الثلاثاء الموافق ١٣ شباط ٢٠١٨
إضْطَررتُ ليلة أمس للإستعانة بـ ” حَبِّة مُنَوَّم ” كي أنام ،.. فقد كان لـ ” الدَّوْخة ” التي لازَمَتْني طيلة يوم أمس ، وألزَمَتْني السَّرير خلال النهار عِدة مراتٍ ، نِمتُ فيها بعض الوقت ، أقول ، فإنَّ ذلك قد تَسَبَّبَ في تَقَطّع نَوْمي بِداية الليل …
وفِي الصّباح ،… أخْضَعتُ نَفْسي لإختبارات للتًأكد فيما إذا كانت “الدَّوْخة” ما زالت تُفَضِّلُ ” مُصاحَبَتي ” ليوم ٍ آخر أم لا ،…! ، ولِحُسْنِ الحظ، وَجَدْتُني وحيداً على السّرير عندما إسْتَيْقَظْتُ ،بعد أن هَجَرَت ” الدَّوْخة ” سريري سِرّاً وأنا نائمٌ عليه،… !
“جَبانةٌ” هذه ” الصّّاحبة ” ، ولا يُؤتمن لها …! ، فَحَسَناً فَعَلتْ في أنّها لم تَجِدْني فَتىً ” مُثيراً”،…!
أما ” عُكّازتي ” الجميلة ، فَبَقِيتْ رابِضةً قُرْبَ السّرير ، تَشْعُرُ بالوِحْدة هذا النّهار … ، فلم أشعر خلاله أني بحاجةٍ لإستعمالها .
غِبْتُ يومين أو أكثر عن أحداث عام ١٩٤٨ في فلسطين ، وأشعر أنّي أَطَلْتُ الغِياب . ومع أنَّ لديَّ الكثير مما أود أن أطْرّحة وله علاقة براهنِ هذه الأيام وأحداث السّاعة ، إلا أنني حَسَمْتُ أمْري وقُلتُ لنفسي :
عُدْ، فالعود أحمد يا ” عَبِدْ “.
على الأقل ، فإنَّ ” حَقّ العودة ” الى الكتابة هو أمرٌ أمْلِكُ زِمامَه بيداي الإثنتين وأتمسَّك به بأسناني ، وحَقّي هذا غَيرُ صادر عن “الجمعية العامة للأمم المتحدة” ولا يَحمِل رقماً منها …!
كُنّا في يومية ” الجمعة ” في التاسع من شباط ٢٠١٨ ، قد إستكملنا تَغطية أحداث آذار ١٩٤٨. ولدى مُراجعتي لـ “أوراقي” القديمة ، وما سَجّلته في الـ ” IPad “ الخاص بي مِنْ وَقائعَ عن تلك الفترة ، وَجَدتُ من المُفيد أن أنقلَ للقارئ بعض المعلومات الإضافية، التي تَجْعَلَ أمْرَ بِناء تَصَوُّرٍ واقعي في مُخَيَّلَته لما كان يَحدُث في تلك الفترة سَهْلاً وغَيْرَ صَعب .
فالمُّخَيّلة تَملِكُ مُقَوِّمات بالِغة الأهمية ، فَمَشروع إقامة الكِيان القَوْمي اليهودي ، بدأ فكرةً في ” مُخَيَّلة ” ثُيودور هِيرتزل ، الصَّحَفي العَلْماني المُقيم في باريس ، عندما أنهى في حزيران ١٨٩٥ كِتابةَ كِتابِهِ ” دولة اليهود ” ونَشَرَه في شباط ١٨٩٦.
ولأن الشيء بالشيء يُذْكَر ، فإنَّ هذا الكتاب والذي شَكَّل مَرْجِعَ أو دُستور الحَرَكة الصّهيونية في بناء مشروعها لإقامة ” وطن قومي ” ليهود العالم ، ونُشِرَ في شباط ١٨٩٦ ( إي في أواخر القرن التاسع عشر )، فإنَّ ترجمته للعربية ونَشْرِه بهذه الّلغة لَمْ تَحصل إلا في العام ١٩٩٧ فقط، أي بعد قرنٍ من الزمان على إصدار الكتاب ونشره.
وهذا الكِتاب ، كان الأساس الذي إعْتَمَدَ عليه “هيرتزل ” في الدّعوة لعقد المُؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا في ٢٩ آب ١٨٩٧. أمّا كيف فات على المُفَكِّرين والمُترجمين الفلسطينيين والعرب ، وكذلك على مُؤسسة الدراسات الفلسطينية تَرْجمة الكِتاب في وَقت ٍ مُبَكِّر -وكان أَحَدُهم وهو العلاّمة “عادل زعيتر” قَدْ تّرجم أُمّهات كُتُب مَرْحلة التّنوير في أوروبا خلال الرُّبع الأول من القرن الماضي – فهو أمْرٌ غير مَفهوم .
وإني لأعترف بأنَّ قِرائتي للتّرجمة العربية لهذا الكتاب كانت قبل عدة سنوات فقط، أي في القرن الحادي والعشرين ، وهذا تَقصيرٌ فادح ، وقد أتاح الصديق عبد الله حمّودة لي فُرْصة الحصول على النُسْخة المُتَرْجَمة منه، وصديقي عبدالله يَمْلِك في مَكْتَبِه في عمَّان ” مكتبةٌ ” غَنيِّة بالكُتُبِ والوثائق الغالِية والنّادِرة عن القَضية الفلسطينية والقضايا القومية .
بَعد قِرائَتي للنُّسخة المُتَرْجَمة من ” دولة اليهود “، تساءَلتُ ، كَيْف َ لأيِّ امْرِىءٍ مُهتم بالقضية الفلسطينية أو يُتابع تَطوراتها أو يَشْتَغِل في شؤونها أو يُناضل في سبيلها ،… كيفَ له أنْ لا يكون قد إطّلع على الكتاب الذي مِنْ بَيْنِ حيثياته وُلِدَ مَشروع إقامة دولة الكيان والتي كان “هيرتزل” قد دَعى لإقامتها ليس بالضرورة في فلسطين ، ولكن في أي مكان في العالم –وذكر على وجه التحديد إقطاع اليَهود أراضٍ فارغة من السكان في الأرجنتين – ….
أتساءل بِحُرْقة ونَدَم : كَيْف …! ؟
لقد وَصَفَ “هيرتزل” المشروع الذي يَدعو لإقامته وَصْفاً تَفصيلياً ، وتَحدَّث عن بَواعِثه ، وآليات تنفيذه ،… وكان يَمتلِك وُضوحاً في الرُّؤية لأهمية إستحواذ رعاية دولية أو على الأقل رعاية ” دَوْلة عُظْمَى ” للفِكْرة كي تَتَحَقّق ، وذلك إذا لم يكن بالإمكان شِراء فلسطين من ” السُلطان العثماني ” أو إقناعه بالسَّماح للحركة الصهيونية بإعادة ” توطين ” يهود العالم فيها، وبالطّبع مقابل إغراءه بقيام الحركة الصّهيونية بشراء دُيون الأمبرطرورية العثمانية أو جُزْءاً كبيراً منها …!
المعلومات التي أرى أن لها أهمية أن تُذكر وأن َيعرفها القارِىء ، عَديدة ، وأهمها :
• حول مُشكلة كَثْرِة السُّكان العرب في الدَّوْلة اليهودية المُقْتَرحة في “قرار التقسيم” رقم ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ ، يقول ب. مايكل في كِتابه الأسرار المُذْهِلة للكارِثة الفلسطينية “، بأن القائد الصّهيوني المَعروف “مَناحيم يُوسيشكين” في حديثه مع أعضاء اللجنة التنفيذية “للوكالة اليهودية” كان يَعتَقِد بأنَّ حَل هذه المُشكلة يَكمُن في أنْ يَطْرُد الجيش البريطاني “هؤلاء العرب” ( أي الفلسطينيون العرب) قبل إنشاء الدَّوْلة اليهودية . ومن أجل تحقيق ذلك، يحتاج البريطانيين إلى شيئين :
- أولهما القَبْضَة البريطانية القَوِيّة
-
وثانيهما أموال اليهود. “
ويقول، بأنَّ الفلسطينيين ” يمكن إرغامهم قَسْراً على تَرْكِ بُيوتهم وإقامتهم على أرض يمكن تأمينها وشراءَها لهم ، إما في ‘شرق الأُردن’ أو ‘العراق ‘ أو ‘السعودية’ ” .
ويُضيف : ” إِنْ كُنتُم تَرْغبون في التّوسع ، فلا يجوز أن تزيدوا أعداد السكان ‘غَرْبِيِّ الاردن’ “.
كان “مناحيم يوسيشكين” يُؤْمِنُ بشِدَّة بالحَقِّ اليهودي في تملك “جميع أراضي فلسطين” ، وأنَّ إعتقاده هذا نابٌع من “التوراة”، وكذلك من الوُعود التي قَطَعَها البريطانيون لهم .
• يقول بن غوريون في يَومِيّاته إلى أن جنود “الفيلق العربي” (الأُردني) الذين كانوا يُرابِطون في بيت نبالا في فلسطين كجزء من قُوَّات الأمن البريطانية في فلسطين ، فَتَحوا النّار في يوم ١٥ كانون أول ١٩٤٧ على قافِلة من المُستَوطِنيين كانت مُتَّجِهَة الى مُستوطنة / مُستعمَرة ” بن شيمن “، وأنَّ ذلك قد أسفر عن مَقتل (١٥) من أفراد القافلة.
• في العلاقة بين العَرَب الفلسطينيين واليهود في “حيفا” ، يَذْكُر الدكتور ب. مايكل في كتابه الأسرار المُذْهِلة للكارِثة الفلسطينية أن ما أسماه بـ “الجَاليتين العَرَبية واليَهودية” في “حيفا” قد أخذتا في كانون أول من العام ١٩٤٧(أي بعد شَهر من صدور قرار التقسيم ) في “الإنعزال بَعْضَهما عن بَعْض”.
ويقول أنَّ ” لُجنة قَوْمِية عَرّبية مَحلية ” قد تَشَكَّلَتْ للإشراف على مُعْظم المَهام الحكومية في الأقسام العربية من المدينة.
ويُضيف بأن القوات العسكرية العربية في “حيفا” كانت بقيادة أحد ضباط الجيش العربي الأردني السابقين المُتَمَيِّزين وهو القائد ” محمد أحمد الحنيطي “( ابن منطقة أبو علندا في الاردن) .
وَمِمَّا يَجُدَر أنْ يُذْكَر أنَّ هذا القائد قد إستشهد بكمين نَصَبَته “الهاچاناه” لَه في ١٧ آذار ١٩٤٨ بالقرب من “حيفا” وهو في طَريق عَوْدَتِه من “لُبنان”إالى “حَيفا” على رأس قافلة أسلحة وذخائر للدفاع عن “حَيفا” .
• في موضوع مأْسَسِة الحياة السياسية في البلاد في مرحلة ما بعد صُدور “قرار التقسيم” رقم ١٨١ ، فإنَّ الاستاذ ” محمد خالد الأزعر ” يَقول في كَتابه ” حُكومة عُموم فلسطين ” بأن “الهيئة العربية العليا لفلسطين ” أصدرت في كانون الأول من العام ١٩٤٧بياناً إعتمدت فيه إنشاء ” نظام سياسي ” في البِلاد يَقوم على مبدأ تحقيق التمثيل الصّحيح ، وأنها بدأت ذلك بتشكيل ” الُّلجان القَوْمية “، و ” إدارة قَوْمِيّة لفلسطين بأكملِها ” مُؤَلَّفة من : “رئيس أعلى” ، و “مَجلس وطني عام ” ، و ” مَجلس تنفيذي ” له ” رئيس مسؤول ” يَنال ثقة ” المجلس العام “.
وإلتزَمَتْ “الهيئة” بالعمل على تحقيق هذه الترتيبات التنظيمية خلال الأشهر الاولى من العام ١٩٤٨.
• ويَقول أيضا في كتابه المذكور اعلاه ، بأن “الهيئة العربية العليا لفلسطين” قَدَّمَت لمجلس “جامعة الدول العربية” في شباط ١٩٤٨ مُقْتَرَحاً مُفَصَّلاً يَتَضَمَّن تَشكيل “حكومة فلسطينية” تَتولى شُؤون “الإدارة العامة في فلسطين” بعد إنتهاء الإنتداب البريطاني عليها في ١٥ أيار ١٩٤٨، وورد في المقترح ما يلي :
” إستناداً إلى ما تَتَمَتّع به من ثقة الشعب الفلسطيني، والإعتراف البريطاني والدولي ( الأُمم المتحدة ) ، يمكن لـ “الهيئة” أنْ تُقيم نِظاماً مُؤقتاً للبلاد بإسم الإدارة الفلسطينية العامة ، ويتم إعلان فلسطين ‘دولة مستقلة ديمقراطية’ في ١٥ أيار ١٩٤٨، وتكون هذه الإدارة مُتَمَتِّعة بجميع السلطات التي تتمتع بها الحكومات الديمقراطية المُسْتَقِلّة وُفقا لدُستور يتم إقراره “.
” وتكون مهمة الإدارة الفلسطينية العامة المُحافظة على الأمن والنظام ، وتأمين حُقوق السُّكان ومصالحهم ، وتسيير دفة الخدمات العامة والدوائر الرسمية . وتعمل على إحترام حقوق الأقليات ومصالحها والمحافظة على حرية العبادة والشعائر الدينية لجميع الطوائف ، وحماية الأماكن المقدسة وتأمين زيارتها للجميع “.
” وعند توفر الفرصة المناسبة، سَيُدعى ( سُكّان )البلاد الى إنتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور لدولة ديمقراطية مستقلة يتم خلالها اختيار نوعية الحكم “.
ويقول الكاتب بأنَّ الجامعة العربية رَفَضَتْ فِكْرِة الإدارة هذه بزعم “أنها سابقة لأوانها”.
• وفِي نيسان ١٩٤٨، يقول محمد خالد الأزعر في كتابه ” حُكومة عموم فلسطين ” بأن “الهيئة العربية العليا” لفلسطين ، كررت الطّلب الى “جامعة الدول العربية” المُوافقة على فكرة “الإدارة الفلسطينية العامة”، إلا أن “الجامعة” كَرَّرَت مَوْقفها بالرَّفض. كما رَفَضَتْ إقراض “الهيئة” مبلغاً من المال لتتمكن من القيام بواجبات “الإدارة المحلية” المُقْتَرَحة سابقاً ، أو حتى لمواجهة النفقات على منكوبي الأحداث في فلسطين.
• ويقول ب. مايكل انه وفِي ٣٠ آذار ١٩٤٨ ، فإن “الهيئة العربية العليا لفلسطين ” وَجّهت بياناً إلى المُستخدَمين في فلسطين ” بالبقاء في بُيوتهم والمحافظة على الأثاث والمُمْتلكات والوثائق التي عُهِدَ بها اليهم “.
وأنّه وفِي اليوم التالي ، أي في ٣١ آذار ١٩٤٨ ، أعلنت “الهيئة” أنّها ” تُخَطِّط لنَقلِ قيادتهاإالى فلسطين من أجل الإعداد لعَوْدة المُفتي إلى وطَنِه.