في ٦ حزيران ٢٠١٩ ، كتب لؤي الجمّال ، صاحب القلم والتعليق اللاذع والمؤثِّر ، يقول :
بعد التكليف السامي لدولة عمر الرزاز قبل عام كتب عبدالرحمن البيطار الرسالة التالية لدولته وأُعيد نشرها لأهميتها :
رسالة من عبدالرحمن البيطار إلى الرئيس عمر الرزاز في مقالته لهذا اليوم :
يوم الثلاثاء الخامس من حزيران ٢٠١٨
في الخامس من حزيران من هذا العام (٢٠١٨)، صَدَر التكليف الملكي لعمر الرزّاز لتشكيل الحكومة وإدارة الحوار الوطني مع الأردنيين .
في مثل هذا اليوم من العام ١٩٦٧، كانت النّاس في كل البلدان العربية تتأمل أن تتمكن الدول الوطنية العربية ، وعلى الأخص تلك المحيطة بفلسطين ، لتصحيح وإزالة آثار نكبة عام ١٩٤٨.
كان الرئيس التونسي بورقيبة قبل شهور من هذا اليوم (٥ حزيران ١٩٦٧) يُصَرِّح أثناء زيارته للأردن المحمول على جناحيه الغربي والشرقي ، ويدعو للدفع باتجاه حل يقوم على أساس تطبيق قرار التقسيم (رقم ١٨١) الذي اتخذته الأُمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وتطبيق القرار رقم (١٩٤) الرّامي لإعادة الفلسطينيين الذين غادروا بلادِهم طوعاً أو قسرًا في العام ١٩٤٨ الى بلادِهم وإعادة ممتلكاتهم لهم .
كانت الناس تأمل أن تتمكن أنظمة الدول العربية الوطنية التي نشأت بعد العام ١٩٤٨ و/ أو عاشت الفترة الممتدة ما بعد ذلك العام من إحقاق الحقوق العربية الفلسطينية في المواجهة التي بدأت نُذُرها في أيار ١٩٦٧ ، وانفجرت في الخامس من حزيران من العام ١٩٦٧ ، بهجوم صاعق شَنّه السلاح الجوي لدولة الكيان الصهيوني العُنصري ، ونجح فيه بتدمير أسلحة الطيران العربية ، وشل القِيادات السياسية الحاكمة في تلك الفترة عن العمل …!
قبل يوم واحد من الخامس من حزيران من هذا العام(٢٠١٨) ، خاطب جلالة الملك ( عبد الله الثاني) الإعلاميين الاردنيين ، وأطلق تصريحاً خطيراً قال فيه أن الأردن بين خيارين ؛
خيار الخروج من الأزمة الراهنة ، أو
خيار ولوج المجهول …!
في الخامس من حزيران ١٩٦٧ ، فقد الاْردن ما كان يُمْسِك به مما تبقى من فلسطين ( وما تم تسميته منذ العام ١٩٥٠ بالضفة الغربية ) ، وفِي الخامس من حزيران ٢٠١٨، نكتشف أيضاً أن الأردن يواجه تحدياً مصيرياً ، ….
في ظل هذه الظروف، جرى تكليف عمر الرّزاز لتشكيل حكومته،…!
فهل هناك ظُروف تُبرر وتستدعي تشكيل حكومة انقاذ وطني أكثر من هذه الظروف…!؟
هذه الظروف ، دفعتني يوم أمس ، عند سَماعي خبر تكليف عمر الرّزاز ، تشكيل الوزارة ،… دفعتني لأن اكتب له.
كنتُ قد إلتقيتُ به قبل عدة سنوات ولمحتُ فيه قدرات ثاقبة ، وحصلت منه على رقم تلفونه. فأرسلت رسالتي التي كتبتها له يوم أمس الى الواتسأب على رقم تلفونه لدي. وأرسلتُ نسخاً منها لثلاثة أصدقاء يعملون في العمل العام ومعنيون بشؤونه .
ولأني لا اعرف اذا كان قد استلم الرسالة ، فقد قررتُ أن أوردها في يوميتي لهذا اليوم وأن أدعو الأحزاب السياسية والمفكرين والاقتصاديين لإعداد تصوراتهم وأطروحاتهم حول برنامج الإنقاذ الوطني الاقتصادي والسياسي ، تمهيداً لطرحه في جلسات الحوار الوطني ، خاصة وأن الاردنيين لم يتركوا الشوارع ، وبقوا متمسكين بمطالبتهم تغيير النهج الذي أوصلهم الى ما هم فيه الآن …!
كتبتُ الى عمر أقول :
“العزيز عمر
لا أَعْرِف إذا كانت سَتَصِلك هذه الرسالة أم لا . فرقم تلفونك هذا كُنتُ قد أَخَذْته مِنك قبل عدة سنوات .
أمّا وقد تم تكليفك بتشكيل وزارة ، فهذا يَضع مسؤولية تاريخية على أكتافك .
المرحلة حَرِجة وأنت أدرى الناس بتعقيداتها .
المرحلة تحتاج مِنكَ أنْ تُؤلِّف حُكومة إنقاذ وطني . وهي حُكومة سياسية ومهنية باٌمتياز . ويجب أنْ لا تكون نسخة من الحُكومات التي تَشَكَّلَت خلال العقود القليلة الماضية .
ثم أنَّه يتعين ، في نَظَري ، أنْ تُعلِن حُكومتكم عن برنامج إصلاح اقتصادي وسياسي شامل ، فالمُشكِلة ليسَتْ تعديلات في قانون ضريبة دَخْل ولا في نظام خدمة مدنية ،… تلك تطورات أَدَّت الى إنفجار الأزمة ،… أمّا الأزمة، فلا يَحلها سحب القانون أَوْ إدْخال تعديلات ما عليه ،…فكما ذَكَرْت ، فأَنتَ تحتاج الى وضع ، وإعلان برنامج إصلاح إقتصادي وسياسي شامل ، وَلَيْسَ ترقيعاً لعيب ٍ هُنا أوْ هُناك ،..!
ثم أنَّكَ بحاجةٍ لأن تُشَكِّل حُكومة ليْسَتْ من نوع ” حكومة كِبار مُوظّفين ” ، وَلكِنَّك بحاجةٍ الى “حكومة مُؤلفة من قادة سياسيين وإقتصاديين باٌمتياز ” … حُكومة لها قَوْل في سياسات البلد الداخلية كما في سياسات البلد الخارجية ، وعلى قدم المساواة .
تَفادى أنْ تَتَحَوَّل حُكومتك إلى مُجَرد دُمى يَتَحَرَّك كل مِنها بفِعْلِ تَحريك الخُيوط المَشبوكة بها ، من قِبَل “مُحَرِّك” يَقف خَلفَ السِّتار…فعمر الرزاز كَبيرٌ في نَظَرِنا ونَكِنُّ احتراماً خاصاً له ، ولِتُراث عائلة” الرزّاز ” التي يَنتمي لها ، ونُعَوِّل على أنَّه سَيُؤدي دوراً مختلفاً ، وسَيَنْقُل الحياة السياسية في البلد بخُطىً ثابته إلى مرتبة الدول المُتَمَدِّنة حيث تُمارَس السِّياسة من قِبَل أحزاب سياسية كانت قد سَحَقَتها في مراحل سابقة سياسات عُرْفية حَمْقاء…
البلد يَحتاج إلى قانون أحزاب وقانون إنتخابات جديد ، يَضخ دم وحياة في أحزابنا السياسية وفِي مَجْلسنا النيابي ، ويَشْفي غَليل أجيال الأردن الشابة التوَّاقة للمشاركة في عملية تنمية البلاد وإدارة شؤونها بأمانة وبشفافية … وأنتَ الآن في الموقع الذي يُمْكنك فيه من تحريك الحياة السياسية في البلاد، ووضع الاْردن على السِّكّة المُؤَدية الى إيصال الاْردن الى شواطىء الأمان والخلاص والتقدم والتّحرر من التّبعية البَغيضة ،…
تلك مهامٌ كبيرة ، يَحتاج تحقيقها الى الوقت ، وإلى فريقٍ من قادة سياسيين واقتصاديين وليس ، كما ذكرت أعلاه ، إلى حُكومة مؤلفة من أشخاص يعملون بعقلية مُوَظَّفين، ويَفْتَقِدون لروحِ المبادرة والابتكار …!
أما عن مُحاربة الفَساد ، فهذا أمرٌ يَحتاج بحد ذاته إلى إرادة ، وعملية جراحيةكبيرة ، وتَحتاج إلى مِبْضَعِ جرّاحٍ ماهرٍ وأدوات صحيحة ، ومُتابعة حثيثة لمرحلة ما بعد استئصال المرض وإجراء الجراحة ،…!
كما أعتقد بأنَّ إعادة العمل بالتجنيد الإجباري ضَروري لضَخِّ روح الإنضباط والإنتماء في شباب الاْردن وشاباته كلهم ، وهي عَملية تُكمل ما بَدأتَ به أنت في إصلاح نظام التعليم المَدْرِسي ومناهجه ، وأرى أنه من خلال التجنيد الإجباري لشباب وشابات الأردن ، سيكون هناك إمكانية أيضا لتأهيل و/ أو إعادة تدريب الشباب والشابات وتهيئتهم مِهَنيَّاً على النّحو الصحيح وتخريجهم من معسكرات التجنيد الإجباري ومدارسه بمهن ومهارات مَكينة ،…
أمّا وقف مَظاهر البَذَخ والتّبذير والإسراف ، فهو أمرٌ لا حاجةَ لي لأن أُذَكِّرَكَ به ، فأنتَ تنتمي الى عقلية تَعرف كيف يجب أنْ يَتَصرَّف بلد مَحدود الموارد ، ومُعَرََض لأخطار كبيرة ،…!
لا يَحْسِدَك أحدٌ على المَوْقع الذي طُلِب إليك أنْ تَضْطَلِع بمَسؤولياته ،… ولكن العُيون كلها مَشدودة وتُصَوِّب أنظارها عليك ،…
نَشدُّ على يديك.
ربما لا يكون لي حق أن أُخاطبك على هذا النحو ،… ولكِنّه الحِرْص والمَّحبة لَكَ يا عُمَر
عبد الرحمن وهيب البيطار”
٥ حزيران ٢٠١٨
وللحديث ب