Menu Close

الثلاثاء ، في ٣٠ كانون الثاني من العام ٢٠١٨،… كتبتُ من هايدلبيرغ عن أحداثٍ حصلت في فلسطين خلال النِّصف الثاني من شهر كانون أول من العام ١٩٤٧،… وعن أحداث “مصفاة حيفا” في ٣٠ و ٣١ كانون الاول ١٩٤٧…؟

الثلاثاء الموافق ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٨

الجَوُّ مُشْمِسٌ في هايد لبيرغ هذا الصّباح .

أنا الآن في غُرْفة الإنتظار بإنتظار إستدعائي إلى غُرْفة فَحْص السَمَع .

بعد إجراء الفَحْص ومُقارَنته مع نتائج الفَحْص الذي تم إجراءه في العام ٢٠١٥ في المايو كلينيك Mayo Clinic ، توصل الطّبيب المختص إلى عَدَم وُجود إختلاف يُذْكَر أو له قِيمه بين الفَْحصين بما يُشير الى أن الكيموثيرابي عدد (٢) الشديدين الذي تَعَرَّضتُ لهما ما بين أيلول وتشرين الثاني من العام السابق ( ٢٠١٧) لم يتركاً أثراً يُذْكَر على حاسة السمع.

تلك أخبار رائعة لهذا اليوم ..!

عِندَما أخْبَرته أنّه وفِي الساعات الأولى من صباح هذا اليوم ، وَلَمّا كُنتُ لا أزال في السّرير ، وغَيَّرت وضعية النَّوْم من النّوم بالإستلقاء علىالظَّهْر الى النّوم على الجانب الأيمن من الجسم ، لَاحظتُ حُصول ” حالة دَوَران ” شَديده في كل ما حَوْلي وِلمُدِّة ثَوانٍ ،… وأنَّ هذه الحالة لم تتكرر بعد ذلك ، ….

عَزا الفاحِص هذا الأمر لعوامل أُخرى لا علاقة لها بالأُذن ،… مثل ضَغْط الدم.

هل هذا صحيح ….؟

لا أعرف ….!

سَأترك هذا الأمر لنِقاشه مع البروفسور عندما ألتقي به يوم الخميس القادم .

ماجِدة، سَيِّدة فاضِلة مُقيمة في دُبَي ، أَرسلتُ لها بالخَطَأ عَدداً من اليوميات التي أكتبها على إعتبار أنها الصديقة المناضلة ماجِدة المصري المُقيمة في نابلس حالياً ، والتي تَمتَدُّ معرفتنا الوثيقة بها الى أيام التفرغ النضالي ما بعد سقوط باقي فلسطين في أيدي الإحتلال الصهيوني في العام ١٩٦٧، ومنذ تركت دراستها الجامعية لتتفرغ للنضال أيضاً، وكانت في تلك الفترة مُقيمة في عمّان ،…!

تَفاهمنا بعد ذلك حول المُلابسات المُتَعَلِّقة بهذا الأمر ، وتَبَيّنَ أَنّها تعرف ماجدة ، صَديقتنا ، وبَقَي التواصل على “الواتس أب” بيننا قائماً.

عَلَّقَت ماجدة على الخلاف بيني وبين هِبة المُتَعَلِّق بإستعمال مُصْطَلح ” سَمبوسَك ” والذي ورد ذِكْرٌ له في يومية الأحد الماضي ، وقالت بعد أن إختارت الإصطفاف مع هِبة :

“سلام عبد اارحمن….

……على فِكْره عبد الرحمن ، ..قَوْل هِبه في تَسميه فَطاير السبانخ “. فَطاير ” ، وليس سَمبوسَك ، على الأغلب صَحيج…! لأن السَّمْبوسَك الذي كان تَعمله أُمَّيَاتنا ؛كبير ، و ‘مُسَقْسَق’ بالزّيت ، ويُخْبَز في فُرْن البَّلَد ، ويُعْتَبَر وَجْبه رئيسيه على الغَذاء” ، وقالت :

“والدي ، الله يرحمه ، وكان ذَوّاقاً بالطّعام ، عندما كانت أُختي تَعْمَل ‘ فَطاير السّبانخ ‘ صَغيره ،كان يُقُول لها ؛ هذا بَسْكوت وكَعِك ، مو سَمْبوسَك”

في يَوميات اليَومين الماضِيين ، غَطّيت قَدْراً من الأحداث التي حَصَلت في فلسطين بعد صدور قرار التّقسيم وحتى تاريخ ١٧ كانون أول ١٩٤٧.

وفِي هذه اليومية ، سَنَسْتكمل الإبحار في مياه ” ديسمبر ١٩٤٧ ” … لنرى كيف سارت الأمور ، وإلى أين كانت تَتَّجِه ، ومن المُفارقة أنْ يَتَصادفَ هذا الإبحار مع دخول مَرْبَعانية فصل الشِّتاء ذاك بما تَضَمَنَته من عَواصِف وزَوابع وأمطار وبَرْد وصَقيع …!

فَبَعد إنتهاء إجتماعات اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في ١٧ كانون أوَّل ١٩٤٧، والقَرارات التي تَبَنَتّها اللجنة بالعمل على حَشْد وتَوفير إمكانات عسكرية (ما؟!) لمُواجَهة مُحْتَملة في فلسطين ، إستَمَرَّت المُنَظَّمات الصّهيونية المُسَلَّحة في شَنِّ عمليات إرهابية – وِفْقَ الخُطّة (ج) على مبدأ ” الدِّفاع الفعّال ” – في أنحاء مُخْتَلِفة مِنْها .

وفِي إطار هذه الإستراتيجية ، فقد نادى بن غوريون في ١٩ كانون اول ١٩٤٧ بإتباع ” سياسة هُجومية في الصِّراع المتنامي مع العرب “، أي الإنتقال الى العمل بموجب مُقتَضَيات الخُطّة ” د” ( دالت ) الرامية الى بَثِّ الذعر في أوساط السُّكان المدنيين ودفعهم الى الفرار من دِيارهم.

ففي الساعة التّاسعة من مَساء يوم ١٨ كانون الأول ( ديسمبر ) ١٩٤٧، دَخَلَت قرية ” خصاص ” الواقعة في قضاء صفد بالقُرْب من الحُدود اللُّبنانية السورية ، سَيارتان مُحَمَّلتان بِعَدَدٍ من إرهابيي “الهاچاناه”، وبَدَأوا بإطلاق الرصاص ورَمْي القَنابل على سُكّانها ، مما أدى الى مَصْرَع عَشْرة مدنيين فلسطينيين.

وعَاوَدَ المُهاجِمون دُخول القرية في اليوم التّالي ، أي في ١٩ كانون أول ، حيث قاموا بنسف بيت المُختار بالديناميت ، وقد أفضى ذلك الى مقتل خمسة أطفال من الفلسطينيين العرب .

لم يكن قد مَرَّة على صدور قرار التقسيم الا ثلاثة أسابيع فقط ،…!

لقَدْ دَفَعَ هذا الحادِث والتَّطَوُّرات المُتَوَقّعة الى أن تقوم الحُكومتان اللبنانية والسورية بالطَّلب من ” الهيئة العربية العليا لفلسطين ” مُخاطَبة السُّكان ، وتَحذيرهم من مُحاولات المنظمات الصهيونية الرَّامية الى إرهابهم بقَصْد دَفْعِهم للهِجرة من قُراهم . وكان ذلك في يوم ٢١ كانون أول ١٩٤٧.

أما في النَّقَب ،فقد كانت جَماعة من الفلسطينيين قد قامت بِمُهاجَمِة مُسْتَوطَنة صَهْيونية هُناك ، وتم ذلك في يوم ١٨ كانون اْول ١٩٤٧،….

ولكنْ ،…مَنْ تَصَدّى لهذه العَمَلية …؟!

لقد تَصَدَّت للمُهاجمين طائرات من سلاح الجو الملكي البريطاني ، وعَمِلَت على طَرْدِهم من مَواقِعِهم حَوْل المُسْتَوْطَنة.

أما إرهابيوا منظمة “الإرغون” ، فاختاروا قَرْيِة ” قَزازة ” الواقِعة في قَضاء رام الله هدفاً لهُجومِهم ،بقَصْد تَخويف سُكانها ودَفْعِهم للهِجرة ، وَقَدْ تَمَّتْ الإغارة على القَرْية في يوم ٢٠ كانون أوَّل ١٩٤٧.

أما قرية ” خِرْبِة عَزّون ” ( تبصر ) الفِلسطينية المُقيمة بوَداعة في حِضْنِ السَّهل السَّاحِلي في الجَنوب الغَرْبي من مدينة طُولكَرِم بالقُرْب ِ من قَلقِيليه ، والتي كانَ قد تَمَّ في العام ١٩٤٦ تَطْويقَها بالمُسْتَوطنات/ المُسْتَعْمَرات ، وحيثُ أُقيمَتْ على جُزْءٍ من أراضيها مُسْتَوطنة ” باتسرا ” في عام ١٩٤٦ في شمال القرية ، ومستوطنة ” رعنانا ” على أراضٍ تقع جنوبي القرية ( في العام ١٩٢٢) . وتنفيذاً لمُخَطَّط زَعْزَعة إستقرار السكان وُفق مُتطلبات الخُطّة الصهيونية العُنْصُرِيّة(ج) ، فقد أَطْلَقَ الإرهابيون الصهاينة من هاتين المستوطنتين تَهديدات مُتواصلة لسُكَّان القرية ، مما أدى الى إضطرار جُزْءٍ مِنهُم للفَرارِ منها يوم ٢١ كانون أول ١٩٤٧ خَوْفاً من هُجوم إرهابي صهيوني وَشيك عليهم .

أما سُكّان قَرية ” المَسْعودية” ( صُمّيل )، وهي تَتبع قَضاء يافا ، وتقع في بُقْعَةٍ فيها تَواجُد صَهيوني كَثيف ضِمْنَ المَنطِقة المُخَصّصة لإقامة “الدولة اليهودية” في قرار التقسيم، فَقّد تّمَّ إحتلال قريتهم يوم ٢٥ كانون أول ١٩٤٧ ، – بعد قيام إرهابيوا المُنظمات الصَّهيونية المُسَلّحة من المُهاجِرين اليهود الذين سَمَح صَكّ الإنتداب بهِجرَتهم إلى فلسطين – بتوجيه تَهْديدات مُتواصلة لسُكّانها، وتهديدهم وإرعابهم لمُغادرتها للمُحافظة على حَياتهم.

تحت وقع اعمال التهديد والارهاب ، اضطرَّ جانب كبير من سكان القرية في المرحلة الأولى الى الفرار واللجوء الى قرية ” جَماسين “المُجاوِرة .

دَفَعَ تطور الأحداث، إلى أن تقوم منظمة “الإرغون” بالإعلان في ٢٨ كانون أول ١٩٤٧ عن أنها تقوم بإجراء مباحثات مع “الهاچاناه” بصدد تشكيل ” الجبهة المُتَّحِدة ” للتَّصَدّي للتَّحَدِّيات المُقْبِلة .

وقد تَدَهْوَرت الأوضاع بصورة حادة في اليومين الأخيرين من العام ١٩٤٧، حيث تَوَّجَت منظمة “الإرغون” إرهابها بالقيام بعمليتين إرهابيتين كبيرتين :

•الأولى ؛ في باب العمود في القدس حيث قام إرهابيوا “الإرغون” بإلقاء قنابل يدوية على حَشْد من الفلسطينيين من سكان المدينة مما أدى الى مَقتل سبعة عشر مدنياً. وتمّت هذه العملية في يوم ٣٠ كانون اول ١٩٤٧.

•الثانية ؛وقد حَصَلت أحداثها في ٣١ كانون أول ١٩٤٧،وكان مَسرحها مِصفاة النّفط في مدينة “حيفا” ، حيث ألقى إرهابيوا “الإرغون” قُنْبُلة يَدوية على تَجَمُّع من العُمّال الفلسطينيين أدى الى مقتل ستة عمال فلسطينيين وجرح (٤٢) عاملاً.

وكان رَد فِعْل العُمّال الفلسطينيين في المِصفاة شديداً ، حيث إنتقموا لضَحاياهم وقَتلوا (٤٢) عاملاً يهودياً كانوا يَعملون في المِصفاة .

وفِي نفس اليوم الذي شَنَّت فيه ” الإرچون ” هجومها الإرهابي على العمال الفلسطينيين في مصفاة حيفا ، قامَت وِحْدة من إرهابيي “الهاچاناه” في ٣٠ كانون أول من العام ١٩٤٧، بمهاجمة قرية ” بَلَد الشّيخ ” القَريبة من “حيفا” وقَتَلت (٢٧) من سكانها وجرحت (٣٣).

وفِي ضوء تَدَهْوُر الأوضاع في “حيفا” وفِي “يافا” و”القدس” في منطقة وسط فلسطين ، إضطرَّ ” عَرَب البلاونة ” الذين كانوا يعيشون في مُحيط مُسْتوطنة نتانيا –التي أقامها المُهاجِرون الصّهاينة على أراضي قرية “أُم خالد” الفلسطينية في العام ١٩٢٩– في مناطق كانت تحت سَيْطَرة المُستوطنين الصّهاينة ، إلىالفَرار باتجاه شَرقي البِلاد للمحافظة على حياتهم من تَهديدات إرهابيي المُنظمات الصهيونية .

وهكذا ، نرى أن الشهر الاول قد أخذ يَشهد تحت وطْأة وتصاعد العمليات الإرهابية الصهيونية المسلحة حركة فرار مَحدودة لبعض سكان عدد من القُرى القريبة من المُستوطنات الصّهيونية .

كان الفرار بقصد اللوذ بالحياة والبحث عن الأمن ، والذي كان سلطات الإنتداب البريطاني قد تَنَطّعت وحملت على عاتقها عبء القيام به تجاه سكان فلسطين المدنيين ،…!

هذه الحركة السكانية التي حصلت خلال الشهر الاول في فلسطين بعد صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ ،..لم يكن الى خارج فلسطين ، وإنما الى قرى ومناطق داخل فلسطين…!

بهذه الحصيلة من الأحداث ، نكون قد خَتَمنا بإختصار أهم وقائع ما حَدَثَ في الشهر الأول بعد صدور قرار التقسيم .

للأسف ، وقائع وتفاصيل ما حصل خلال هذه الفترة لم تُكْتَب فلسطينياً بعد…!

وللحديث بقية ….؟