أعلن في ١٧ كانون اول ١٩٤٧، أنه سَيَطلُب من ” اليهود الأمريكيين (٢٥٠) مليون دولار للوفاء بحاجات الجالية اليهودية في فلسطين “.

من السٌَرد أعلاه ، يَتَّضِح وبِشكل جَلِي. ّ أنَّ الحركة الصّهيونية في فلسطين كانت خلال الأسابيع الثلاثة التالية لصدور قرار التقسيم قد :

  • امْتَلَكَت الخُطط للتعامل مع التّطورات وقد إتخذت قراراً بتفعيل الخطة (ج) لزَعْزَعة إستقرار القرى والمدن العربية القريبة من المُستوطنات ، وبَدَأت مُنظماتها العسكرية تنفيذ الخطة المرسومة .

  • سَرَّعَت في إبرام صفقة شراء السلاح التشيكوسلوڤاكي من شركة ” سكودا “.

  • إتّخذت الخُطوات لتجميع ( ٢٥٠) مليون دولار لتلبية حاجات الجالية اليهودية في فلسطين خلال مرحلة ما بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧.

  • أَخَذَت في تَحديد ما يَتَوَجَّب عليها عَمَله للتعامل مع حقيقة تواجد عربي كثيف ضمن نطاق حدود الدولة اليهودية المرسومة في قرار التقسيم .

أما الجانب العربي ، فقد إنهمك في تنظيم إضراب الإحتجاج على صدور قرار التقسيم ، وإنغمست أجهزة الجامعة بعد رفض قرار التقسيم في دراسة ما يَتَوَجّب عمله من إجراءات عسكرية ولوجستية، ورصدت مليون جنيه مصري ، وقَرَّرَتْ أنْ تَضَع في تصرف اللجنة العسكرية الفنّية عَشْرة الآف بُنْدقية ، و(٣،٠٠٠) متطوع من الدُّول العربية ( منهم ٥٠٠ فلسطيني ) ، وإتخذت قرارات في هذا الصدد،..!

أسوِقُ في هذه اليومية هذا القَدْر من المَعلومات الى مَسامعكم ، ولقراءتها بتأمل …!

وللحديث بقية…! ؟