يومية الجمعة الموافق ١ آذار ٢٠١٩
الى الصّديق ” عبد الله بن المُقَفَّع “….!
ما بين ٣ و ٢٧ شباط من العام ٢٠١٩ ،… قَرأتُ يا صَديقي رسالَتك الى الخليفة العبّاسي “أبو جعفر المَنْصور” (أبو جعفر عبد الله المنصور بن مُحمد بن عَلي بن عبد الله بن العباس بن عَبْد المُطلّب بن هَاشم القُرشيّ)، وهي رِسالة كان موضوعها نظام الحكم السائد في ذلك الوقت ، والحاكِم، أي ” الخليفة ” أو ” أمير المُؤمنين ” ورجال الحاكِم والحُكم من الوُلاة والوزراء وكبار المسؤولين …. !
ومع أن رسالَتك للحاكِم قد كَتَبتَها يا “عبد الله” قبل نحو ألف وثلاثمائة وأربعون عاماً ( خلال الفترة الاخيرة من حكم الخليفة ابو جعفر المَنصور التي امتدت ما بين عامي ٧٥٤ و ٧٧٥ ميلادي) ، إلا أن عنوانها ومضمونها يا صديقي لَفَتَ إنتباهي وأثار دهشتي وإهتمامي.
فلم تَخْتَرْ يا “عبد الله” أن تخاطب ” أبو جعفر المَنصور” في رسالة له بعنوان “رسالة الخِلافَة” ، بل إخترت ” رسالة الصّحابة ” عنواناً لها ، ولَم تَقْصُد في” الصّحابة ” هنا ” صَحابة ” الرسول الكريم ، مع أن الكثير من مَسالكِ الكثير منهم، ومواقفهم وأسلوب حياتهم بعد وفاته والخروج من جزيرة العرب الى بلاد الشام والرّافدين ، والبلاد الآسيوية والإفريقية والأوروبية في حَمْلات الفتح ونشر الرسالة والتوسع إعتورتها عيوب هائلة وإستغل العديد منهم المناصب التي تولوها ، وارتكبوا جرائم إقتصادية،و فَساداً ومَفاسدَ كثيرة ،… الإ أنك أَرَدْتَ أن تكون إبن عصرِك ؛ مواطِناً صالِحاً في الدولة العباسية الفَتِيّة ، مارَست مواطنتك بمسؤولية ، فكتبت للحاكم في ذلك الوقت رِسالة وافية ، أخبرته فيها أن صلاح الحُكم لا يكون فقط بصَلاحِ الحاكِم ، وإنما أيضا بصَلاحِ رجال الحاكِم ، وطاقم الحُكم برمته ،…. وجمعت هؤلاء كلهم في بَوتَقَةٍ واحِدة ، وأطْلَقْتَ عليهم إسم ” الصّحابة ” ، لتكون رسالتك للحاكِم شامِلة ، لأنك لا تقصد هنا شُخوصاً مُعَيّنة وسُلوكا مُنحَرِفاً لوالٍ أو مسؤولٍ هُنا أو هُناك ، وإنما لمَنْظومة الحُكْم برمتها ، أفراداً ، ومُؤَسّسة ، ووسائل ، وأدوات ، وأساليب حكم وإنتاج وعلاقات حكم وإنتاج ، …الخ
لا أُخْفيكَ با صديقي ، فقد قرأتُ رسالتك ؛ ” رسالة الصّحابة ” ، أول مَرَّة ، ووجدتني لا أقوَ عن العودة لقرائتها أربعة مرات خلال الشهر الماضي،… !
نعم ، كنتُ أتركها لأعود لها مِراراً،… !
وما أثار إهتمامي يا “عبد الله” أنَّكَ تناوًلت فيها قضايا في صُلْب الحكم في ذلك الوقت ، وهي قضايا غاية في غاية الأهمية ، … و َبِصِفَتِك مُفكراً ، وأحد قادةالفِكْر والرَّأي في عَصْرِك الى جانب مفكرين وأدباء كبار من أمثال “عبد الحميد الكاتب” و “الجاحظ” ، و ” الخليل بن أحمد “،.. وغيرهم ، فقد أعْمَلْتَ التمحيص في الأمر وفِي الأوضاع السائدة في ذلك الوقت ، وخرجت الى الحاكم بزُبْدَة أفكارك ، وعُصارَة فَهمك للأوضاع، وبِمُقترحات وحلول ، لو أخذ بها ” أبو جعفر المَنصور ” في ذلك الوقت ،… لكان نجح في صياغة نظرية متقدمة للحكم ، ولقوننته وتحريره من الأهوائية ، ومن التسلط والإستبداد ، ومن إساءة إستغلال المنصب ، وتبديد الثروة ، وفوضى الإفتاء ، وفساد المفتين، وإشاعة العدل وترسية قواعد له على أرض ثابتة ….
في رسالتك ، يا عبد الله ، تناولت قضايا إجتماعية وإقتصادية وسياسية متعددة وأمراض المجتمع العباسي في ذلك الوقت .
كان مواطني الدولة العباسية في ذلك الوقت من منابت وأُصول وأعراق وإثنيات وأديان مختلفة ، فهذا عربي ، وذاك فارسي أو رومي أو تركي ، أو أرمني ، أو كردي…الخ ، وهذا مسلم أو مسيحي او يهودي ،… وهذا سُنّي او شيعي ، وذاك قرشي أو هاشمي، او أموي ،….
وعلى رأس تلك الأمراض تناولت يا عبد الله :
• قضايا السُّلطة والتسلط والإستبداد والحكم المطلق ، وإساءة إستخدامها وعدم إحسان إختيار رجال الحُكم والوُلاة والوُزراء والمَسؤولين و
• قضايا الفساد والإفساد وسوء إستغلال المناصب والوظيفة ، من قبل رجال الحكم والولاة والوزراء وقادة الجند ، والمسؤولين والموظفين ،و
• قضايا إضطراب أحكام القضاء ، وفوضى الأحكام والفتاوي و فساد القضاة والمُفتين والوُعّاظ، و
• قضايا الفراغ القانوني وغياب قوانين حاكمة ناظمة لأمور المُجتمع .
أما مقترحاتِكَ والحلول التي خَرَجت بها ، فقد أثارني فيها أنها عَكَسَتْ تَقَدُّمَاً ونضوجاً وإبداعاً في فِكْرك مصحوباً بقدرات واضحة على التشخيص وعلى إستنباط الحلول الناجعة، فقد كنت من أوائل المفكرين الذين نادوا بِـ ” توحيد القوانين ” وبقوننة الحُكْم عبر “سن قانون عام متفق عليه يجب أن يسير عليه كل القُضاة “…
ولحماية المجتمع من إستغلال قادة الجُنْد والضُّباط ، والجند لوظائفهم وسُلطاتهم ، فقد إقترحت أن يتم إبعاد الجُنْد عن “ولاية الخِراج ” ، أي عن مهام لَمِّ الضرائب من المواطنين ، وكذلك عن ولاية الأقطار والولايات أي المُحافظات ، ” لأن وِلايتها مَفْسَدة ” للجُنْد ، وإقترحت تنظيم مؤسسة الجيش ، وأن يتم منح الضباط والجند ” رواتبهم ومكافآتهم في حِينٍ مَعلوم حتى لا يَضعفوا بالفَقْر والجوع ويقعوا في شِراك الخيانة والتّطلع الى الحُصول على المال من أي طريق ولو كان حراماً”، وذلك كي يتفرغوا لمهام حماية الوطن والدفاع عنه .
ولمّا كان الجزء الأكبر من مَوارد الدولة العباسية يتأتّى من “لَمِّ الخِراج” أي جباية الضرائب من “أصحاب الأراضي والأرْزاق ” ، ولمُواجهة أمراض إخفاء موظفي الخِراج والجُباة حقيقة مُهِمتهم عن ” الخليفة ” واستثمار سلطاتهم لمنافعهم الشخصية ، فَيُؤْثِرون مَصالحهم أو مَصالح الوُلاة والوُزراء وقادة الجُند على مَصالح الدولة ، فقد إقترح ” إبن المقفع ” على ” أبي جفعفر المَنصور ” أي على الحاكم ، أن ” تُحصى قِطَع الأراضي ، وأن تُكْتَب أسماء المُلاّك في إضبارات رسمية ، ليعرف منها كل مالِك ما يَمْلِك، وما لَه وما عَلَيه ، ويُؤدي كل مَالِكٍ ما عَليه من حَق “.
يا صديقي ” عبد الله بن المقفع” ، يقول سليمان فياض في كتابه ” الوجه الآخر للخلافة الإسلامية” – طبعة ١٩٩٩، ان ” إبن رُشد ” دعا حاكم قُرْطُبة، وكان من المُوَحِّدين المرابطين ، لتبني أفكارك التي ناديت بها ايّام ” أبي جعفر المَنصور ” في الأندلس ، وان الخليفة في قُرْطبة ،، لم يأخذ بدعوته كما لم يأخذ ” ابو جعفر المَنصور” بمقترحاتِك…!
ويقول، أن من أخذ بها كان ” نابليون بونابرت ” ” حين شكل لجنة من كبار رجال القانون والتشريع ، ووحد بهم القانون الفرنسي ، فيما عُرِف بالقانون المدني أو قانون نابليون ، ” ووحّد بذلك المناطق الفرنسية المفككة .
كانت رسالتك يا عبد الله ، أي ” رسالة الصّحابة ” خِطاباً واضحاً للخليفة ” أبو جعفر المَنصور ” لإصلاح نفسه وإصلاح الحُكْم ،
لقد إسْتَفَزّت رسالَتك يا “عبد الله” “أبو جعفر المَنصور “، وإسْتَفَزَّت كذلك الكثيرين من طاقم حُكْمِه من وُلاة ووزراء، وقُضاة ومُفتين، ويبدو أن والي البصرة قد أخذ على عاتقه الدفاع عن مؤسسة الفساد والقمع في الدولة العباسية في تلك الفترة ، وقرر محاكمة ” قلمك” باسمها ، فكانت يا صديقي العامل الحاسم في تقرير مصيرك .
لقد شَهِدتَ مَصيرك بنفسك يا صديقي ، وتَلَقَّيْتَه بدون خوف، وكُنتَ كبيراً وشامِخاً ، وَرَفَضت ، أن تَسحب ” رسالة الصّحابة ” أو أن تَعْتَذِرّ عن كِتابَتك لها أو أن تَتَنَصَّل من مضامينها ومغازيها ورسالتها ، فَجَرى تَقْطيعُ أوْصالك قطعة قطعة، وأنتَ حَيٌ تَنْظُر ، ولا أعرف ماذا كان يدور في خُلْدِك وأنت تَرى أوصالك المُقّطّعة تُرمى أمام عينيك في ” أتون ( فرن كبير ) مُوقَدٌ بدار الولاية بالبصرة ” لتحويلها الى رماد ، في محاولة لإخفاء حقيقة جريمة تَصْفِيَتِك، ولولا المُرافِق الذي كان مَعَكَ عند إستدعاءك الى دار الولاية، وكان يَنتَظِرَك في الطّريق بالقُرْب من الدّار في ” البصرة “، ومعه ريشَتَك ومَحْبَرَتَك وأوْراقَك ، و”قد إنطلَقَ..” – بعد أن يأس من عودتك إليه بعد ساعات انتظار طويله – ” يَصرُخ ويُوَلوِل في شوارع البَصْرة : قُتِلَ إبن المُقّفّع ، قُتِلَ إبن المُقَفّع …” أقول ، لولا ذلك ، لما عَرِفَ الناس حقيقة إختفاء جُثِّة ” إبن المُقفع ” وتحويلها الى رماد …
لقد فارق الخليفة الحياة ، ومات الوزير والوالي وآخرين … ولَم يتعرف الناس على حقيقة تحويل جثة ابن المقفع الى رماد الا بعد ان اعترف بها من قام بقتله من مأموري مؤسسة القمع والفساد في دار الولاية بالبصرة .
سَأخْتِم رسالتي إليك يا صديقي “عبد الله إبن المقفع” بما كتبه عنك سليمان فياض حينَ قال :
” لَمْ يَهرُبْ ‘إبن المقفع’ في بلاد فارس ، ولا في سِواها من البلاد، لكن ما هَرَبَ ونَجَحَ في الهَرَب كانت ‘ رسالة الصّحابة ‘ لـ ‘ إبن المقفع’ .
هَرَبَتْ وَنَجَحَتْ في الهَرَبِ من بَطْشِ بني العباس ، ومن طُغاة التُّرك، والبويهيين ، والسّلجوقيين والفاطِميين ، وطُغاةٍ سِواهُم بلا حَصْر ٍٍولا عَدٍّ .
وهَرَبَتْ من حَرائِقِ المَغول لكُتُبِ بغداد ، ونَجَحَت في الهَرَبِ لتُصبح أوراقها من أنْدَّر ِ صَفحات التُّراث وأوائلها في الفِكْر السِّياسي ، وَثيقة في عَصْرٍ خِلافِي ، من عُصور خِلافات القَهْر الإسلامية ، وشهادة لمُفَكِّر شَهيد :
عبد الله بن المقفع ” أو” روزبه بن داذويه “..”
يا صديقي “إبن المُقفع”….
أَذْكُرَك دوماً في كل يوم من أيامنا هذه ،… وأُخْبِرَك بأنَّ القضايا التي من أجلها دَفَعَتَ حياتك ثمناً لها ، ما زالت هي هي حَيّة وقائمة في حياة أبناءِ مُجتمعات أقطارنا بعد أنْ تَقَسَّمَت البلاد الواحدة الى أقطار ، وأُعْلِمَك بأن شعوبنا ما زالت أسيرة أنواع مُطَوَّرة من الإستبداد الشرقي المَقيت المشفوع بنهجٍ في التفكير يُقَدّس النقل والتكفير ويُلغي العقل والتطوير، وأن ما تَوَصَّلَتْ إليه الحضارة الإنسانية من تطويرات في نماذج الحكم وفلسفته وفكره لم نأخذ منه إلا القشور …
يا عبد الله ،..،.
مَعركة التَّطوير والعَقْلنة لمجتمعاتنا وتحريرها من الإستبداد الشرقي المقيت ما زالت مُستمرة ، ويبقى لكتابك ” رسالة الصّحابة “، موقع حيوي تُضيء أضواءه عُتمة مسيرتنا …
صديقك
عبد الرحمن البيطار