Menu Close

يومية الجمعة في ٣١ أيار ٢٠١٩- تعليقي على مقال السيد زيد النوايسة المنشور في الغد في ٣٠ أيار ٢٠١٩ تحت عنوان ” مصفوفة المصالح الاردنية “.

أرسلتُ للصديق سائد كراجة صورة عن مقال لَفَتَ نظري كتبه زيد نوايسه بعنوان ” مصفوفة المصالح الاردنية ” ونشرته ” الغد ” في عددها ليوم ٣٠ أيار ٢٠١٩.

سائد سألني : ما رأيك بهذا ؟

لم أكن نفسياً أُفكر في كِتابة تعليق على مقال السيد زيد نوايسه، لكن السؤال استفزني ودعاني للكتابة .

بصراحة ، قَرأتُ المقال عدة مرات محاولاً التعرف على مرامي المقال ، وقد وَجَدتُ أن الواضح في المقال كله هو الـ ” عنوان ” الذي إختاره كاتب المقال لمقاله ، وليس غيره مما ورد في مَتْنِ المقال. فالعنوان مشروع وصحيح ، ومن الضروري أن يكون هناك تحديد أردني رسمي وشعبي واضح وصريح لما هو مقصود بِـ ” مصفوفة المصالح الاردنية ” فيما يتعلق بـ ” قضايا اللاجئين ، والحدود، والأمن ، والمياه، وقضية القدس، والوصاية الهاشمية “.

في الفقرة الأولى للمقال ، يقول الكاتب :

“… ولا توجد لدينا تفاصيل دقيقة عمّا يمكن أن يقبل به الطرف الفلسطيني ومدى تعارضه أو تطابقه مع المصالح الاستراتيجية الاردنية في أي تسوية قد يتضمنها مشروع صفقة القرن، وعلينا ان نتذكر أن ترتيبات أوسلو قد تفاجأ الاْردن بها.”

في هذه الفقرة ، فإنه يُفهم من نصها كما وأن كُلاً من الاْردن والطرف الفلسطيني ماضيان أو أنهما سينتهيا الى المضي في التعامل مع تفاصيل صفقة القرن ، وأن الطرف الاردني يتخوف فيما يمكن أن يقبل به الطرف الفلسطيني من ترتيبات أو شروط ، دون ان يكون للطرف الاردني علم مُسْبَق بذلك ، بمعنى أنه وبالرغم من كل ما يتم الإعلان الرسمي عنه من وجود إتصالات وتنسيق مُسْبَق فيما بين الطرفين ، إلا أن كاتب المقال يؤشر الى غياب تصور أو رؤية أو استراتيجية عمل واحدة فيما بين الطرفين تُعَرِّف كلا من المصالح الإستراتيجية الأردنية من جهة والفلسطينية من جهة اخرى ، بشكل صريح وواضح .

ويُلاحَظ هنا أن كاتب المقال لا يُلْقِ أي بال للمصالح القومية العربية ، وعلى الأخص تلك التي تتعلق بكل من سورية ولبنان بصورة رئيسية ، ومصر والعراق وربما السعودية أيضاً، مع العلم بأن هذه الدول تحملت اعباء كبيرة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وان كانت بنسب مختلفة غير متساوية .

أما في الفقرتين قبل الأخيرة ، والأخيرة من مقاله، فإن زيد نوايسه يقول حول الموقف الفلسطيني الرسمي من ورشة عمل ‘ السلام من أجل الإزدهار ‘ التي أُعلِنَ عن إنعقادها في البحرين يومي ٢٥ و ٢٦ حزيران ٢٠١٨، بأنَّ

“…. هناك رفض فلسطيني قاطع لها ، وروسي وصيني أيضاً ، وفتور وعدم حماس أوروبي”.

وينتهي الى القول :

“… فالحديث عن إزدهار وتنمية في غياب الطرف الأساسي هو أسرع وصفة لإفشال التسوية السياسية ، فلا يمكن استبدال فِكرة السلام مقابل الإزدهار والتطبيع بخيار الأرض مقابل السلام.”

من هذه الناحية ، فإن ما خَلُص له كاتب المقال من نتيجة يتضارب على نحو ما مع ما حملته الفقرة الاولى من مقاله من شكوك حول احتمال انتهاء الطرفين الاردني والفلسطيني للتعامل مع صفقة القرن كطرفين منفصلين ، لكل منهما استراتيجية مختلفة، ومصفوفة مصالح قد يُفهم من المقال أنها قد تتضارب بعضها مع بعض.

في المقال نفسه ، يُلقي كاتب المقال الأضواء على مُحَدِّدَين :

المُحَدِّد الاول ، ويتعلق بموقف دولة الكيان الصهيوني العُنصري من قضية اللاجئين الفلسطينيين ومن حقهم في العودة الى دِيارهم في فلسطين التي غادروها كرهاً أو طوعاً، والذي كفله القرار الأُممي رقم ١٩٤ الصادر في في ١٢ كانون أول ١٩٤٨ عن الجمعية العامة للأُمم المتحدة . وفِي هذا يقول :

“… فكل المُؤشرات أن حق العودة والتعويض أصبح خارج أي تسوية يمكن أن تقبل بها إسرائيل حتى لو كان هناك مرونة أميركية ، ليهودية الدولة أصبحت واقعاً”.

المُحَدِّد الثاني ، ويتعلق بالوجود الفلسطيني في الاْردن ، حيث يقول :

“فالأردن حسب مركز الإحصاء الفلسطيني يتواجد على أرضه ٤.٤ مليون فلسطيني على اختلاف صيغ الشكل القانوني لوجودهم. ”

وحول المحدد الأول ، فإن الكاتب يقدم موقف دولة الكيان الصهيوني وكأنه أحد المُسَلَّمات ، أي ، وكأنه قضاءٌ وقدر لا مفر من الرضوخ لهما، وبالتالي على الطرفين الأردني والفلسطيني، وبالتالي العربي، التعامل معه وكأنه واقع لا إنفكاك منه .

وفِي هذا أود أن أقول ، ومع عدم تسليمي شخصياً بكامل ما ذَهَبَت إليه ” المبادرة العربية ” للسلام التي صدرت عن مؤتمر القمة العربي الذي إنعقد في بيروت في ٢٧ آذار ٢٠٠٢ ، فإن العنصر الأهم وربما الأحسم فيها هو ما تضمنته من قرارات تتعلق بِـ ” الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من يونيو/حزيران 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان” ، وفيما يتعلق كذلك بِـ” التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194″ ، هذا بالإضافة الى إعلان قبولها ” قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو/حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية“، هذا مع العلم أن هذا القرار يَتناقض مع أحكام القرار الأُممي رقم ١٨١ الصادر عن الشرعية الدولية في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ القاضي بتقسيم فلسطين الى ثلاثة كيانات : عربية فلسطينية ، ويهودية ، ودولية ، وذلك لسكان فلسطين الذين يعيشون في كل من الكيانات الثلاثة ، أي لسكانها الفلسطينيين العرب والفلسطينيين اليهود والمهاجرين اليهود الذين منحتهم سلطات الإنتداب البريطانية حقوق المواطنة خلال فترة إنتدابها على فلسطين ، هذا مع العلم أيضا بأن دول العالم التي إعترفت بدولة الكيان الصهيوني بعد قبول عضويتها في الأُمم المتحدة في ١١ أيار ١٩٤٩ ، بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي السابق ، قد إعترفت بها في نطاق حدودها التي حددتها لها الشرعية الدولية في قرار التقسيم رقم ١٨١، ولَم تَعترف حتى تاريخه بشرعية إحتلاها لأراضي خارج إطار الاراضي التي خصصها القرار المذكور للدولة اليهودية ،وبكلمات أُخرى أقول أن الدول التي اعترفت بدولة الكيان الصهيوني حتى الآن وعددها ١٦٣،قد اعترفت بها بحدودها المرسومة لها في قرار الشرعية الدولية رقم ١٨١ ، وبالتالي ، فهي لا تعترف بشرعية إحتلالها لأراضي الدولة الفلسطينية المُخصصة لها في قرار التقسيم ، وكذلك للأراضي الفلسطينية التي وضعها قرار التقسيم تحت الحكم الدولي، مِمّا يجعل قرار مؤتمر القمة العربي المذكور قرارا منافياً للشرعية الدولية ويتضمن شرعنة إحتلال دولة الكيان الصهيوني بالقوة المسلحة لأراضي الدولة الفلسطينية في العام ١٩٤٨، ويُعتبر بكلمات أُخرى أنه ينطوي على تنازلٍ مجانيٍ غير شرعي ومخالف للشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي لأراضٍ فلسطينية لدولة الكيان الصهيوني .

ما أود أن أقوله ، هو أنه ، وفِي رأيي، فإن على الطرفين الأردني والفلسطيني ، وأيضا الأطراف العربية ،عدم الإستعجال والتفريط، و أن تتمسك بقوة وبصلابة وبحزم لا يستكين بضرورة إلزام دولة الكيان الصهيوني بتطبيق قرارات الشرعية الدولية جميعها ، وعلى الأخص القرارين ١٩٤ و ١٨١ ، وأن تتخلى للطرف الفلسطيني عن الاراضي التي خصصها قرار التقسيم للدولة العربية الفلسطينية ، وان تعيد اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم في المدن والبلدات والقرى التي جاءوا منها .

وحول المحدد الثاني ، فإني أقول بأن الاْردن هو من أكثر الدول التي تحملت أعباءاللجوء الفلسطيني الذي تلى نكبة الفلسطينيبن في العام ١٩٤٨ وحملات التطهير العِرْقي التي مارستها دولة الكيان الصهيوني خلالها بحقهم، وهي من هذه الزاوية دولة متضررة ، ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات الأنروا من أصل الرقم الذي ذَكْره كاتب المقال نحو ٥٥٪؜ من عددهم المذكور في المقال ، عِلماً بأن باقي العدد المذكور يعود لمدن وبلدات وقُرى احتلتها دولة الكيان الصهيوني في العام ١٩٦٧، عندما كانت اراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية جُزْءاً لا يتجزأ من أراضي المملكة الاردنية الهاشمية، وهي أراض لا زالت مُحتلة وإن كان جُزْءاً منها يِدار إداريا من قبل سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية .

وخلاصة القول في هذا الخصوص ، أقول ، بأنه من الأهمية لكان ، لا بل من الضروري أن يتم بلورة إستراتيجية واحدة فيما بين الطرف الفلسطيني والأردني والسوري واللبناني فيما يتعلق بقضية اللاجئين ، على قاعدة عدم التنازل على الإطلاق عن تنفيذ حيثيات هذا القرار رقم ١٩٤، وعلى أن تتقدم الدول العربية التي اٌستضافت اللاجئين الفلسطينيين بمطالباتها للتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بها .

هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، فإنه وعلى الرغم من التنازلات المجانية التي انطوت عليها المبادرة العربية للسلام ، ومع ملاحظة أن الطرف الصهيوني قد رفض حتى تاريخه تنفيذ المبادرة كما طُرِحَت ، ولَم يلتزم أيضاً بتنفيذ أحكام إتفاقية أوسلو ، فإن على الطرف الفلسطيني والأطراف العربية ومنها الطرف الأردني ، في ضوء ذاكلك ، أن يعلن كل منها إعترافها الرسمي بقرار الشرعية الدولية رقم ١٨١ أو إعلان التزامها بقرارات الشرعية الدولية الصادرة بخصوص فلسطين ومنها القرار ١٨١ ، وأن تطالب بتنفيذ حل وتسوية للقضية الفلسطينية وفق أحكامه ، بوصفه القرار الوحيد الذي خاطب سكان فلسطين في العام ١٩٤٧ ، أي الفلسطينيين العرب واليهود ، وتعامل مع المعضلة الفلسطينية بأبعادها وتعقيداتها التي نشأت خلال فترة الإنتداب البريطاني على فلسطين.

تَمَسُّك الطرفين الأردني والفلسطيني بالشرعية الدولية وعلى الأخص القرارين ١٨١ و ١٩٤ هما المفتاح للوصول الى حل ديمقراطي لمسألة فلسطين .

مسألة فلسطين ، كانت في العام ١٩٤٧ تخاطب معضلتي سكانها الفلسطينيين العرب واليهود . في ذلك الوقت ، كان عدد يهودها يبلغ ثلث عدد سكانها الاجمالي البالغ نحو مليوني نسمة.

مسألة فلسطين ، في العام ٢٠١٩ تخاطب ايضاً معضلتي سكانها الفلسطينيين العرب وعددهم فيها في الوقت الراهن يصل الى نحو ٦.٥٥ مليون ، (هذا بالاضافة لمخاطبتها مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المُقيمين خارجها في چيتوات / مخيمات البؤس والشقاء في الاْردن وسورية ولبنان ، وفِي الشّتات )، وسُكانها اليهود ، وعددهم فيها في الوقت الراهن يصل الى نحو ٦،٣٥ مليون.

الحركة الصهيونية بعد قرن من الزمان لم تتمكن من حَشْد اكثر من ٦،٣٥ مليون يهودي في فلسطبن ٢٠٪؜ منهم فلسطينيون يهود أصليون، ولو كان بإمكانها أن تحشد أكثر من هذا العدد لكانت قد فعلت ، لكنها لا تستطيع .

صفقة القرن تستهدف ، إيجاد حلول للمأزق التاريخي للمشروع الصهيوني ، بأساليب إقتصادية ، وبتمويل عربي وبخداع وتضليل لا مثيل له .

على الطرفين الأردني والفلسطيني ، وبالطبع العربي أن لا يسمحوا بتمرير مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية بمسميات مبتدعة .

المشروع الصهيوني مشروع عنصري بامتياز . وينكشف الطابع العُنصري لهذا المشروع في الوقت الراهن ليس فقط لشعوب العالم وإنما ليهود فلسطين ويهود العالم ايضاً .

علينا أن نبلور إستراتيجية عمل مناسبة وصحيحة وأن نمتلك خطابا سليماً .

إنهيار المشروع الصهيوني في فلسطبن حتمي ، وهو أمر حتمي ، أما موعد حصوله ، فهو ليس الا مسألة وقت ، مع نضال بأساليب صحيحة وبخطاب صحيح.

إنهيار المشروع الصهيوني العُنصري في فلسطبن سيتم على يد أحرار فلسطين والاردن والشعوب العربية ، وبالتحديد في الدول المحيطة بفلسطين ، وعلى يد الأحرار اليهود في فلسطين وفِي العالم النابذين للصهيونية العنصرية والمستعدين للنضال معنا من اجل فلسطبن ديمقراطية لكل سكانها الديمقراطيين النابذين للعنصرية وعلى قاعدة إحقاق حقوق شعبنا العربي الفلسطيني .

فلسطين الديمقراطية ، وليس صفقة القرن ، هو الذي سيفتح آفاق تنمية بلدان إقليمنا كله ، وسيعيد الطريق لبناء صيغ تكاملية ووحدوية .

عبد الرحمن البيطار

عمان في ٣١ أيار ٢٠١٩