Menu Close

مع مرور أربعة شهور على صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، ماذا كان المشهد العسكري في فلسطين وعلى الأخص في منطقة القدس في مطلع نيسان ١٩٤٨ ، …. كتبتُ في ١٨ شباط ٢٠١٨ من هايدلبيرغ أقول :

الأحد الموافق ١٨ شباط ٢٠١٨

في يَومية ” هذا اليوم ” (الأحد) ، سَنُسلِّط الأضواء على “القُدْس” وضَواحيها بشكل خاص لنُحاوِل مِنْها أن ننطلق كي نُحيط بما كان يجري تَنفيذه في فلسطين بشكل عام في النصف الأول من شَهْرِ نيسان ١٩٤٨ .

١- خُلاصِة التّطورات في مَنطقة القُدْس قبل الأول من نيسان ١٩٤٨:

• نَشاطات ” الجِهاد المُقَدَّس ”

من اليوميات التي غَطّينا فيها أحداث أشهر كانون الثاني وشباط وآذار ١٩٤٨ ، كانت نَشاطات سَرايا “الجِهاد المُقَدَّس” بقيادة القائد “عبد القادر الحسيني” في منطقة “القدس” تَتَضَمّن تَنفيذ عَمَلِيات مُتَعَدِّدَة منها ، على سبيل المثال لا الحَصْر العمليات الرئيسة التالية :

  • تفجير مَكْتَب البَريد المَرْكَزي بـ “القُدْس” بتاريخ ١ شباط ١٩٤٨.

  • الهجوم بتاريخ ١٠ شباط على حي ” مونتيفيوري ” اليهودي في “القُدْس” .

  • نَسف بنايات في شارع ” بن يهودا ” في “القدس” بتاريخ ٢٢ شباط ١٩٤٨.

  • نَصْب كمين بتاريخ ١٨ آذار ١٩٤٨ لقافلة من “الهاچاناه” في قرية ” عطوف ” بالقرب من اللطرون “غَرْبي القُدْس” .

  • شَن هُجوم بتاريخ ٢٤ آذار ١٩٤٨ على مُستعمرة ” عَطروت ” “شمالي القدس” .

وَمِمَّا يجدر ذِكْره أنَّ العَمود الفَقَري لقُوّات “الجِهاد المقدس” في فلسطين بقيادة “عبد القادر الحسيني” كانت تعمل بصورة رئيسية في منطقة “القُدْس” ومُحيطها . وهي قوات أهْلية الطّابع مُشَكَّلة من المتطوعين المؤمنين بقضيتهم، لكنها كانت رَديئة التّجهيز والتّسليح والتّدريب .

أما “عبد القادر الحسيني” ، قائد سرايا ” الجِهاد المُقَدَّس ” في فلسطين ، فقد كان قد قام في أواخر آذار ١٩٤٨ بزِيارَة “دمشق”، وحاول الحُصول من “اللجنة العَسكرية” التّابعة لـ “جامعة الدُّوَل العربية” في “دمشق” على إمدادات عَسكرية لقواته وتزويدها بالمُصَفّحات والمَدافع ، وأنظمة الإتصالات وعَرَبات نقل مُناسبة لتتمكن وحداته من التّصدي لقوات المنظمات الصهيونية المُسلّحة الأكثر تَنظيماً والأفضل تَدريباً وتَسليحاً، إلاّ أنَّ مُحاوَلته باءَت بالفَشَل حيثُ كانت أولويات اللجنة تتركز في مَدِّ “جيش الإنقاذ” بقيادة “القاوقجي” بالسِّلاح، وكان “القاوقجي” في ذلك الوقت مُرابط ٌ في مَنطقة “المُثَلَّث” في القِطاع الأوسط من فلسطين.

كانت سرايا “الجهاد المقدس” تَعتَمِد في تمويلها وتسليحها على التّبرعات والتّمويل الذي تَستطيع أنْ تُوَفّره “الهيئة العربية العليا لفلسطين” أو من الأهالي في فلسطين، وبعضالتبرعات الشعبية العربية .

كما انَّ هَذِه السَّرايا – التي كانت قد قاتَلت خلال الثورة الفلسطينيةالكبرى ما بين عامي ١٩٣٦ و١٩٣٨ – قد أُعيد تَشكيلها بعد عودة القائد “عبد القادر الحسيني” في ٢٥ كانون أول١٩٤٧ من مَنْفاه إلى فلسطين والذي إستمرَّ لمُدة تُقارب العَشْرة سنوات. لذلك ، لَمْ يَكُنْ بالإمكان إعتبارها وِحدات عَسكرية مُتكاملة ومُدَرَّبَة ومُجَهَّزَة كـ “جيش ” للتّعامُل مع قوات “الهاچاناه” وشتيرن والإرغون – وهي قوات تَفوقها عدداً وعُدَّةً وتَدريباً وخِبْرَةً ،وتَمْلِك في ذات الوَقت عَقيدة إقامة الوَطَن القَومي اليَهودي في ” الأرض المَوعودة “، وقد هاجَرَ أعضاؤها إلى فلسطين من أجل تَحقيق إقامته بكُلِّ الوَسائل المُتاحة بما فيها إستخدام أساليب الاٍرهاب والتّطهير العِرْقي، وقد أمضوا في فلسطين ما يزيد عن رُبع قَرْن يَعملون بِشَكلٍ مُخَطّط ومُنَظّم على تَحصين المُستوطنات/ المُستعمرات ، وتدريب أفراد وِحداتهم على الأسلحة الحَديثة ، ويَحشِدون السِّلاح ويُراكِمون الخِبْرات ، ويَقومون بِجَمع المَعلومات الإستخبارية عن سُكّان القُرى والمُدُن العَرَبية في فلسطين من خلال التَّغَلغُل في أوساطهم …… الخ.

كان هَمُّ قوات “الجهاد المقدس” في مدينة “القدس” وضواحيها ، والقُرى الواقِعة في مُحيطِها خلال الأشهر الثلاثة الأُولى من العام ١٩٤٨ ، يَتَمَثّل في حِمايَتها من المُخططات الصّهيونية ، والدِّفاع عن سُكّانِها الفلسطينيين العَرَب ومُحاصرة الحي اليهودي في “القدس” .

• نشاطات ” جيش الإنقاذ”

أما قائد قوات جيش الإنقاذ “فوزي القاوقجي” ، فكَما بَيَّنّا سابقاً ، فقد تَسَلَّم قيادة القطاع الأوسط في فلسطين إبتداءً من ٧ آذار ١٩٤٨. وأَصْدَر في أوائل نيسان أوامِره لفَوج “اليرموك الثالث” بقيادة “عبد الحميد الراوي” بدخول منطقة “القدس” و “رام الله”.

ويُذْكَر أيضا في هذا الخصوص أن وحدات قوات “جيش الإنقاذ” هي أكثر تنظيماً وتجهيزاً وتسليحاً من سَرايا ” الجهاد المقدس ” ، لكنها كانت غير مُتجانِسة ومُشَكَّلة من مُتَطَوِّعين أفراد يَتَمَتّع كثيرون منهم بخِبرات فَرْدية عَسكرية سابقة حصلوا عليها في بِيَىءٍ مُختلفة ، وتَفتقد الى التّدريب والتّسليح الحديث، والتّوجيه والقِيادة المَرْكزية والضَّبْط والرَّبْط الذي يُؤهلها للعَمل بتكامل كوحدات مُترابِطة قادِرة على التّواصل والحَرَكة والمُتابعة بتنسيق وبتخطيط مُحْكَم .

وكان هَمُّ وحدات “جيش الإنقاذ” المُرابِطة في منطقة “القُدْس” منع المنظمات الصهيونية المسلحة من السّيطرة على الطرق التي تربط “القدس” بـ “تل أبيب” و”يافا” و”حيفا” و”الخليل” و”بيت لحم” ، والسيطرة على المُستوطنات/ المُستعمرات الإستراتيجية ، ومَنْعها من إعاقة نَشاطات @جيش الإنقاذ”.

التنسيق ما بين ” الجِهاد المُقَدَّس ” و ” جَيْش الإنقاذ ”

في هذا الخُصوص ، يتعين أن نَذْكُر أنَّ التّنسيق ما بين قوات “الجهاد المقدس” وقوات “جيش الإنقاذ” على الأرض لم يكن قائِماً على نَحوٍ كافٍ ، هذا إذا تَوَفَّرَ أصلاً .

ويَبدو أنَّ الُّلجنة العَسكرية التّابِعة لمَجلس “جامعة الدول العربية” لم تَكُنْ تَكِنُّ الوُد لا الى الحاج “أمين الحسيني” رئيس “الهيئة العربية العليا لفلسطين” ، ولا لقائد سرايا “الجهاد المقدس” التي شَكّلها القائد “عبد القادر الحسيني”، وبالتالي لم تكن مَعْنِيّة بتَقديم دَعْم ٍ ذو مَعنى لقُواته.

• نشاطات المُنَظَّمَات الإرهابية الصّهيونية المُسَلّحة :

أمّا على الجانب الصّهيوني، فقد كان إرهابيوا “الإرغون” في ٢٩ كانون أول ١٩٤٧، قد هاجَموا بالقَنابل اليدوية حشداً من الفلسطينيين في باب العمود في “القدس” ،كما كانوا قد أغاروا قبل أسبوعين من هذا التاريخ، أي في ١٣ كانون أول ١٩٤٧ على مَناطِق سَكَنِيّة في عَدَدٍ من المُدُن الفلسطينية من بينها “القدس” .

وقامت “الهاچاناه” في ٥ كانون الثاني ١٩٤٨ بنسف فندق سمير أميس في حي القَطَمون في مدينة “القدس” ، وقد حَصَل الإنفجار بعد وقت قصير من مُغادرة القائد “عبد القادر الحسيني” للفندق .

وبعد ذلك بيومين ، أي في ٧ كانون الثاني ، قام إرهابيوا “الإرچون” بزَرع مُتَفَجِّرات في باب الخليل في “القدس” .

وأَصْدَرَ “بن غوريون” فِي ١٤ شباط ١٩٤٨، أوامره إلى قائد قوات “الهاچاناه” لإحتلال مدينة “القدس” بكاملها مع ضَواحيها . كما وضعت قيادة “الهاچاناه” في العاشِر من آذار ١٩٤٨ الّلمَسَات الأخيرة على ” الخُطّة ” (د).

٢- التّطورات في مَنطقة “القدس” في النِّصْفِ الأول من نيسان ١٩٤٨

أَصْدَرَ “بن غوريون” في الأول من نيسان ١٩٤٨ أوامره بوضع الخطة (د) مَوْضِع التنفيذ بما فيها عملية ( ناخشون ) التي تستهدف إقتِطاع مَمَرٍ في المنطقة المأهولة بالعرب الفلسطينيين من أجل ربط “تل أبيب” بٌـ “القدس” وإخلاء القُرى العربية من سُكّانِها أي تنفيذ “التطهير العِرقي” من القُرى المُحيطة في “القدس” .

وفِي هذا الإطار ، قامت قوات “الهاچاناه” في يوم ٢ نيسان ١٩٤٨ بالهُجوم على قرية القسطل الواقعة “غربي القدس” وإحتلالها وطَرْد سُكّانها.

كما قامت قوات “الإرغون” في صباح يوم ٩ نيسان بالهجوم على قرية “دير ياسين” في ضواحي “القدس الغربية” وإحتلالها وتنفيذ مَذْبحة لسُكّانها، أدّت إلى فَرار من تَبَقّى مِنهُم حَيّا إلى القُرى المُجاورة .

أما “عبد القادر الحسيني” ، فإنهّ وبعد فشله في الحُصول على الدعم من “اللجنة العسكرية العربية” في دمشق ، فقد حاوَل إقناع “فوزي القاوقجي” بتزويده بالأسلحة التي يَحتاجها من خلال توسيط رئيس بلدية “نابلس” “سليمان طوقان” ، إلا انّه يبدو أن هذه المحاولة قد فشلت ايضاً .

كان هذا الأمر مُحْبِطاً لـ “عبد القادر الحسيني” ، وزاده إحباطاً سُقوط قرية ” القَسْطَل ” في ٢ نيسان في أيدي إرهابيي “الهاچاناه” ، فَقَرَّر في ٨ نيسان ١٩٤٨ أن يقود سَرايا “الجِِهاد المُقدّس” بنفسه وأن يهاجم قرية “القسْطَل” المُحتَلّة بما توفر لديه من سِلاح وذَخيرة، لطَرْد إرهابيي “الهاچاناه” مِنها ، وبالرغم من النّجاح المَحدود الذي حَقَّقَته قواته في إختراق خطوط “الهاچاناه” والدُّخول للقرية خلال المرحلة الاولى من الهُجوم ، إلا أنَّ المعركة قد إنتهت الى الإخفاق في المحافظة على المّناطق التي دخلتها قواته من القرية، وإلى سُقوط القائد “عبد القادر الحسيني” شهيداً في المعركة . وأنتهت المعركة بتمكن “الهاچاناه” في ٩ نيسان من إعادة السّيطرة على القرية وإخراج سرايا “الجهاد المُقَدّس” منها بعد تصفية قائدهم .

لقد حَصَلَتْ هذه الأحداث في ذات اليوم الذي كانت فيه قوة إقتحام من إرهابيي “الإرغون” تقتحم ” دير ياسين ” وتنفذ مَجزرتها المُرَوِّعة فيها.

وكما استهدفت “الهاچاناه” قرية ” القَسْطَل ” العربية ، و”الإرغون” قرية ” دير ياسين ” بمساندة “الهاچاناه@ ، فقد قام إرهابيوا “الهاچاناه” بمهاجمة قرية ” كالونيا ” القريبة من القدس وتدميرها وإزالتها من الوجود في يومي ١١ و ١٢ نيسان ١٩٤٨، وذلك في إطار تنفيذ العملية “ناخشون” / الخطة (د)

وفِي هذا الصدد ، يقول ب. مايكل في كتابه ” الأسرار المُذْهِلة للكارثة الفلسطينية ” أنَّ المُراسل الصحفي هاري ليڤي قد لاحَظَ أثناء عَمَلِية إحتلال قرية ” كالونيا ” ” أنَّ المُقاوَمة العَرَبية الهَزيلة ( في القرية ) منذ البداية ” قد إنهارَت بسُرعة ، وذلك عندما بدأ المُهاجمون بإطلاق النار من أسلحتهم المُختلِفة من رَشّاشات “ستن”، والبَنادق ، والمَدافِع الرَّشّاشة ، والقَنابل اليَدوية على القَرْية.

ويقول :

“لقد إنتهى كل شيء خلال نِصْف ساعة ، وَفَرَّ مُعْظَم العَرَب تَحْتَ جَنْح الظّلام ”

ويَسْتَطْرِد قائِلاً :

“عندما غادَرْتُ المَكان ، كان جُنود الهَنْدَسة يَنْسِفون البُيوت . وإنفجَرَت البيوت الحَجَرِيّة القَوِية واحِدَاً بعد الآخر ، وتهاوَت ، وكان كثيراً مِنها مَبنياً على غِرار الأبنية المُتْقَنة في المُدِن . وعلى مَرآى من “القدس” ،كنتُ لا أزال أسْمَع الأصداء تُدَوّي عبر التلال .

وبَسَبَب حِرمانهم من بيوتهم ، فقد قُدِّرَ لأهالي ‘ كالونيا ‘ أن يُصْبِحوا لاجئين دائمين “.

ويُضيف ؛ ” ولكن وعلى بُعْد ميلين ، كان سُكّان قَرْية أُخرى ( دير ياسين ) قد لَقوا مَصيراً أسوأ بكثير ، وسَتأتي هَذه البَلدة ( دير ياسين ) لتَرْمِز إلى بُؤْسِ الشعب الفلسطيني “.

يُضاف إلى ذلك وكما يُؤكِّد المُؤَرِّخ الإسرائيلي “بني موريس” في كتابة ” طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين “، فإنّ إرهابيي قوات “الهاچاناه” تَمَكّنوا أيضاً ما بين (٢) و (٩) نيسان ١٩٤٨ من فك الحِصار الذي فَرَضَته قوات “الجهاد المقدس” عن الحي اليهودي في “القدس” .

أما “فوزي القاوقجي” ، فقد قام في ليلة ٣/٤ من نيسان ١٩٤٨ بإصدار أوامره لعدد من وحدات “جيش الإنقاذ” بشَنِّ هُجوم على مستوطنة/ مُستعمَرة ” ” مشمار هيعيمك ” لقطع طريق “حيفا- تل أبيب” وتخفيف الضغط ” لفتح طريق ‘القدس – تل أبيب’ ” وهي العملية التي إستمرَّت تسعة أيام ، وَلَمْ تحقق أيٍ من أهدافها .

على ذلك ، وخلال النصف الأول من نيسان ١٩٤٨، فقد كانت وحدات “جيش الإنقاذ” في القطاع الأوسط مُنْشغلة في فعاليات معركة مستوطنة/مُستعمَرِة ” مشمار هيعيمك ” الواقعة الى الجنوب الشرقي من “حيفا” ، والتي إستمرَت حتى يوم ١٣ أو ١٤ نيسان١٩٤٨. وعليه فلم تتمكن من مَدِّ “عبد القادر الحسيني” بأي قوات أو مُساندة ، وأعلنَت بعد إستشهادِه أنها قامت بقَصْف ٍ مُرَكَّز لعددٍ من المستوطنات/ المُستعمرات اليهودية في منطقة القطاع الأوسط وحول “القدس”. قَصْفٌ لَمْ يُحَقق هدفاً ذَا معنى.

٣- النشاطات العسكرية الأُخرى خارج منطقة “القدس”

وإذا كان لنا أنْ نَرْصُد النّشاطات الأخرى التي قامت بها المنظمات الصهيونية المسلحة في مناطق أخرى من فلسطين خلال النصف الأول من نيسان ١٩٤٨، فإنه ليُذْكَر في هذا الصدد ما يلي :

• مُهاجَمِة “الهاچاناه” لقريتي ” خُلدة ” و ” دير محيسن ” الواقعتان شرقي “الرَّمْلَة” في (٥) نيسان ، والإستيلاء عليهما ضمن إطار عملية ” ناخشون “- الخطة (د).

وصَدّ الهُجوم الذي شَنّه في يومي (٥) و(٦) نيسان ١٩٤٨ المُقاتلين الفلسطينيين لإستردادهما.

• مُهاجَمِة مدينة “طبريا” في ٨ نيسان ١٩٤٨.

•كما أنَّه فِي يوم ١٢ نيسان ١٩٤٨،وبالإستناد على المعلومات المُستقاة من كتاب ” بني موريس ” ” طَرْد الفلسطينيين ووِلادِة مُشكلة اللاجئين ” ، فقد قامت قوات “الهاچاناه” في ذلك اليوم بإحتلال قرية ” خِرْبِة ناصر الدين ” وتلة ” الشيخ قدّومي ” اللتان تُسيطران على “طبرية” من أعلى المُنْحَدَرَات “، ثم قَطَعَت الطّريق بين “طبرية” وقرية ” لوبيا ” العربية الكبيرة “، وأنَّ الهُجوم أدّى الى مَقتل عرب مَدَنِيين وتَدمير بُيوت عَرَبية ، والى فَرار مُعظَم سُكًان قرية ” خِرْبِة ناصر الدين ” الى “لوبيا” أو إلى “طبرية” ، ومن تبقى منهم ، أُخْلِي َ فيما بَعْد على يَدِ البريطانيين “.

• مُهاجمة “الهاچاناه” في ٩ نيسان لقُرى ” جبارة ” و ” كَفْرين ” و ” أبو زريق ” و ” أبو شوشة ” الواقعة الى الجنوب الشرقي من “حيفا”.

• مُهاجمة “الهاچاناه” القريتين الدرزيتين الفلسطينيتين “حوشا ” و ” خِرْبة قصير ” بالقرب من “حيفا” .

• مُهاجَمة سكان مستوطنة/ مستعمّرة ” غوش عتصيون ” لقافلة عربية كانت تمر بالقرب من المستوطنة/ المُستعمرة ” في ١٢ نيسان ١٩٤٨ ، هذا وقد تدخلت وِحْدة من “الجيش العربي الأردني” العاملة بإمرة القيادة البريطانية لمُساعدة القافلة العربية ، فقامت بقصف المستوطنة/ المُستعمرة كرَد إنتقامي.

• مُهاجَمة “الهاچاناه” لقرى ” النغنغية ” و ” المنسي ” و ” اللجون ” العربية الفلسطينية في يوم ١٣ نيسان ١٩٤٨ على أثر فشل “فوزي القاوقجي” في معركة مستوطنة ” مشمار هيعيمك ” وإنسحابه من المنطقة المحيطة بها.

٤- التطورات السياسية

في أعقاب فَشَل عمليات ” الجهاد المقدس ” في إستعادِة قرية ” القسطل ” ، وإنتشار الأخبار حول ” مَذْبَحة ” في قرية “دير ياسين” ، وكلاهما في منطقة “القدس” وقريبة منها ، وفشل قوات “جيش الإنقاذ” في تحقيق أهدافها المَرسومة في معركة ” مشمار هيعيمك “، عَقَدت في ١٠ نيسان ١٩٤٨ “اللجنة الفلسطينية” الخاصة التي أنشأتها “جامعة الدول العربية” إحتماعاً جتماعا للبَحث في الحالة الأمنية الخَطِرة في فلسطين “، وقد ورد تأكيد لهذه الواقِعة في كتاب الدكتور وليد الخالدي ” قَبْل الشتات “، ولا تُعْرَف النتائج التي أسفر عنها ذلك الإجتماع.
وفي أعقاب النجاحات التي حققتها المنظمات الصهيونية المسلحة ، عَقَد “المجلس الصهيوني العام” إجتماعاً في يوم ١٢ نيسان ١٩٤٨ ، وقرر إنشاء “دولة يهودية” مستقلة في فلسطين بتاريخ (١٦) أيار ١٩٤٨.

وفي ذات اليوم، دخلت المنظمتان الصهيونيتان المسلحتان “الهاچاناه” و”الإرغون” في مفاوضات بغرض تحقيق تَنسيق أفضل لعملياتهما في فلسطين .

وَمِمَّا يجدر ذكره ، أن الحركة الصهيونية تُطْلِق على عملياتها الإرهابية هذه إصطلاح ” المقاومة الصّهيونية المُعادية للإمبريالية ” أو ” نضالاً من أجل الإستقلال الصّهيوني ” كما يفيد “جوزيف مِسْعِد “في كتابه ” دَيمومة المسألة الفلسطينية “.

أما “مجلس الأمن” ، فقد أقلقته التّطورات المذكورة أعلاه ، ودَفَعَته للإجتماع في ١٤ نيسان ١٩٤٨ ، وفيه أصْدَرَ المجلس قراراً ” يَدعو فيه إلى هُدنة عَسْكَرِيّة وسِياسِيّة “.

٥- تعليق :

تلك هي حصيلة ما حصل في الأسبوعين الأولين من شهر نيسان ١٩٤٨.

والصّورة تُعبر عن مدى التّقصير في التّعامل مع المَشروع الصّهيوني منذ الإعلان عنه وتَبَنّيه من قبل بريطانيا أولاً في العام ١٩١٧ ، ثم عُصْبَة الأُمم في تموز من العام ١٩٢٣ وذلك على الصعيدين العربي والفلسطيني .

هذا التقصير الذي تَتَرْجَم عملياً خلال الفترة التي تَلَت صُدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ على هَيئة عمل غير منهجي ، وتحرك دون تخطيط ، وعمل بلا إستراتيجية، والزَّج في المعركة بقوات لا تُكافىء على الإطلاق حَجْم وتَسليح القُوى الصّهيونية المسلحة وعلى نحوٍ غير مَدروس.

وكما يُقال ، النتائج مربوطة بمُقدماتها . فقد تَرَكَتْ بريطانيا ” العُظمى ” ، و” عُصْبة الأُمم ” أو” جمعية الأُمم ” ، والدول العربية ” المَسْلوبة الإرادة ” ، الفِلسطينيين العرب لأقدارهم ، فبعد أنْ إستنزفتهم بريطانيا خلال “الثورة الفلسطينية الكبرى” بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٣٨ ، وبعد الخُذلان العربي في تلك الفترة ، فقد وجد الفلسطينيون أنفسهم بعد صدور قرار التّقسيم ، وإعلان بريطانيا إنتهاءِ إنتدابها على فلسطين وإستكمال إنسحاب قُواتها منها في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، أقرل ، وَجدوا أنفسهم أمام وَحْش صَهيوني مُدَجّج بالسِّلاح ، مَدعوم من الدُّوَل المُنتصِرة في الحرب الكونية الثانية بعد المعاناة التي مرَّ بها يهود أوروبا على يد النازيين الأوروبيين ، وسَمَحوا للحركة الصهيونية واليهود المهاجرين الى فلسطين بِفَشِّ غُلّهم خارج المَكان الذي اضطُهِدَوا فيه ( أي خارج الأرض الأوروبية ) وسَمحوا لهم ممارسة ساديتهم والإنتقام لما تعرضوا له في الساحات الأوروبية من إضطهاد بإضطهادِ شعب فلسطين الذي كان يعيش على أرضه ( فلسطين ) بوداعة وبسلام ، وكان قد خرج للتّو من تحت وَطأة إستبداد شرقي ثقيل طيلة قرون أربعة من الزمن ؛ إستبداد أنهكه ومص دمائه وحيويته، وفَرّغه من طاقاته .

وأخيراً ، وأنا أستعرض هذه التطورات ، أود أن أذكر ، بأنني لستُ خَبيرا عَسكرياً، ولا أدّعي أني أملكُ كل المُعطيات والمَعلومات التي تُمّكِّني من إجراء تقييم شامل في فلسطين لما حصل على الصعيد العسكري خلال الفترة التي تَلَتٍ صُدور “قرار التقسيم” ، لكني حاولتُ تفعيل آليات المَنطِق وقَواعده في تحليل المَعلومات التي تَجَمَّعَت لَدَيَّ من عدد من مَصادر المعلومات ( عدد من الكتب التي قرأتها) وذلك لأجلِ محاولة فَهْمِ ما حَصَل ، ومن أجل أنْ أنْجَحَ في نَقْلِ صُورَة واقِعِيّة قَدْر الإمكان تُفَسِّر بِشَكلٍ قابِلٍ للفّهم ما حَصَلَ في تلك الأيام من نيسان ؛ أول أشهر فَصْل الرّبيع لعام ١٩٤٨ …؟!

وللحديث بقية دامية …!؟