الجمعة الموافق ١٦ شباط ٢٠١٨
على قِمِّة تَلَّةٍ لا تَبْعُد عن القُدْس أكثر من ميل ، هناك تَرْقُد القَرْية العربية الفلسطينية التي حَمَلت من التراث اسم ” دَيْر ” ومن سكانها الإسم العربي الدارج ” ياسين ” .
تَغَزَّل َ “ب. مايكل” بقرية ” دير ياسين ” الفلسطينية الوادعة عندما وَصَفَها في كِتابه ” الأسرار المُذْهِلة للكارثة الفلسطينية ، فقال : هي قرية ” ذات صورة زاهية، وذاتْ طابِع شَرْق أوْسَطي جَميل” و ” أكواخ مُنْبَسِطَة السَّطْح ” ” مَبْنِيّة في صُفوف ٍ ” ” لَوَّنَت الشَّمْس حِجارَتها “و” قد إشْتَهَرَت بأشجار المِشْمِش والزَّيتون والعِنَب “.
مَوقِع القرية الإستراتيجي بالقرب من “القدس” وفِي ضواحيها الغربية ، وكونها تتربع على قِمّة تَلّة ، وَسْطَ مَنطقة تَعِجُّ بمُستوطنات/ مُستعمرات مُجاوِرَة ، جَعَلَ منها هَدَفاً مغرياً لشذوذ الإرهابيين الصّهاينة ، الذين أخذوا عن صانعي المحرقة النازيين أسوأ ما لديهم ، فقاموا في التاسع من نيسان ١٩٤٨ بتنفيذ ” بروڤة ” لما تَلَقّوه أو تَعَلّموه، أو شَاهدوه أو عايَشوه في معسكرات الإبادة في أُوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية ، على سكان تلك القرية الجميلة الوادعة ، والتي كانت تربط سُكانها بالسُّكان اليهود لبعض المستوطنات المُجاوِرة عَلاقات ووَشائِج إنسانية ، ومُعامَلات تِجارية ،… وَلَمْ يَشفع ذلك البُعْد لسُكّانها من تَلَقّي سُوء العَذاب وأهوال الموت على يد الإرهابيين الصّهاينة القَتَلة من أعضاء منظمات “الإرغون” و “شتيرن” ، و”الهاچناه” الصهيونية الإرهابية …!
رُؤوس التِّلال هي مناطق يَسيلُ لها لُعاب مُخططي الإستيطان الصّهاينة في فلسطين .
على قِمَمِها يَجب أنْ تُقام ” مُستوطناتهم “(مُستعمراتهم) فقط . وتحت رَحْمَتها ، يجب أن تَبقى قُرى وأحياء أهل البلاد الأصليين . تلك هي القاعِدة ، التي عَمَدَ قادة الإستيطان على إحترامها في عملية إستيطان/ إستعمار فلسطين والإستيلاء عليها .
ولأنَّ القرية ، تَجاوَزت ما تَسمح به تلك القاعِدة ، فهي إذن ، هدفٌ مَشروع ” للإبادة ” ، وسُكَّانها ” للذَّبْح والمَوْت قَتْلاً ” بدمٍ بارد.
قبل أسبوع فقط من التاسع من نيسان ذلك العام، كانت أخبار ما حَصَلَ في قَرْية “القَسْطَل” تَتوارَد بإنتظام إلى “دير ياسين” ويَتَناقَلها سُكّانها.
كانت “القَسْطَل” على بُعْدِ كيلومتراتٍ ثلاثة فقط من “دير ياسين” ، وكانت أصواتُ المَدافِع و صَلْيات الرّصاص ، وتَفجير المنازل ، تَصِل إلى مَسامع سُكّان ” دير ياسين” ، لا بل أنهم شاهدوا فَرار دَفَقَات من القَرَوِيّيين البُسَطاء من القرية حتى أنَّ بَعضهم وَصَلَ إلى “دير ياسين” ذاتها .
لَمْ تَكُنْ القرية ، كغيرها من القُرى العربية في فلسطين مُحَصَّنة ضد الهَجَمات ، فلا خَنادق تُحيطُ بها ، ولا أسلاك شائِكة ، وكانت، لا هي ولا غيرها من القُرى العربية الفلسطينية ، مُجَهَّزَة بمَخازن الغِذاء في حال الحِصّار ، ولا تملك خُطوط دِفاع أُسوة بالمستوطنات/ المستعمرات التي كان الصهاينة المهاجرون يُقيمونها في فلسطين …! كان فيها قَرَويون بُسطاء طَيِّبون يَحمِلونَ بَنادِق قَديمة ، للحِراسة والدِّفاع عن النّفس ، لا لصد هُجوم من مُحتَرِفي القتل والإرهاب.
وتنفيذاً لأوامر القيادة الصهيونية ، تمَّ تَشكيل قوة إقتحام صَهيونية للقَرْية مُؤلفة من (١٢٠) فرداً ، كان العَمود الفقري فيها من إرهابيي “الإرغون” بمشاركة إرهابيين من “شتيرن” ، وبمعرفة “الهاچاناه” ودَعْمِها، وتَمَّت العملية بقيادة قائد الإرغون ” بنزيون كوهين “.
وكما يقول “ب. مايكل” في كتابه ، كان ضمن أفراد تلك القوة جُنْدي من الهاچاناه هو الشاب ” مئير بائيل ” .
يقول “ب. مايكل” ، أنَّ الهجوم على القرية بَدأ في الساعة الرابعة والنصف من صَباح يوم الجمعة ٩ نيسان ، و” أنَّ عَرَبة مُكَبِّر الصوت ( التي كانت ضمن قافلة القوة المُهاجِمَة ” قد تَوَقَّفَت في حُفْرة ، وكان لا بد من تَرْكها و(تنفيذ) الهجوم دون إنذار ،..” .
وعندما إكتشفَ أحد حُرّاس القرية مَواقع ” الإرهابيين ” ، أطلقَ النار من بُنْدُقِيّته ، وصاح : ” اليَهود قادِمون “.
ويُضيف الدكتور “مايكل” في كتابه، أن ‘ بائيل ‘ لاحظَ أنَّ “الإرهابيين” قد تَمَكنوا فقط من إحتلال النِّصف الشرقي للقرية ، ولم يستطيعوا إحتلال الجزء الغربي الأعلى . وأنه ” كان هناك ١٠- ١٢ عربياً يُطْلِقون النّار عليهم بإستخدام البَنادق فقط ، وَلَمْ يَسْتَخْدِموا أسلحة أوتوماتيكية ، وحاصَروا الإرهابيين في النِّصف الشّرقي ” من القرية.
ويّسْتَطرِد قائلاً ، أنّه ونَظَراً للمُقاومة التي أبداها رجال القرية والإصابات التي لَحِقَت بالقُوَّة المُهاجِمة ، فقد طَلَبَ قائد العملية من قائد إحدى سرايا “البالماخ” ( من وحدات النُّخبة في قوات “الهاچاناه”) – وهي تُعَسْكِر في قاعِدة قريبة – مَدَّهُ بالمُساندة والدّعم . وقد إستجاب ذلك القائد للطَّلبِ بإرسال فَصيل من رجاله بقيادة ” ياكوف ڤاج ” ، حيث تَمَكَّنَت السَّرَيّة من إحتلال بقية القرية بسهولة.
ويقول أيضاً ، أن رجال عصابتي “شتيرن” و”الإرغون” قاموا إثر إحتلال القرية بـ ” نسف أكثر من (١٥) بيتاً فيها ، وإستهدفوا أيضاً ” دار مُختار القَرْية ” ، وقاموا بنَسْفِه ، وأنه عندما نُسِفَ البيت ، ” قُتِلَ العديد من الناس الذين كانوا فيه ( مُختبئين) ، ولكنَّ إبنة المُختار كانت أسْعدُ حظاً ، إذْ لَجَأت إلى أَتون ( فُرْن )القَرْية الذي نجا من ديناميت “الإرغون” بسبب بابه الحديدي الثقيل ” .
حاول الإرهابيين ” خِداع السُّكان” بتوجيه نداء يقول :
” أُخرجوا ، ولا يُوجَد خَطَر ،
ولكن إبنة المُختار أدْرَكَت أنَّ النداء كان يُلْفَظ (بالعربية) بِلَكْنَةٍ أَجْنَبية ، (وحاوَلَت تَنبيه بعض السُكّان) .
ومع ذلك ، فإنَّ كثيراً من سُكّان ‘ دير ياسين ‘ عَجِزوا عن حِماية أَنْفَسهم من الإرهابيين” .
ويقول ، بأن الفريق السير “غوردون ماكميلان” وهو أحد قُوّاد القوات البريطانية في فلسطين قد أخبر المَندوب السامي البريطاني السير “ألاَنْ كِننغهام” الذي طلب إليه التّدخل لدى إبلاغه عن مَذْبحة في قرية “دير ياسين”.
غير أنه أخبر المندوب السامي بأنّه “لا تتوفر لديه قوات للتّدخل” .
إثرَ ذَلِكَ ، قامَ هذا الضابط “ماكميلان” بِمُهاتَفة ” أحد ضُبّاط أركانه وهو الجنرال “هوراشيوس مُوراي” ، والذي يَشْغَل موقع قائد المنطقة التي تقع فيها قرية “دير ياسين”، وقال له :
” كان هناك قِتالاً تَطَوَّر الى مَذْبَحة في مكان اسمه ‘دير ياسين’ ، وهو في منطقة فِرْقَتك ، ولذلك ، فأنا أُعطيك أمراً مُحَدَّداً : لا تَتَدخل هُناك أَبَداً مَهما كانتْ الظُّروف ، واتركها وشَأنها….”،
وإستذكر “مُوراي” فيما بعد قائلا : ” بالطَّبع ، نَفَّذْتُ ما طُلِبَ إليَّ “.
تلى السّيطرة على القرية ، وتدمير بيوتها ، تَجميع من لَمْ يتمكن من سُكانها من الفَرار ، وتم إطلاق النار عليهم دون تَمييز .
ويقول “ب. مايكل” ، بأنَّ ” مئير بائيل” ، حاول إيقاف المَجْزَرَة عندما عَلِمَ أنَّ البريطانيين لم يَتَدَخلوا ، وناشَدَ الإرهابيين من الرِّجال والنِّساء الذين شاركوا في المَذْبَحة التَّوقف عن ذَبْحِ المَدَنيين العرب ، وأنَّهم تَوَقّفوا فقط عندما وَصَلَ الى ‘دير ياسين’ سُكّان ( مُستوطنة/ مُستعمَرة ) ‘ جبعات شاؤول ‘ القريبة ” … وأصبحوا يَصْرخون ويَبْكون ، فَتَوَقّفت المَجْزَرة “.
ويقول أنَّ التّقتيل لَمْ يَتَوقف كليا ً ، حيث أوردَ الدكتور “مايكل” في كتابه ( الأسرار المُذْهِلة للكارثة الفلسطينية ) بأن “مئير بائيل” ذَكَرَ ، بأنَّ ” عِصابتي ‘الإرغون’ و’شتيرن’ ، أخذوا بعض الرجال من دير ياسين أَسْرى ، حَمَلوهم في شاحِنات ، وقادوهم في مَوْكِبِ نَصْر كَمواكب النّصر الرّومانية في أحياء ‘ محنه يهودا ‘ و ‘ وزاخرون يوسف ‘ في القدس “.
وحولَ هذا الأمر ، يقول ، بأن الإرهابي “يهودا مارينبورغ ” اسْتَذْكَر المَشْهَد باعتزاز إذْ قال :
” لقد شَجّعَ ظُهورنا السُّكان كثيراً ، وإستقبلونا بالهتاف “.
وقال ” مارينبورغ ” فيما بعد : ” لقد أعْدَمنا الأَسرى “.
ويقول الدكتور “مايكل” في كتابه بأن “مارينبورغ” قال بأن عدد الأسرى كان ثمانية ، أما “مئير بائيل” فيقول بأنَّ العدد كان ” خمسة وعشرون “.
ويقول بأنَّ جندياً مع “بائيل” قد التقطا بعض الصُّوَر ” ولكن ، كما حصل في التقرير الرسمي الذي دَوَّنه ضابط “الهاچاناه” الشاب ، فإن الصُّوَر لا تزال تحتفظ بها الحكومة الإسرائيلية سِراً”.
تتفاوت تقديرات الضحايا من مَصدرٍ الى آخر ، ولكنها وحسب تقديرات “الصّليب الأحمر الدولي” الرّسمية ، فقد بلغت حوالي (٢٥٠) فلسطينيا بما فيهم (٢٥) من النساء الحوامل.
أَقَرَّ “مناحيم بيچن” في مذكراته المنشورة في كتابه المعنون (The Revolt )في العام ١٩٨٣ بالمَذبحة التي تم تنفيذها في ” دير ياسين “، وقال أنه وبدون ما تم تنفيذه في قرية ” دير ياسين” ، فإنه كان من المُمْكِن أن لا تكون هناك دولة إسمها ” إسرائيل ” .
ويستطرد قائلاً بأنَّ فَرار الفلسطينيين العرب من فلسطين بدأ يَحصل بعد تنفيذ تلك العملية . ويضيف بأنه فَرَّ فلسطينيون كثيرون مُنذئذٍ مَذعورين مما حصل وكان الفارّون وهم يهربون يصيحون : ” دير ياسين…! ” .
ومن المُفارقات وسُخريات الأقدار أنْ تُقيمَ الحكومة الإسرائيلية ” مَتْحف ذِكرى المَحْرَقة (الهولوكوست) ” في مدينة “القدس” على مرمى النّظر من القرية الفلسطينية ” دير ياسين ” التي قام إرهابيوا المنظمات الصهيونية المسلحة في ٩ نيسان ١٩٤٨ ( أي بعد أقل من اربعة سنوات من إرتكاب النازيين آخر مذابحهم بحق يهودٍ أوروبييين )بذبح وقتل سُكّانها رجالاً ونساءً وأطفالاً ،ومَسْحِها عن وجه البسيطة ، لا بل وإخفاء إسمها ، وإقامة مُستوطنة لليهود فقط على أنقاض القرية العربية ، وفِي مُحيطها حَمَلت إسم Givat Shaul Beth .
وتُعْتَبر جريمة الإبادة والتّدمير والإخفاء لقرية ” دير ياسين ” العربية الفلسطينية ، “نَموذجاً” إتبعه إرهابيوا المُنظمات الصهيونية المسلحة، وَطوَّروا منه أنماطَاً أخرى إستخدموها في إبادة وتدمير وإخفاء معالم ما يزيد عن (٥٠٠) قرية عربية فلسطينية ، وهي جَريمة تم اقترافها في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ أمام نَظَر العالم والامم المتحدة ، ودوّل مجلس الأمن ، وقُضاة محكمة العدل الدولية ، ومُنظمات حقوق الإنسان الدولية ، ولا زالت مُنذ سبعين عاما ، مَطموسة، غير مَسموح لأحد بِفَتح مَلفّاتها ، ولم تُحَرِّك في الضّمير العالمي ، ولا اليهودي شَعرةً واحدة ذات وزن، وكأن اليهود ” مخلوقات الله”، لهم حُقوق إصطفاها الله لهم على غيرهم من المَخلوقات ، وكأن الفلسطينيون العرب “ليسوا من البشر “، لا بل و “ليسوا من مخلوقات الله الأُخرى ” التي يُعْتَرَفْ بحقوق لها أيضا حُرِم منها فلسطينيوا فلسطين بعد إحتلالها من قِبَل ” بريطانيا العُظمى ” في العام ١٩١٧، وبعد إقامة دولة الأبارتهايد والفصل العنصري على ترابها في العام ١٩٤٨…..! ! !
هذه الجريمة ، لم يُفْتَحْ بَعْد تحقيقٌ دوليٌ بها .
المُجْرِمُ فيها مَعروف ، والضّحية مَعروفة ، وشَواهد الإثبات قائمة تّسْطَع كنور الشمس ، والقُوى التي مَنَحَت ولا زالت تَمْنَح المجرم غِطاءً لجريمته ، بما في ذلك من تواطئوا معه وشارَكوه الجَريمة ، معروفون أيضاً ، بإنتظار أن يَصحوا ضَمير الـشُّعوب التي شارَكت حكومات دولها في الجريمة ، ليُصار الى مُحاسبتها في بلادها ، لا بل وأمام رأي عام دولي، سَيَفيق قريباً،بلا رَيْبَ، من غَيبوبته !
وأما قَدَر الشعب العربي الفلسطيني ، فَيَتَمَثّل في أن يَستمر ، وبالنيابة عن الإنسانية كلها ، وكما يفعل منذ قرن من الزمان ، في مُواجهة الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي العُنصري لفلسطين ، وفي قرع النواقيس ، وتَقديم الضّحايا ، حتى يَصحو الضمير الإنساني العالمي ، وضَمير الأحرار من يهود “فلسطين /اسرائيل ” والعالم ، وتتحقق العَدالة على أرض فلسطين، للفلسطينيين واليهود الأحرار.
يومية هذا اليوم إقتصرت على تسليط بعض الأضواء على ما حصل في ” دير ياسين ” في يوم الجمعة الموافق ٩ نيسان من العام ١٩٤٨.
فَهَوْل المَذبحة التي ارتُكِبَت تَمنعني من تناول أي أمر آخر في هذه اليومية …!