Menu Close

نحن شعب ، عاشت قياداته ولا تزال تَعيش على الأوهام ،… إستكملتُ في يوم ٢٨شباط من العام ٢٠١٨ من هايدلبيرغ الكِتابة على الأوهام التي “عَشْعَشَتْ ” خلال مرحلة ما بعد عام ١٩٧٤ ، ولا تزال “تُعَشَعِش” في رُؤوس قيادات العمل الوطني الفلسطيني … ماذا كتبتُ في ذلك اليوم ؟ :

االأربعاء الموافق ٢٨ شباط ٢٠١٨

“شاف-هويتلى” (Schafheutle) مَقْهى قَديم مَعروف في شارع المَمشى Hauptstraße في هايدلبيرغ، …يَرتاده الفَنّانون، ودَكاتِرِة الجامِعة، و…الخ

مُنذُ فَتْرَة، وأنا أُفَكِّر بتناول طَعام الفُطور فيه.

دَعَوْنا نائِلة وهانْيَه،… وذَهَبنا الى هُناك هذا الصَّباح.

كانت جَلْسَة مُمْتِعة وفُطوراً رائعاً.

وكانت الصَّبِيّة ” ليندا ” التي خَدَمَتنا لَطيفة جداً.

سأعودُ لهذا المَكان مَرّة ورُبَّما مَرّات قبل أن أعود إلى عَمّان ،… فقد أَعْجَبَني تَماماً.

الجوُّ البارِد جِدَّاً المَجْبول بشَمْسٍ ساطِعة ، وسَماءٍ زَرْقاء ، ونَسيم ٍ أو ريحٍ خَفيفة جَليدية لا زال يُهَيْمِن على فَضاء هايدلبيرغ ،… تَحَدَّثتُ مع نَفسي قائِلاً : يا لَهُ من بَرْدٍ قارسٍ يا عَبِد …!

بَعيداً عن مَوْجة البَّرْد القارِس التي تَضْرب أُوروبا هذه الأيام ، دَعونا نتحدث عن خطأٍ آخرَ ، ويُمْكن أن نُسَمِّيه وَهْماً آخرَ أَسّسَ لقَناعات لدى “القيادة الفلسطينية” النافِذَة بعد “إتفاقية أوسلو” التي وُقِّعَتْ في العام ١٩٩٣، بَنَتْ عَليها تلك القِيادَة سياساتها خلال رُبْعِ القَرْن الماضي.

لقد تَحَدَّثنا البارِحة عن “خطأ” أو “وَهْم” إعتبار “الولايات المتحدة” “وسيطاً نزيهاً” للتَّوَصُّل إلى حَلٍ فيما بين ” مُنَظَّمِة التّحرير ” أو ” الشّعب الفلسطيني ” من جهة ، وبَيْنَ ” القِيادة الإسرائيلية ” أو ” إسرائيل ” مِنْ جِهَة ٍ أُخرى ، ورأينا كيفَ أَهْدَرنا رُبْعَ قرنٍ تقريباً لنتوصل إلى بَديهية تَقول أن “الولايات المتحدة” لَمْ تَكُنْ وسيطاً نزيهاً ، وأنَّه – وتَحٍتَ الظُّروف القائِمة حاليا في “الولايات المتحدة” ومَرْئيات القادة الفاعلين فيها ، والقُوى المُهيمِنة على عَملية إتخاذ القَرارات فيها – فإنها لَنْ تكون .( إلا إذا إنْقَلَبَتْ المَوازين داخِلها ، وهذا يَستدعي عَمَلاً وجُهْداً فِكْرِياً وإعلامياً وسِياسِيّاً ذَكِيّاً ومُوَجّهاً ومُكَثَّفَاً فلسطينياً وعربياً ودولياً ، علينا نحن العرب الفلسطينون ، ووالأحرار العرب وأحرار العالم بلا تَمييز بما فيهم الأحرار من اليهود داخل فلسطين وخارجها، أنْ نَتَحَمّل عِبء المُبادرة فيه وتَعْبِئة الرَّأي العام لصالِحه ).

سَنَتَحَدَّث اليَوْم عن الوَهْمِ الآخر الذي حاولت “القيادة الفلسطينية النافِذة” بعد “أُوسلو” تَرْويج بِضاعَتِه وتَسْويقه في أوساط الشّعب الفلسطيني ، والشُّعوب العَرَبِيّة وبُلدان العالم . هذا الوهم يقول :

بِأنَّه كان بالإمكان التّوصل إلى سَلام ٍ مع الزَّعيم الإسرائيلي “إسحق رابين”.

و”إسحق رابين” هذا، هُوَ الذي وَقَّعَ مع “الرئيس” “عَرَفات” “إتفاقية أُوسلو” في واشنطون في أيلول من العام ١٩٩٣.

وبَعْد ” إغتيال ” الرَّئيس عَرَفات ” بالسُّم ” ، بعد ما يَبْدو أنّه تَوَصّل إلى نَتيجةٍ مَفادها عُقْم مُغامَرِة ” أوسلو ” التي أقْدَم عليها وزَجَّ الشَّعْب الفِلسطيني بأسرِه في مَتاهاتِها وأَتونِها ، إسْتَنَدَتْ “القِيادَة الفِلِسطينية النّافِذة” على وَهْم ” الوَسيط ( الأمريكي ) النَّزيه ” لتَعديل المَوازين – خلال ما سُمِّيَ بـ” عَمَلِيّة ” تَفاوُض – مع القِيادة اليَمينية الصَّهيونية النّافِذة….، ورَوَّجَت تلك القيادة لهذا الوَهْم ، وهَدَرَت المَزيد من الوَقت ، ومَنَحَت هذا اليَمين فُرْصة الإمعان في تنفيذ مخطط ” تَهٍويد ” الضِّفّة الغَرْبِيّة المُحْتَلّة ( مَناطِق السُّلطة الفِلِسْطينية الوَهْمِيّة ) ومَدينة القُدْس وضَواحيها.

ولِدَحْضِ هذا الوَهْم وكَشْفِ زَيْفِه ، دَعونا نَعود لما كَتَبَه الكاتِبان الأمريكيان “جون ميرشهايمَرْ” و “ستيفان وُولتْ” في كتابِهما المُعَنْوَن : “ The Isreal Lobby and the U.S policy “ الصادِر في العام ٢٠٠٧ ، والأوَّل، هو بروفيسور العلوم السياسية في جامعة شيكاچو ، والثّاني، يَعمل مُحاضِراً في جامعة هارڤرَدْ ويَشغل موقع بروفيسور في العلاقات الدولية ، وكلاهما كاتِبان مُتَمَيِّزان جِدِّيّان ومُعْتَبَران.

في الفَصْل المُعَنْوَن ” Compensation for Past Crimes “ ، يقول الكاتِبان أنَّ “بِنْ غُوريونْ”، وكانَ في ذلك الوَقت رئيساً للوزارة الإسرائيلية، قام في العام ١٩٥٦ بإخبار “ناحوم غولدمان”، وكان في حِينِه رَئيساً لـ ” المؤتمر اليهودي العالمي ” ( World Jewish Congress )، بأنَّه لو كان زَعيماً عَرَبياً لما سَعى للتّوصل إلى تَرْتيبات مع إسرائيل ؛

“If I was an Arab leader I would never make terms with Israel” .

وأنَّه يَرى أنَّه من الطَّبيعي أَنْ يَتَّخِذ العَرَب (وهَذا ” مُصطلح ” يُمكن أنْ يكون القصد منه الإشارة للعَرَب الفلسطينيين ، و أو الدُّوَل العَرَبية وزُّعماءها) مِثْل هذا المَوْقِف لأننا إستولينا على “بِلادِهم” . وأَنَّه وبالرّغم من أنَّ الله وَعَدَنا بهذه الأرض ، الا أن “إلاهنا” لَيْسَ هُوَ “إلاههم”.

ويُضيف بأنَّ المُعاداة للسّامِيّة” و”النّازِيّة” و”هِتْلَر” ومُعَسْكَر الإعتقال في “أوشْفِتْزْ” هِيَ كُلّها لَمْ تَحْصُلْ لأَخطاءٍ يَتَحَمَّل العَرَب مَسؤولية إقترافها بحَقِّ اليهود.وأنَّ العَرَب يَرَوْن شيئاً واحداً فَقَط، وَهْوَ أنّنا ( أي الصهاينة اليهود ) جِئْنا إلى”بِلادِهم” وأخذناها مِنْهم .

ويَتَساءَل ؛ لماذا عَليهم أن يَقْبَلوا بذلك ؟.

إذَنْ ، هَذِه هي الخَلْفِيّة التي يَبْني على أرضها الصهيونيين إستراتيجيتهم وسِياساتهم في التّعامل مع ” العَرَب الفلسطينيين ” وكذلك ” العَرَب ” و” زُعمائهم” قبل أن تَنْزَلِق “مِصر” و ” القيادة الفلسطينية النّافِذة- عرفات ، ومن ثُمَّ محمود عباس”، وبعد ذلك ” الأُردن ” إلى عَقْدِ إتفاقيات مع دولة الكيان الصهيوني العُنْصُري لا تُراعي الحُقوق والمَصالح العَرَبِيّة القَوْمِيّة والوَطَنِيّة العَرَبِيّة الفلسطينية ، وقرارات الشَّرْعِيّة الدّولية وعلى رَأسها القرارين (١٨١) و (١٩٤) – التّقسيم وحَق العَوٍدة. وكذلك قَبْلَ أنْ تَنْفَتِح مُؤَخراً قّنوات الإتصال والتَّنسيق ما بين أغلب الدُّول العَرَبية الخليجية النفطية، وبعض الجَماعات المُسَلَّحة التي فَجَّرَت عَدداً من المْجْتَمَعات العربية الأساسية ( سوريا والعراق وليبيا واليمن ) من جهة ، وبين دَوْلة الكيان الصهيوني العُنْصُري الإستيطاني الإستعماري في فلسطين من جهة اخرى.

بمَعنى ، هُم يَعرفون تَماماً ما إقترفوه بحَقِّ العَرَب الفلسطينيين ، ويُدْرِكوا أنَّ الإعتراف بما إرتكبوه من جَرائِم وأخطاء بحَقِّه ، سَيُفْضي إلى تَفريغ مَشروعهم الصّهيوني من مُحتواه ، وتَقويضه من أساسه.

وفِي الفَصْلِ المُعَنْوَن “Backing the Underdog”يقول الكاتِبان ، بأَنّه وبَعْد الإنتفاضة الأُولى في العام ١٩٨٧، شَرَعَ بَعْض القادَة الإسرائيليين بتَأييد فِكْرِة مَنْح الفِلْسطينيين حُكُم ذاتي مَحْدود في مَناطِق مُعَيَّنة من الضِّفة الغربية وقِطاع غزة. ويُضيفا بأنَّ القول بأن “إسحق رابين” كان مُسْتَعِداً للسَّماح للفلسطينيين بالإستحواذ على ” دولة ” قابلة للحياة على مُعْظَم أراضي الضِّفة الغربية وقِطاع غَزّة هو قَوْلٌ غَيْر صَحيح.

ويُؤَكِّد الكاتِبان بأن “إسحق رابين” عارَضَ فِكْرِة إنشاء “دَوْلة فِلِسْطينية كامِلة السِّيادة” . وأنَّه، وفِي العام ١٩٩٥ ، وهو العام الذي تم إغتياله فيه ، قالَ ، بأنَّه صَحيحٌ أنَّه يَسْعى لإقامة تَعايُش سِلْمي ما بين ؛

• دَوْلِة إسرائيل المُقامة ليس على كامِل ” أَرْضِ إسرائيل ” أو المُقامَة على الجزء الأكبر من تلك الأرض، بعاصمة هي ” القدس المُتْحِدة United Jerusalem ” ، وبِحُدود أمْنِيّة مع الأُردن يتم إعادة تشييدها “it’s security border with Jordan rebuilt ” من جِهَة ،

وإلى جانِبِها

• كيان (فلسطيني) ، بمَرْتَبِة “أقل من دَوْلة” قادِر على تَسيير حَياة الفِلِسْطينيين Palestinian Entity ، less than a state that runs the life of Palestinians من جِهَة ٍ أُخرى ،

ولَكِنَّ هَدَفَه لَمْ يَكُنْ أَبَداً العَوْدة إلى حُدود ما قَبْل حَرْب “الأيام السِّتّة” في حُزيران من العام ١٩٦٧ ، وإنّما إقامة “كيان” ، يَفْصِل الفلسطينيين “المُقيمين” في الضِّفة والقِطاع عن “إسرائيل” .

من الفَقْرَتين أعلاه، يَتَّضِح بِصُورة واضِحة وفِي ضُوء مَوازين القُوى السّائِدة اليوم في العالم، وفِي المَنطقة، وما بين “الإسرائيليين” و “الفلسطينيين”، مَدى الحُدود التي كان يُمْكِن أن يَذهب إليها ” قائد وصانع السّلام ” الصهيوني “إسحق رابين” مع “الفلسطينيين”، وهم الذين شارك عدد من زعمائهم، بالإضافة الى زُعماء عَرَب، في جنازته ، حُزنا عليه وتَكريماً لإنجازاته ” السّلاميّة”.

و” رابين” هذا هو الذي قُتِلَ على يد إسرائيلي صهيوني يميني مُتَطَرِّف ومُتَعَصِّب دينياً ، لأنَّه ، أي “رابين” ، رَضِي َ مَنْح حق الحياة ( أو الإقامة ) على ” أرض إسرائيل ” لجَماعة من ” الأغيار “(أي من الفلسطينيين العرب ، أو أصحاب البلاد الأصليين ) الذينَ إعترف”بن غوريون” لـ ” ناحوم غولدمان ” -كما بَيَّنّا أعلاه- بأنهم هم أصحاب تلك البلاد التي استولى الصهاينة اليهود عليها ، وأخذوا منهم ، وطَردوهم مِنها .

وأُُضيف إلى أنَّه ومنذ الإنقلاب الذي حصل في الحياة السِّياسِيّة الإسرائيلية في العام ١٩٧٧ و دولة الكيان “إلإسرائيلي” تَنْحَرِف وتَنْجَرِف أكثر وأكثر نحو أقصى اليَمين الصهيوني الديني العُنصري الإستيطاني المُتَعَصّب ، وتَتَضاءَل فيها سُلطة ووزن العَلْمانُيين في أوساط الصّهاينة اليَهود ، أو في أوساط الإسرائيليين اليهود الذين يَقبلون بمَبدأ التّعايش مع الفلسطينيين العَرَب .

تأسيساً على ماسبق، فإنَّ المُراهنة للتّوصل الى “حَل الدّولتين” وهو الشِّعار الطَّاغي على مرحلة ما بعد ” أُوسلو ” ، وعلى الأخص في ظل هَيمنة اليَمين الإسرائيلي الصهيوني العُنصري المُتَطَرِّف على الحُكْم، وفي ظل موازين القوى السائدة في الوقت الراهن ، هو مُجَرَّد وَهْم ، وأنَّ بناء قَناعات عليه من قبل “القيادة الفلسطينية النافِذة” حالياً ، و أو سياسات عن إمكانية التوصل الى “حل مقبول للفلسطينيين على قواعد تُنْهي الصُّراع” ما هو إلا عَملية ضَحْك على الذُّقون ، وإضاعة للوقت ، وإطالة لأمد عَذاب ومُعاناة الـشّعب الفلسطيني في كافة مواقع تواجده ؛ داخل فلسطين وخارجها ، في مُخيمات / چيتوات اللجوء ،وفِي الشتات.

وإن الإدعاء بأنَّ هَدَف التّوصل الى ” حل الدّولتين ” على قَواعد مَقبولة للشعب الفلسطيني وِفْق الإستراتيجية العَرْجاء الخَرْقاء التي إتَّبَعَتها وتَتَّبِعها حتى الآن “القيادة الفلسطينية النافِذة” منذ “أوسلو” ما هو الا عَبَثٌ لا طائِلَ منه ، لا يُفْضي الى أي نتيجة سِوى

• إطالة أمد الإمتيازات التي يَتَمَتّع بها أفراد كثيرون في “القيادة الفلسطينية النافذة” حاليا،

وإلى

• إطالة أمد العذاب والمعاناة في “مخيمات/ چيتوات اللجوء” و”العيش في الشتات” للشرائح المختلفة المُكَوِّنة للشَّعب العربي الفلسطيني ،

وإلى

• تَتْوِيه الرّأي العام العربي والعالمي، لا بل والفلسطيني واليَهودي أيضاً ، وحَرْفهم عن البوصلة التي تُفضي إلى حل إنساني شامِل يقوم على أساس الإعتراف بالمسؤولية عن النّكبة والمآسي التي ترتبت على عملية التّطهير العِرْقي التي مارستها الحركة الصهيونية ومنظماتها الإرهابية في فلسطين في العامين ١٩٤٨ و ١٩٤٩ ، وبالمسؤولية كذلك عن النّكبة الثانية التي أُلحِقَت بالشعب الفلسطيني مَرَّة أُخرى والتي تمظهرت في إحتلال باقي فلسطين في العام ١٩٦٧، وإخضاع جزء كبير من الشعب الفلسطيني للاحتلال العسكري المباشر ، وبالمسؤولية عن المآسي التي سببتها وتسببها السياسات العنصرية ،و سياسات الأبارتهايد وإقامة جدران الفصل العنصري ، ومصادرة الاراضي والموارد الطبيعية ، وإقامة المستعمرات ،…الخ التي اتبعتها دولة الكيان الصهيوني العُنصري منذ تأسيسها في العام ١٩٤٨ ، تجاه الفلسطينيين العرب الذين بقوا مزروعين في أراضيهم التي إحتلتها بالقوة العسكري الغاشمة في العامين ١٩٤٨ و ١٩٦٧ .

كنتُ انوي قبل أن أُنْهي هذه اليومية أن أَعود إلى نيسان / أيار ١٩٤٨ لأستكمل ما بدأته في تصوير مشهد فلسطين في تلك الفترة وكيف طالتها حَملات التطهير العِرْقي الصهيوني العُنصري المُمَنهج ، لكن التَّعـب قد طَالني،… فأرجو المعذرة .

وللحديث بقية …!؟