Menu Close

يومية ٣٠ أيار ٢٠١٩ – رسالتي الى صاحب الفكر الثاقب والقلم المؤثر زيد عمر النابلسي :

يومية الخميس الموافق ٣٠ أيار ٣٠١٩

>>كتب زيد عمر النابلسي في ٣٠ أيار ٢٠١٩ يقول :

“الكل يحلل موضوع صفقة القرن من منظور سياسي ويحاول قراءة المشهد واستخلاص الاستنتاجات من زيارة صهر ومستشار ترامب جاريد كوشنير للمنطقة، أما أنا فأنظر للأمور من زاوية مختلفة كلياً يعتصرها الألم والحسرة، بل تصل أحياناً إلى درجة استحضار “البلغم” والاستسلام للرغبة الجامحة في أن تبصق على هذه الأمة بأكملها من المحيط إلى الخليج، إلا من رحم ربي من الشرفاء الأنقياء…

فأنا أنظر للأمور من ناحية المقارنة بين تفاني اليهود وإخلاصهم وولائهم لقضيتهم، وبين الإنحطاط غير المسبوق في التاريخ لبني يعرب وكرههم لذاتهم وتآمرهم على أنفسهم…

فهذا الصهيوني المتطرف كوشنير شاب لم يكمل 38 عاماً من العمر، وهو حفيد مهاجرين يهود من روسيا قدموا للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عام 1949، أي أنه من عائلة لم تطأ أقدامهم أرض فلسطين في حياتهم ولا تربطهم بها سوى أساطير العهد القديم وخرافات التلمود وأكاذيب هيكل سليمان المزعوم…

ومع ذلك فها هو اليوم يجهد ليلاً نهاراً ويستغل ثروته ونفوذه ومصاهرته لرئيس الولايات المتحدة لخدمة إسرائيل عن طريق العمل الدؤوب على تصفية القضية الفلسطينية وفرض التسويات المجحفة التي تكرس الاحتلال وتخدم قومه من اليهود وتعاونهم وتؤازرهم ضد أعدائهم، وهو يفعل ذلك متطوعاً لا مرغماً، مدفوعاً بعقيدة صهيونية وإن كانت عنصرية قميئة، إلا أنها لا تعرف الكلل أو الملل من أجل هدف واحد موحد لا ينحرف عنه بصره ولو للحظة واحدة…

بنو يعرب أيضاً سخطهم الله بثراء فاحش وثروات لم يعرف مثيلها التاريخ البشري، ولديهم من الأموال التي لا تنضب ما يمكنهم اليوم من شراء أرض فلسطين بأكملها دونماً دونماً وبسعر سوق العقار، من رأس الناقورة إلى إيلات…

نعم، تريليونات العرب التي أهدروها في نشر الوهابية أو في شراء الأسلحة التي تصدأ في مخازنها لحين استخدامها لقتل العرب أنفسهم، كان بإمكانها أن تُنفَق على التنمية والتعليم والزراعة والصناعة والعلوم والطب والأبحاث وتطوير البنية التحتية، لتحول العالم العربي بأكمله إلى اسكندنافيا النعيم وإلى يوتوبيا متطورة مزدهرة ومنسقة بالزهور شارعاً شارعاً، من حفر الباطن إلى طنجة…

بدلاً من ذلك، أين وصلنا اليوم؟

وصلنا إلى أننا ابتُلينا بشعوب مخدرة ومغيبة تعيش خارج التاريخ وعالقة في أسفل القرون الوسطى، لا تفكر إلا في الحلال والحرام والنكاح والعورة والجنس والحوريات والجماع والاختلاط ونواقض الوضوء وعذاب القبر وقتل النصارى والمشركين والكفار وقطع رؤوسهم وحرقهم وجز رقابهم…

هذا هو حالنا المأساوي دون تجميل، ولا يزيد طينه بلة إلا هذه الرغبة الذليلة في الانبطاح أمام أقدام أعدائنا وإهدائهم فلسطين على طبق من ذهب، وإلا فما الذي يجبر العرب أن يستضيفوا بهذا الاندفاع وهذه الحماسة مؤتمر النخاسة وبازار بيع فلسطين في المزاد العلني إذعاناً لرغبات هذا الصهيوني الوقح؟

هل رأيتم في تاريخ الشعوب مثيلاً لما يفعله العرب بأنفسهم اليوم في التسابق لإرضاء محتل أرضهم ومدنس مقدساتهم بعد أن فرغوا من التآمر لتدمير بلدانهم من العراق إلى سوريا إلى لييبا وانتهاءاً باليمن؟

هل هنالك سابقة مماثلة في كتب التاريخ تجعلني أتراجع وأقول أننا لسنا وحدنا الذين نتسابق نحو قاع الحضيض، وأن هنالك أمماً أخرى وصلت إلى ما وصلنا إليه من إدمان الذل والمهانة والهزيمة وتدمير الذات؟

للأسف أبحث عما يخفف من حسرتي وألمي، ولا أجد إلا مزيداً من القرف والاشمئزاز والخجل من انتمائي لهذه الأمة التي لا تخجل…

مع كل معاداتي وامتعاضي لما يمثله كوشنير وما تمثله عقيدته التلمودية من خرافة وعنصرية وظلم للشعب الفلسطيني المذبوح والمشرد، إلا أنني لا أتوقف عن التخيل كيف سيكون حالنا لو منحنا الله فقط بضعة من أمثاله وأكرمنا بحفنة من عناده وتفانيه من أجل قضيته…

تمر السنين ويشيب الشعر، وتبقى مقولة المبدع دريد لحام في رائعة محمد الماغوط عندما قرع كاس هذا الوطن فأبكانا:

“الله وكيلك يابي، مو ناقصنا إلا شوية كرامة بس!!””

<<<<< كتبت لزيد عمر النابلسي أقول :

“يا زيد ،…

لا أملك وأنا أتفهم بصورة إيجابية مصادر استياءك وسخطك الا ان أتفاعل معها على نحو مختلف….

إن قرون ثقيلة من التخلف عَزَّزَتها ثقافة النقل وإلغاء العقل والإستسلام الى. غيبية قاتلة تبرر هذه الإستقالة من حكم الذات، وتسليم مقاليد إدارة أُمورنا في بلادنا ( في هذي ‘ الحياة الدنيا’) لخليفة لا يَمِتُّ لهذه الأُمة بصلة بدواعي ومبررات يقولون أنها ” دينية”… أقول،…إن قرون طويلة من الإستخذاء والإستسلام والقَدَرية القاتلة هي مصدر كل هذا الانكفاء والانكسار والانبطاح والإغتراب الداخلي والإستقالة من التاريخ …. لكني أراه ظاهرة لن تدوم، لأن دوامها معاكس لقوانين الطبيعة ومنطق الحياة…

إنني أرى أن كل مظاهر الإنبطاح التي ذكرتها تُغذي عملية تراكم للضغوط في جوف هذه الأمة وكل شعوبها ، والتي ستفضي حتماً الى الوصول في لحظة ما ، قد لا تكون بعيدة ، الى نقطة الإنفجار ،… ومن ثم الإنفجار في وجه من يقود عملية الإستخذاء ، وتأبيد الخضوع والتبعية….

هي عملية بطيئة ، يا زيد، ولكنها شغّالة …

وكل ما ذكرت يا صديقي لا ينفي أنَّ المشروع الصهيوني في مأزق وان هذه الصفقة وغيرها هي محاولات يائسة لإنقاذه من مَصيره الحتمي ،…

ولكن ما هو دورنا في هذه المرحلة التاريخية ؟

يبقى دور المثقفين في جميع أرجاء بلادنا ، يا زيد ، بالتعاون مع الأحرار في جميع بلدان العالم بمن فيهم اليهود الأحرار ، في فلسطبن وفِي جميع بلدان العالم ، النابذين للعنصرية والصهيونية العنصرية أن نستمر في فَضح عنصرية المشروع الصهيوني العُنصري في فلسطين الذين نجحوا في إقامته خلال القرن الماضي ، وتبيان أبعاد مأزقه التاريخي ، وأن نبين لشعبنا ، في ذات الوقت ، أن الأمل بإلحاق هزيمة ساحقة بالمشروع الصهيوني العُنصري ممكنة وحتمية وأنها قادمة لا محالة ، وأن ذلك يتطلب مِنّا تبني استراتيجية جديدة للتحرر الوطني، وخطاب جديد ولغة تفهما الشعوب ،…. وأساليب النِّضال المتنوعة واللازمة .

وأريد أن أُذكرك ، يا زيد ، أن الحركة الصهيونية إستثمرت بخداع ، ما أسمته قرون طوال من العذابات والاضطهاد لليهود في بلدان كثيرة في أوروبا والولايات المتحدة ، وحَوَّلت كل ذلك الى طاقة حركة، جَنَّدَت له ، منذ مُنتصف القرن التاسع عشر عشرات الألوف من يهود العالم المُضَلَّلين ، واستغلت اللحظة التاريخية المناسبة، والظروف الدولية والإقليمية المؤاتية لأنفاذ مشروعها العُنصري في فلسطبن ، وفي سياق ذلك ، فقد نجحت في توجيه وجهت جهود كل هؤلاء الصّهاينة ، وجهود من تحالفت معهم من قوى استعمارية باتجاه تحقيق مشروع عنصري لا مستقبل له ، لا في فلسطبن ولا في أي مكان في هذا العالم ….

أراك محبطاً جداً يا زيد ،… لكني أتفهم ذلك ،… وأُخبرك ، بأنّي سأقرأ مقالك وأفهمه على نحو إيجابي ،… وليس تيئيسيي….

شعبنا في فلسطبن وشعبنا ، يا زيد ، فِي الاْردن وفِي جميع بلدان العالم يتحرك بأنماط مختلفة ،… يتحرك بطىء ، ولكنه يتحرك ،…

ألا ترى معي يا زيد أنه ولأول مرة منذ العام ١٩٤٨ ، أن تفهماً أكبر ، ويتسع كل يوم مع انضمام عشرات بل مئات من مثقفي العالم ومن الفنانين والكتاب، والسياسيين، والرسامين، والطلاب، والعلماء، وغيره ،… أقول ، ألا ترى أن عملية وعي أكبر لقضية الشعب العربي الفلسطيني الوطنية ولحقوقه،.. ومطالبه ، تحصل في أوساط جميع شعوب العالم …؟!

هل هذه العملية تحصل بفعلٍ ذاتي تلقائي أم بسبب نضالات الاحرار من ابناء شعبنا وشعوب الارض ،…

أليسن هي نتاج لعملية نضال تُحدِث تراكماً ،… لكنه يحصل وإن كان قد استهلك وقتا وطويلا ….

ماذا يبقى ان نفعل يا زيد ؟!

يبقى ، يا زيد ، أن نمضي في بناء هذا العمل التراكمي وتغذيته باستمرار،… وسنصل .

قلمك الماضي له دور رئيس في هده العملية يا زيد .

وأخيراً يا زيد ، فإني أرى بعيون التاريخ بأن المشروع الصهيوني العُنصري في فلسطين في مأزق ،… وشعبنا العربي الفلسطيني وشعوب بلداننا العربية وعلى رأسها شعبنا الأُردني بالتعاون مع أحرار العالم ويهوده اللاعنصريين الرافضين للعنصرية والنابذين للصهيونية العنصرية سيوجهون الضربة القاضية لهذا المشروع وسَيُخَلِّصون العالم من شُروره …

أشدُّ على كلتي يديك يا عمر وليبق قلمك ماضيا ً … يا صديقي

عبد الرحمن البيطار

عمان ٣٠ أيار ٢٠١٩”

2 Comments

  1. Roula Dahdaleh

    انا متاكدة اننا سنرفع من الحضيض الذي نحن فيه .. لا يمكن ان ينتصر الباطل على الحق باي حال من الأحوال … قوانين الطبيعة لا تسمح بذلك ولا تسمح القوة الإلهية بذلك ايضا … امريكا ليست كل العالم واتفق مع عبد ان الامر سيأخذ وقتا ولكن الحق سيعود لاهله لا محالة …

Comments are closed.