يومية السبت الموافق الأول من حزيران ٢٠١٩
قراءة في تفاصيل الموقف الأمريكي من قرار التقسيم رقم ١٨١ الصادر عن الجمعية العامة للأُمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧- الحلقة الثالثة
مقدمة :
في الحلقة الثانية التي نشرتها في يوم ٢٥ أيار ٢٠١٩، أظهرتُ كيف كان موقف الولايات المتحدة يتجه في مطلع آذار ١٩٤٨ لتبني موقف مغاير من قرار التقسيم رقم ١٨١، وأن وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت قد منح موافقته لممثل الولايات المتحدة في الأُمم المتحدة لطلب عقد جلسة لمجلس الأمن وأن يُلْقي بيانا أمام المجلس يِبَيِّن فيه الحاجة لوضع فلسطين تحت نظام وصاية مُؤقتة ، وكيف أن ذلك أثار قلق ومضاجع ممثلي الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة وأنصارها من الساسة الأمريكيين المتعاطفين مع القضية الصهيونية .
وألقيت في ذات الحلقة الضوء حول أبعاد وطبيعة الدور والمهام والسلطات التي أناطها قرار التقسيم بلجنة رأى القرار أن تتشكل من ممثلي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة .
كان تفعيل عمل اللجنة (U.N. Palestine Commission)يُشَكِّلِ شرطاً لازما وضرورياً لتفعيل القرار ونقله الى حيز التطبيق باتجاوهو القرار الذي قَضَتْ أحكامه إقامة الكيانات الثلاثة على أرض فلسطين ، واحترام مُواطنة وحقوق سكان تلك الكيانات الثلاثة المكونين من الفلسطينيين العرب ، والفلسطينيين اليهود ، واليهود المهاجرين التي منحتهم سلطات الإنتداب البريطاني حقوق المواطنة في فلسطين.
فماذا حصل بعد ذلك ؟ و
هل تمكنت اللجنة من القيام بمهامها ؟ و
من عَطّل ذلك ؟
يقول دان كيرزمان في كتابه، أنَّ المعادين لفكرة وقرار تقسيم فلسطين في إدارة الرئيس روزفلت كانوا يعتمدون على نحو واسع على نتائج السياسة التي كانت تتبعها سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين وكانوا يعتَقِدون ان البريطانيين كانوا وراء إدامة حالة من الفوضى في فلسطين لإسناد المقولات الجدلية بأن التقسيم لا يمكن فرضه فيها.
وللتذكير ، فقد كانت بريطانيا قد اٌمتنعت عن تأييد قرار التقسيم لدى التصويت عليه في الجمعية العام في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، هي وتسعة دول اخرى (الأرجنتين، تشيلي ، كولومبيا، السلفادور ، هندوراس، المكسيك ). أما الدول التي رفضت القرار ، فقد كانت بالإضافة الى الستة دول عربية الأعضاء في الجمعية العامة للأُمم المتحدة تتألف من أربعة دول إسلامية هي أفغانستان، إيران، تركيا و باكستان ، بالإضافة الى كوبا واليونان. وكانت (٣٣) دولة قد أيدت القرار منها الولايات المتحدة والإتحاد السوڤييتي.
حاولت لجنة الأُمم المتحدة الخاصة بفلسطين التي قضى قرار التقسيم بتشكيلها وفوضها سلطة العمل على تطبيق القرار السفر الى فلسطين وتشكلت في مطلع العام ١٩٤٨ من ممثلي بوليڤيا، باناما ،الدنمارك …. السفر الى فلسطين للبدء بممارسة مهامها هناك . لكن البريطانيين رفضوا السماح لأعضائها بالسفر الى فلسطين الى ما قبل أسبوعين من الموعد الذي حددته الحكومة البريطانية لسحب قواتها منها وإنهاء انتدابها عليها. تذرّعَت الحكومة البريطانية بأسباب مختلفة لتبرير تلكؤها في منح اعضاء اللجنة تأشيرات سفر الى فلسطين . لقد أوهمت أعضاء اللجنة بأن تلكؤها أو إحجامها عن منحهم تأشيرات السفر كان بسبب الخوف من ان تتعرض حياة اعضاء اللجنة لخطر الموت على يد الفلسطينيين العرب.
نتيجة لذلك ، فقد عَبَّر أغلب أعضاء اللجنة ( ثلاثة أعضاء من خمسة) حماساً قليلاً للسفر في ضوء تلك المخاوف التي نقلها البريطانيون لأعضاء اللجنة .
أما العضوان الآخران ، أي ممثلا بوليڤيا وباناما، وكانا متعاطفان مع القضية الصهيونية ، فكانا يريا بأنه اذا كان السفر الى فلسطين غير ممكن بسبب تردد الحكومة البريطانية وموقفها بهذا الخصوص ، فإنه يمكن لأعضاء اللجنة السفر والإقامة في بلد محاذي لفلسطين ، وممارسة الضُّغوط من هناك على الحكومة البريطانية من أجل العمل على وضع قرار التقسيم موضع التطبيق.
وفِي هذا الخصوص ، فقد عَبَّرَ المندوب البوليڤي ‘راؤول دياز دي مدينا’ عن ذلك صَراحة في اجتماع مع باقي أعضاء اللجنة عُقِدَ في مقر الأمم المتحدة في ليك سكسس في نيويورك عندما أعلن بأن على أعضاء اللجنة واجباً يتعين أن يقوموا بتنفيذه مهما بلغت التكاليف، وعليهم أن لا يسمحوا لبريطانيا للتهزيء بهم وتحدي الأمم المتحدة.
وفِي الاجتماع المذكور ، تَصَدّى مندوب الدانمارك (بــر فيدر شبيل) -وهو من خريجي أوكسفورد – لمندوب بوليفيا وقال له بأنه من الجنون السفر الى فلسطين اذا كان البريطانيون لا يرغبون أن يسمحوا لنا بالدخول الى هناك. وفِي ضوء ذلك ، فإنه من الفِطْنة بمكان أن نَنتظر . لأنه ، وإن نجحنا في الدخول الى هناك وقُتلنا فيها ، فهل سيساعد ذلك في تحقيق أي نتيجة ؟.
تحت تأثير إلحاح أعضاء في اللجنة وضغط دولي ، قَرَّرت الحكومة البريطانية في شباط ١٩٤٨ السماح لطليعة مُمَثِّلة لأعضاء اللجنة بالدخول الى فلسطين.
لقد وَصَلَ هؤلاء الى مطار اللد في ٢ آذار ١٩٤٨ . ولدى وصولهم للمطار ، لم يجد هؤلاء أحداً في استقبالهم، ومُرافَقَتهم للعبور من المنطقة الجمركية في المطار الى خارجها، وذلك كما هو مُعتاد عند إستقبال وفود رسمية من الأمم المتحدة.
ويقول أنه ، وبعد فترة من الإنتظار في أروقة المطار ، وَصَلَ موظفون رسميون بريطانيون الى المطار لمقابلة أعضاء اللجنة . ولدى إجتماعهم بهم، فَسَّروا عدم تواجد أحد في المطار لإستقبالهم بأنهم كانوا يحاولون عدم لَفَتَ الإنتباه الى وُصول أعضاء اللجنة الى فلسطين خوفاً من أن يَتَسبب ذلك في تعريضهم لإرهاب عربي.
ويقول دان كيرزمان ، بأنه تم بعد ذلك حَشْر اعضاء اللجنة في عربة نقل ( Truck) ، وأُرغموا على الجُلوس على أرضية العَرَبة ورؤوسهم بين أرجلهم كإجراء إحتياطي تفادياً للرصاص الطائش، كما قيل لهم . وتم إيداعهم بعد ذلك في غرف أشبه بخلايا/ زنازين ضيقة في الطابق الأرضي وفِي طابق التسوية من بيت مُحاذي لفندق المَلِك داوود الكائن في الحي اليهودي في مدينة القدس. وقد وصلوا الى البيت في الوقت الذي كانت أعمال التنظيف والدهان وتركيب وحدات الإنارة والتجهيزات الصحية لا زالت جارية فيه.
أما الطّامة الكبرى ، كما يقول دان كيرزمان ، فقد تلقاها أعضاء اللجنة في أحد الأيام عندما جاءهم موظف بريطاني وأخبر أعضاء اللجنة المرعوبين ، بأنه سوف يكون من المُتَعَذَّر بعد ذلك اليوم إحضار طَعام لهم من المدينة القديمة في القدس (أي من المنطقة الخاضعة لسيطرة أهل المدينة العرب الفلسطينيين) لأن ذلك أصبح مُهِمّة مَحفوفة بمخاطر جَمّة بسبب سكانها العرب .
ويقول ، بأن ذلك لم يكن أمراً مفهوماً تماماً من قبل أعضاء اللجنة الذين وَجدوا أنفسهم يعتاشون على طَعام يهودي تَقَشُّفي مُقَدَّم لهم من أفراد من يهود الحي اليهودي ، وأن إمرأة يهودية قالت لهم عند إحضارها طَعام لهم ، بأن يهود المدينة لا يملكون كميات كافية من الطعام ، لكنهم ورغم ذلك ، فإنهم لا يقبلون ان يُعاني موظفوا الأُمم المتحدة بسبب تلك الاوضاع من الجوع.
ويُضيف، بأن أعضاء اللجنة وَجدوا انفسهم خلال إقامتهم في فلسطين محاطون بالحُرَّاس ليلاً نهاراً، مع عدم السماح لهم بالخروج من الغرف / الخلايا (أشبه بالزنازين )التي أتيحت لهم الا بتصاريح خاصة، وأن الوحيد الذي أبدى تعاطفا معهم كان هو السير ‘ألان كانينچهام’ ، أي المندوب السامي البريطاني ، والذي كما يقول كيرزمان ، أنه كان يُعارض سياسة حكومته ، لكنه كان لا يَقْوَ على تخفيف الإجراءات المُهينة لضيوفه من أعضاء اللجنة باستثناء تلك الأوقات التي كان يأخذهم فيها في نزهة الى الحديقة العامة حيث كان يَصِف لهم بتلذذ الورود البرية المزروعة فيها والتي تُذَكِّره ببلاده.
ويستطرد قائلاً ، بأنَّ موقف سلطات الإنتداب قد عَبَّر عنه لأعضاء اللجنة وبشكل صريح السير هنري چيرني ، والذي ربما كان يُعتَبَر أنّه رجل بريطانيا القوي في الإدارة البريطانية لفلسطين ، وكان معادياً للصهيونية ، حين قال لهم عند لقاءه بهم:
“آمل أن تكونوا قد إستمتعتم خلال إقامتكم هنا (في فلسطين)، لكنكم بالتأكيد تَعون بأنه سيكون من المُتَعَذَّر أن نمنح أي سلطة لأعضاء اللجنة قبل حلول يوم ١ أيار ١٩٤٨ . إنَّ ذلك سَيُثير غَضَب عَرَب (أهل البلاد) ، وأن على الأُمم المتحدة أن تفهم وببساطة بأنها لا تملك القوة لفرض تطبيق التقسيم “.
ويُنهي كيرزمان هذا المشهد من كتابه بقوله أنه ، وبعد أن مَكَثَ الأعضاء الذين وصلوا من اللجنة الى فلسطين خمسة أسابيع كاملة فبها، تدارسوا خلالها، أثناء إقامتهم في الخلايا التي وُضِعوا فيها، كيفية تطبيق قرار تقسيم فلسطين ، عاد هؤلاء الى بيوتهم يحاولون فيها التعافي من آثار ما لحق بهم أثناء زيارتهم لفلسطين.
هل كان ما واجهه أعضاء اللجنة من تأخيرات وإعاقات ومضايقات وظروف وملابسات وإشكالات، أمراً طارئاً ، أم أنه كان ترتيباً مخططاً له من قبل سلطات الإنتداب البريطاني ؟
ماذا كانت تقصد سلطات الإنتداب البريطاني من هذه التصرفات والمواقف ؟
هل ساعدت هذه الإجراءات في توفير الشروط اللازمة لتمكين الحركة الصهيونية من المُضي في تنفيذ مشروعها في الإعلان منفردة عن تطبيق الشق في قرار التقسيم القاضي بإنشاء دولة يهودية على جزء من أرض فلسطين ؟
هل كان السماح لليهود الأفراد بتزويد أعضاء اللجنة بالطعام محاولة لاستدراج تعاطف من قبل اعضاء اللجنة مع قضية اليهود الصّهاينة في فلسطين ؟
هل كانت تلك الإجراءات من قبل سلطات الانتداب البريطاني تتم ببراءة وحُسُن نية أم أنها كانت تتم عن سبق معرفة بما كانت ستُفضي اليه؟
سأتوقف هنا في هذه اليومية ،… على أن أستكمل معكم رحلة الإبحار في تفاصيل الموقف الأمريكي من قرار التقسيم في الحلقة الرّابعة القادمة .
وللحديث بقية .