خاطره من الصديق سمير عبدة ، كتبها يوم ٦ آذار ٢٠١٩
“إنّه تَعبيرٌ هَجين ذلك الذين يَصْدَحون به بقولهم (أي ، مِنَ الذين يَعتبرون أنفسهم من أصحاب القضيه ) أنَّ “القُدْس الشرقيه” هي عاصمة فلسطين ..بعد أن كانت “القُدْس الشّريف” ..
نَقولُ لهم ، كفانا تَنازُلات …
عاصمة فلسطين هي القُدْس وفقط. .
على ما يبدو أننا سَنَصِل من “القدس الشَّرْقيه” إلى “قُدْس أبوديس”….
وَصَلنا إلى الحَضيض في التّنازلات
ومن ‘فلسطين مِنَ النهر الى البحر’ ..إلى ‘فلسطين حدود التقسيم’.. إلى ‘حدود ٦٧’ التي جعلتها “أوسلو” أرضاً مُتنازَعاً عليها خاضِعه للتفاوض ..حتى لَمْ يَبْقَ أرض يتفاوضون عليها بعد أنْ قَبِلوا بِـ ٢٢ ٪ من فلسطين التاريخيه التي إلتهمتها المُستوطنات ..طمعاً بدوله،
حتى جاء “ترامب” وإلتَهَمَ “القُدْس” و”الضِّفه” بإعترافه بشَرْعِيّة المُستوطنات ، وأصبحت “المُنَظَّمَه” هي قُدْسَنا ووطننا وفلسطيننا ، أي الوَطَن الإفتراضي أصبح هو ما لنا على حد زَعْم “عَزّام الأحمد” ..!!!
لَسنا ضِدَّ “المُنَظَّمَه” يا قادَه،
لكنَّ “المُنَظَّمَه” ليسَتْ الوَطَن ..
الوَطَن الحَقيقي هو مازال على أرض الواقِع المَلموس الجاثِم هناك بـ “ناسِه” و”مُناضليه” في أرض فلسطين التاريخيه. ..
لقد وَصَلنا الى الحائِط المَسدود ، وصَفقة القرن أصبحت تُنَفَّذ خُطْوَة خُطوه على الأرض ، والفَصائل في الضَّفّه وغَزّه تَتقاتَل على السُّلطه التي لا سُلْطه لها …..
سُلْطَه تحت الإحتلال …
أقول ذلك تعليقاً على مُجريات مُؤتمر البَرْلمانات العَرَبيه ، ومُوْقِف بعض العَرَب ( في المؤتمر) ومُطالبتهم بإلغاء بَنْد تَحريم التّطبيع مع إسرائيل …!
يا للهَوان…! “
نعم يا صديقي سمير ،…
هو مُسلسل من التنازلات ، بدأ عندما غابت قيادتنا عن الوطن من شهر تشرين أول من العام ١٩٣٧ بعد إغتيال حاكم اللواء الشمالي البريطاني أندروز وحتى عودة خجولة لبعض القِيادات الفلسطينية من الخارج الى فلسطين والتي جاءت متأخرة جداً في كانون اول ١٩٤٧….
جاءت الحرب العالمية الثانية ، يا سمير ، لتعطي للمشروع الصهيوني زخماً وبعداً دولياً غير مسبوق وذلك مع ولادة مشكلة اللاجئين والنازحين الأوروبيين في الاراضي الأوروبية بعد الحرب ، ومنهم ملايين (أو مئات الألوف ) من يهود أوروبا …
نجحت الحركة الصهيونية في تحويل مسار جزء كبير من هؤلاء اللاجئين والنازحين الأوروبيين اليهود الى فلسطين بعد أن ضغطت جماعات الضَّغط الصهيونية في الولايات المتحدة لتقييد هجرة يهود أوروبا الى الولايات المتحدة ، وبعد أن نجحت في دفع الادارة الامريكية ( في مرحلة ما بعد انتهاء الخرب الثانية ) لممارسة الضَّغط على بريطانيا بصفتها الدولة المُنْتَدبة لفتح ابواب فلسطين لهجرة يهود أوروبا المُقيمين في معسكرات ومخيمات اللجوء فيها اليها .
وباعتقادي ، يا سمير ، فإن القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت ( ١٩٤٧/١٩٤٨/١٩٤٩) التي كانت ملطخة بشبهة التعاون مع القيادة النازية ، لم تكن تملك الوزن ولا السلطة المعنوية دولياً ، لتجعلها قادرة على تحمل مسؤوليات قيادة الشعب الفلسطيني ، ومواجهة الأعباء والمهام الجديدة الثقيلة التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية ….
أما قِيادات الدول العربية وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين ، فقد كانت مَسلوبة الإرادة ، بحكم تبعيتها شبه المطلقة ، او رضوخها واستسلامها لمشيئة الدول المهيمنة عليها ( الاْردن، والعراق ومصر ، وجميعها تتحرك تحت المظلة البريطانية ) ، أما سورية ولبنان ، فقد كانت قد خَرَجت من الحرب العالمية الثانية كيانات هشة ضعيفة …ذات تأثير محدود .
تغييب الفلسطينيين،يا سمير، شعباً وقيادة وأرضاً ( الذي تكرّس دولياً بالإعتراف في أيار ١٩٤٩ بإسرائيل ، وتحويل الفلسطينيين فيها الى مواطنين إسرائيليين ، وبإخفاء فلسطين غبر ضم الضفة الغربية الى الاْردن ، وبطمسها كلياً من الخارطة عبر إخفاء اسم فلسطين من مصطلح ” قطاع غزة ” وإبراز اسم قطاع غزة الى العالم وكأنه كينونة بذاته، وتحويل الفلسطينيين المطرودين من فلسطين الى لاجئين ومنحهم هذا المُسَمّى والإشارة اليهم على أنهم ” لاجئون ” وليسوا الشعب الفلسطيني المُهَجّر او المطرود من بلده )، أقول تغييب الفلسطينيين وفلسطين في الأعوام ١٩٤٨ و ١٩٤٩ و ١٩٥٠ من خارطة الصِّراع كان في الحقيقة هوالشرط اللازم والضروري لتمكين دولة الكيان الصهيوني من الخروج من غرفة الإنعاش او ” الحاضنة ” (Incubator )، وتمكينها بعد ذلك من إمتلاك أسباب الحياة والنمو في وقت تم فيه خنق الفلسطينيين وحجزهم في چيتوات /مخيمات اللجوء في كل من الاْردن وما تبقى من فلسطين من ارض ، وفِي سورية ولبنان ، ومنعهم ، بموجب احكام اتفاقيات الهدنة ، من ممارسة أي نشاط من شأنه ان يبقيهم رقما حياً في حلبة الصِّراع أو يعيدهم الى ارضهم .
قرار التقسيم ، يا سمير ، أعطى لليهود في فلسطين ( حوالي ٥٣٠،٠٠٠ نسمة) وللفلسطينيين في الدولة اليهودية ( حوالي ٤٩٠،٠٠٠نسمة) أي أعطاهم معاً –التي أقر القرار مبدأ إقامتها على جزء من أرض فلسطين– شكلاً ملتفاً من أشكال تقرير المصير ، وذلك بمنحهم الحق في تقرير مصيرهم هذه المَرّة كـ ” مواطنين إسرائيليين ” أي كمواطنين في الدولة اليهودية على ذلك الجزء من أرضهم الفلسطينية .
[ لذلك، فإني ارى يا سمير ان من حق الفلسطينيبن الذين طُرِدوا من دِيارهم التي وقعت حسب قرار التقسيم ضمن إطار الدولة اليهودية ، العودة الى تلك الديار ، وحتى حق اكتساب مُواطنة دولة الكيان ضمن اشتراطات ومحددات قرار التقسيم بكليته، والمطالبة بذلك ]
وأعطى القرار نفسه سكان القدس (١٠٥) آلاف فلسطيني و (١٠٠) ألف يهودي حق تقرير مصيرهم في الكيان الدولي لمدينةالقدس .
وكذلك ، فقد أعطى القرار نحو (٩٥٠)ألف فلسطيني و (١٢) ألف يهودي حق تقرير مصيرهم في الجزء المتبقي من فلسطين ( حوالي ٤٤٪ من مساحتها) كمواطنين فلسطينيين في إطار كيان الدولة الفلسطبنية العربية .
كما ان القرار فرض وُجوب إعمال مبدأ اقامة ” اتحاد إقتصادي ” بين الكيانات الثلاثة الوليدة على ارض فلسطبن …
عدم قبول قرار التقسيم ، يا سمير ، وتغييب الفلسطينيين وفلسطين قيادةً وشعباً وكياناً وحقوقاً ، أدى إلى أن تُصَوِّت الدول العربية في الأُمم المتحدة ضد القرار ١٩٤ الذي تَضَمَّنَ البند (١٢) منه مبدأ تكريس حق عودة اللاحئين الفلسطينيين الى دِيارهم واعادة ممتلكاتهم لهم وحقهم في تلقي التعويض أيضاً …
سمير
لقد تم التصويت على هذا القرار (١٩٤) في كانون اول ١٩٤٨ ، بعد ان كان مجلس الأمن في مُنتصف تشرين الاول ١٩٤٨، قد فرض وقف إطلاق النار على الأطراف المتصارعة على ارض فلسطين ( أي على الدول العربية التي شاركت بعد ١٥ أيار ١٩٤٨ بالقتال على ارض فلسطين) وطَلَبَ منها الدخول في مباحثات لتوقيع هدنة طويلة الأمد ،
نعم ، تم التصويت على هذا القرار ١٩٤ ، ورفضته الدول العربية ، بعد ان كانت نتائج المعركة عسكرياً قد حُسٍمَت على الارض لصالح الكيان الصهيوني ) ، وقبل شهرين ونصف من توقيع مصر على أول اتفاقية هدنة مع الكيان الصهيوني في ٢٤ شباط ١٩٤٨….والذي انطوى على إعتراف واقعي بدولة الكيان الصهيوني…. ( الوليدة بموجب قرار التقسيم والتي اعترف المجتمع الدولي بها ضمن حدودها التي حددها قرار التقسيم لها فقط، وعلى أساس احكام القرار بكليته بالاضافة الى القرار ١٩٤ )
نعم ، با سمير،
تم التوقيع على اتفاقيات الهدنة الاربعة ما بين شباط و تموز ١٩٤٩ بعد تغييب الفلسطينيين أرضاً وشعباً وكياناً ، بشراً وجغرافيا وكياناً ،… ودون أي إشتراط من الدول العربية يقضي بربط الهدنة بتنفيذ القرار ١٩٤ و او القرار ١٨١ ،
لماذا لم تربط تطبيق احكام اتفاقية الهدنة بشرط تفعيل القرار ١٩٤ أي تفعيل حق عودة المُهَجّرين الفلسطينيين الى دِيارهم ؟
لأنه وببساطة ،يا سمير ، فقد كانت الدول العربية السبعة قد رفضت في كانون اول ١٩٤٨ القرار (١٩٤) وكانت قبل ذلك قد رفضت قرار التقسيم (١٨١)، وكانت أيضاً قد مَضَت في اعتماد سياسة التغييب البشري والجغرافي والسياسي لفلسطين والفلسطينيين …
ومع أن ستة دول عربية (مصر والعراق وسورية ولبنان واليمن والسعودية )شاركت في إنشاء ” نظام دولي جديد ” بعد الحرب العالمية الثانية أي منظمةالامم المتحدة، والذي نشئت بموجبه ما سُمِّي مُنذئذٍ بِـ ” الشرعية الدولية ” ، الا ان الدول العربية السبعة في حينه لم تُدرك ، أو يبدو أنها لم تُدرك، لا هي ولا الفلسطينيين ولا قياداتهم ، معنى رفض قرار التقسيم وما سيترتب على ذلك، بصفته قرار الشرعية الدولية الذي بموجبه تم اقامة دولة الكيان الصهيوني ، والذي بسبب رفضه عربياً وفلسطينياً لَم يتم اقامة كيان الدولة الفلسطينية العربية ، ولا كيان القدس الدولي ، والذي أفضى رفضه فلسطينيا وعربياً الى إخلاء الساحة للكيان الصهيوني لوحده للخروج من غرفة الانعاش او الحاضنة ، واتاحة المجال أمامه للنمو بلا مقاومة على الإطلاق أو بلا مقاومة تُذكر …..!
نعم ، لقد وفر رفض قرار التقسيم ، وتغييب فلسطين والفلسطينيين وحجزهم في چيتوات اللجوء ، ومنعهم من ممارسة أي نشاط يستهدف تمكينهم من العودة الى دِيارهم واستعادتها ، ظروفاً مؤاتية لا مثيل لها ، لتمكين دولة الكيان الصهيوني من الإفلات بغنيمتها ( فلسطبن) وتمكين نفسها فيها…وفِي الفضاء الدولي.
بَقِيَ ، يا سمير ، تغييب الفلسطينيين وفلسطين قائماً وبشكل شبه كامل طيلة الفترة حتى العام ١٩٦٤ ….
وعندما عاد الفلسطينيون الى الساحة في العام ١٩٦٤/١٩٦٥ ،… لم ننجح ، يا سمير ، في صياغة استراتيجية صراع سليمة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الفلسطبنية والعربية والدولية على نحو سليم …
سمير
للأسف ، يا صديقي، فحتى تاريخه ، نحن لا نملك استراتيجية صراع ونضال وطني سليمة …
نعم ، نحن بحاجة لاستراتيجية تعترف بأن على ارض فلسطين مشكلتين تحتاجان للحل :
•مشكلة الفلسطينيين داخل وخارج ارض فلسطين في چيتوات اللجوء في فلسطين والاردن وسورية ولبنان وفِي الشّتات
•مشكلة اليهود في فلسطين ، أي في الچيتو الرّاقي الذي أنشئته الصهيونية لهم في فلسطين على أنقاض شعبها المسالم .
حل مشكلة فلسطين يحتاج من يهود فلسطين الى الإعتراف بالنّكبة التي سببتها الصهيونية العنصرية للفلسطينيين وان يعتذروا لشعب فلسطين على ما سببته الصهيونية من الآم وويلات وعذاب لهم …
حل مشكلة فلسطين يحتاج الى أن يعترف يهود فلسطين بالمشكلة التي سببتها الصهيونية لهم على أرض فلسطين ، وبالورطة التي زجّت فيها الصهيونية يهود أوروبا الخارجين من چيتواتها، ويهود البلاد العربية ويهود بلدان العالم – الذين هَجَّرتهم الصهيونية أو هاجروا الى فلسطين – وأقحمت كل هؤلاء في صراع دام لا ينتهي ، مَكّنَتهم فيه الصهيونية وجعلتهم يقترفون أبشع الجرائم بحق شعب فلسطين الذي لم يكن في يوم من الأيام هو مصدر او سبب لأيٍ من متاعبهم أو معاناتهم أو عذاباتهم
في هذا العالم .
لذا ، يا سمير ، فإننا ولتحقيق الخلاص الوطني ، فإن على مشروعنا الوطني ان يقدم للفلسطينيين داخل وخارج فلسطين ، وليهود فلسطين المستعدين لنبذ الصهيونية العنصرية، والمستعدين للاشتراك مع شعب فلسطين في النِّضال ، حلاً لمشكلتيهما معاً وفِي آن واحد ، وهو حل يستهدف بناء دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية ؛ دولة لا صهيونية ولا عنصرية ، على كامل ارض فلسطين ، لكل سكان فلسطين.
لذا ، يا سمير ، من الضروري أن تُفسح إستراتيجية نضالنا الوطني الجديدة المَجال أمام بناء “جبهة النِّضال الشعبي الفلسطيني العربي ،واليهودي النابذ للصهيونية العنصرية” ، وان تفتح المجال أيضاً أمام كل شعوب المنطقة ، وعلى الأخص شعوب بلداننا العربية المحيطة بفلسطين للإنخراط معها في نضال مشترك من اجل تفكيك المشروع الصهيوني العُنصري الذي اقامته الصهيونية العنصرية على ارض فلسطين في العام ١٩٤٨ ، ومن أجل إقامة إطار تعاون او اتحاد إقليمي تكون في قلبه دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية اللاصهيونية واللاعنصرية التي تحتضن الفلسطينيين العرب واليهود النابذين للصهيونية والمستعدين للتعايش والنضال المشترك لدحر الصهيونية العنصرية وتخليص فلسطين وشعبها وشعوب بلداننا العربية ، والمنطقة ، والعالم أجمع من شرورها المقيتة الكريهة…
باختصار يا سمير
الاستراتيجية القائمة او “اللااستراتيجية القائمة” في الفضاء الفلسطيني يا سمير هي استراتيجية قاصرة عرجاء … لن تُفضي الا الى تعميق مأزق شعبنا ومآزق وأزمات شعوبنا العربية ، ولن تُفضي أيضاً إلا الى اطالة أمد عذابات شعبنا ومعاناته في چيتوات اللجوء داخل وخارج فلسطين ….ومعاناة شعوبنا العربية ، ولن تُفضي كذلك الا الى توريط يهود فلسطين والعالم اكثر واكثر وإغراقهم في اوحال مستنقع العنصرية والفاشية البغيض.
لذا ، يا سمير ، دعنا نضم جهودنا معاً ، ونعمل على صياغة الاستراتيجية الوطنية البديلة …. لتخليص شعوب بلادنا والعالم من شرور الصهيونية العنصرية
انا في الانتظار
عبد الرحمن البيطار
عمان ٧ آذار ٢٠١٩