Menu Close

الحلقة الحادية عشر : الموقف الامريكي من قرار التقسيم

الحلقة الحادية عشر – يومية الاثنين الموافق ١٢ آب ٢٠١٩

في تفاصيل الموقف الامريكي من قرار التقسيم: تطورات شهري كانون الثاني وضباط ١٩٤٨ ، وذلك كما عرضها هنري لورنس في كتابه ” مسألة فلسطين “.

لَمْ تتمكن لجنة الامم المتحدة الخاصة بفلسطين المشكلة للإضطلاع بوضع قرار التقسيم موضع التطبيق من تقديم تقريرها الأول الى مجلس الأمن الا في ١٦ شباط ١٩٤٨ بدلاً من ١٠ شباط .

يقول هنري لورنس قي كتابه الخامس ١٩٤٧-١٩٥٦ ( من النّكبة الى عَشِيّة أزمة السويس) من مجموعته القَيًمة المعنونة ” مسألة فلسطين ” (ص ٦٦)، إن التقرير إشتمل على تقدير لموقف البلدان العربية من قرار التقسيم ومن الوضع المتشكل في فلسطبن إثر صدور القرار في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وفيه قالت اللجنة ؛

” ان موقف البلدان العربية يشكل تهديداً للسلم أو تمزيقاً للسلم أو عملاً عدوانياً ” ، ويُفسِّر هنري لورنس موقف اللجنة هذا – وهي التي لم تكن قد تمكنت بعد من الوصول الى فلسطين بسبب الموقف السلبي الذي تبنته الحكومة البريطانية من اللجنة في ذلك الوقت – على أنه ” يفتح الطريق أمام صدور قرار من جانب مجلس الأمن يُصَرِّح بإرسال قوات دولية الى فلسطين ” من أجل تطبيق خطة التقسيم .

لكن إتخاذ قرار من قبل مجلس الأمن لفرض تطبيق قرار التقسيم بالقوة كان أمراً ” يُحْرج الدول العظمى ” في ذلك الوقت ، كما يقول هنري لورنس (ص٦٦)، وذلك نظراً لتباين مواقف تلك الدول من هذا الأمر.

أما وجه الإحراج ، فكان يعود الى أنه لم يكن وارداً في ذلك الوقت من العام ١٩٤٨، ” إرسال قوات دولية ” الى فلسطين ، لأنه وكما يقول هنري لورانس ، فإن الولايات المتحدة لم تكن ” تملك الإمكانات العسكرية والسياسية لذاك ” وأنها كانت تخشى أن ” يستفيد الإتحاد السوڤييتي من ذلك لكي يحقق له إنغراساً مستديماً هناك . وعندئذ ، فإن الوصاية ( الدولية على فلسطين ) إنما تبدو بوصفها أقل الحلول سوءاً “. (ص ٦٨)

وبخصوص وجه التباين المشار اليه أعلاه ، فلم يكن فقط مُتجسدٌ في مواقف الدول العظمى ، وإنما أيضا في انقسام الموقف في صفوف المسؤولين في الادارة الامريكية وبالتحديد فيما بين مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية والبيت الأبيض .

حول هذا الامر ، يقول هنري لورنس:

“.. قامت وزارة الخارجية الاميركية بدراسة مسألة القوة الحقوقية لتوصية صادرة عن الجمعية العامة ( يقصد في ذلك توصية التقسيم التي يتضمنها قرار ١٨١) ، وإمكانية الرجوع في ذلك الى محكمة العدل الدولية ،وذلك لأن هذه التوصية تتعارض مع رغبة غالبية سكان فلسطين. لكن الخبراء الحقوقيين يرون أن خلق سابقة لجوء الى المحكمة الدولية ، للفصل في مسألة سياسية ، إنما يعد أمراً بالغ الخطورة ” (ص ٦٦) .

ويقول بأن التقرير الذي كتبه “جورج كينان” بالتشاور مع “لوي هندرسون” والمُسَلَّم لمجلس الأمن القومي الأمريكي الجديد في ٢٠ كانون الثاني ١٩٤٨ يقول :

” إن الإعتراض العربي ( على قرار التقسيم رقم ١٨١) ، إنما يجعل التقسيم صعباً كما يجعل من المستحيل قيام أي تعاون بين الدولتين القادمتين ( العربية واليهودية في فلسطين حسب مقتضيات قرار التقسيم رقم ١٨١).

وقد أصبح الأميركيون عديمي الشعبية إلى حد بعيد في مُجمل البلدان العربية جرّاء موقفهم في الأُمم المتحدة ( أي موقف الولايات المتحدة الداعم لقرار التقسيم ) بتقديم دعم فعلي لتطبيق التقسيم سوف يكون بالغ الخطورة على المصالح الامريكية ، وسوف يؤدي الى عَداء مُستديم من جانب العالم الإسلامي للولايات المتحدة .

وخطة مارشال ( لإعمار أوروبا المُدَمَّرة بسبب الحرب العالمية الثانية ) تتطلب زيادة الإنتاج البترولي للشرق الأوسط من ٨٠٠،٠٠٠ الى مليوني برميل يومياً ؛ ومن ثم فإن تطبيقها ( أي تطبيق خطة تقسيم فلسطين ) إنما يُصبح مُهَدَّدَاً.

والإتحاد السوڤييتي هو الرابح الرئيسي من إنعدام إستقرار الشرق الأدنى . ”

ويُضيف بأن “كينان” قد أوصي في تقريره ” بعدم الإنحياز عملياً الى صَفِّ التقسيم،وبالإعتراض على إرسال قوة من خارج المنطقة الى فلسطين . وعندما تُدْرِك الأُمم المتحدة أن الخُطّة مُستحيلة التطبيق ، فسوف يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل من أجل حَلٍ مَقبول من جميع الأطراف على أساس دولة إتحادية أو على أساس وصاية من جانب الأُمم المتحدة “. (ص٦٧)

أما ” دين راسك ” المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية عن العلاقات مع الأُمم المتحدة ، فقد إقترح في ٢٦ كانون الثاني من العام ١٩٤٨ ، أي بعد اقل من شهرين من صدور قرار التقسيم ، ” إعادة النظر ” في السياسة الأمريكية ، وهو يَرى ، كما يقول هنري لورنس ، ” أنه سيكون بالإمكان وَضْع فلسطين مُؤقتاً تحت وصاية الأُمم المتحدة، وإن كان ضمن البقاء في إطار خُطِّة التقسيم “. (ص٦٧)

أما مُذكرات مكتب الشرق الأدنى في ذلك الوقت ،وهو تابع لوزارة الخارجية الامريكية ، فقد جاء فيها :

” إن الجمعية العامة ( للأُمم المتحدة ) لا تَمْلك سوى حق التّوصية ( وليس إتخاذ القرارات ) ، وخطة التقسيم تتعارض مع رغبة غالبية السُّكان . وجميع الأجهزة الأميركية في العالم العربي تَنقُل الى واشنطون تزايد عداوة الرأي العام ، على الرغم من موقف الحكومات العربية الوُدِّي “. (ص ٦٧)

في ضوء التطورات المذكورة أعلاه ، يقول هنري لورنس أن الرئيس الأمريكي “ترومان” قد إعترف بمبدأ إعادة النَّظَر بخُطّة التقسيم والتي أصبح تطبيقها مُستحيلاً بسبب ” تَعَصُّب” الطرفين ( العربي والصهيوني)، و”إن الرئيس ( الأمريكي) سوف يَمضي في الإتجاه الذي تُريده وزارة الخارجية” الامريكية (ص٦٧) .

ومع الموقف الجديد الذي تَبَنّاه الرئيس الأمريكي ، يقول هنري لورنس ، فإن وزارة الخارجية الأمريكية تَبَنّت في ذلك الوقت، أي في شباط ١٩٤٨، موقفاً مَفاده :

” إنَّ إنخراطاً (أمريكياً) زائداً عن الحدِّ لصالح قيام الدولة اليهودية ( على الجزء المحدد لها في قرار التقسيم، اَي على ٥٥٪؜ من فلسطين ) ، وهو إنخراط من شأنه أن يَصِل الى حد التّدخل العسكري ( الأمريكي في فلسطبن ) ، سوف يعني خسارة جميع المَصالح الأميركية في العالم العربي ؛ وموقف الحياد من شأنه أن يُراعي العرب ، بيد أنه لن يَحول دون تدهور الوضع ( في فلسطين) تدهوراً أكبر . والحال أنَّ السّعي إلى حل آخر ، وهو الحل الذي يتمثل في الوضع ( وضع فلسطين ) تحت الوصاية الدولبة مع الحفاظ على الهِجْرة اليهودية ، هو وَحْده الذي سوف يَسمح بالحفاظ على المَصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة، وذلك على الرغم من إعتراض الصهيونيين القوي ( على مبدأ وضع فلسطين تحت الوصاية الدولية ) “. (ص ٦٨)

بناء على ما سبق ، فقد وافق “جورج مارشال” ، وزير الخارجية الأمريكي ، في ١٩ شباط ١٩٤٨ بعد أن تشاور مع رئيسه “ترومان” ، كما يقول هنري لورنس ، “على إجازة إعداد تصريح، دون تَحديد مَضمونه “، وقد أُذيع التصريح في ٢٤ شباط ١٩٤٨ على شكل خِطاب لمندوب الولايات المتحدة في الأُمم المتحدة “أوستن” ردَّ فيه على تساؤلات “لجنة الأُمم المتحدة الخاصة بفلسطين” . وفِي هذا يقول هنري لورنس ان تفكيراً معقدا يسمح ” باٌستنتاج أن صلاحيات مجلس الأمن

• صون السلم ، أي مَنْع وقوع عدوان على فلسطين قادم من الخارج، أو

• مَنْع تهديد للسلم والأمن الدوليين قادم من داخل فلسطين ، وهي

• لتشمل تقسيم فلسطين .

فلا يبقى امام المجلس سوى تنظيم مُشاورات مع “اللجنة”، والدولة المُنْتَدبة، وممثلي الجَماعات السكانية الرئيسية في فلسطين سعياً إلى تحديد إختصاصات المجلس في هذا المُحال ، وإلى إستكشاف سبل التوفيق . وسيكون ذلك مهمة لجنة تتألف من ممثلي الأعضاء الخمسة الدائمين . ” (ص ٦٨)

وفِي ٢٥ شباط ١٩٤٨، قَدَّم المندوب الأمريكي لمجلس الأمن مشروع قرار في هذا الإتجاه ، غَطّى فيه ايضاً صلاحيات كل من مجلس الأمن والجمعية العامة . إلا أن بلجيكا قَدَّمَت عبر مندوبها في الأُمم المتحدة مشروعاً بديلاً اشار بشكل أوضح الى ضرورة تطبيق خطة التقسيم. (ص ٦٨و ٦٩)

أما “شيرتوك” ، مندوب الوكالة اليهودية ، فقد أكد في يوم ٢٧شباط ١٩٤٨ على موقف الوكالة البهودية من التطورات التي حَصَلَت ، حيث قال :

” لقد حان الوقت لكي يُدرك مندوبي الحكومات العربية أن شعب فلسطين اليهودي لَنْ يَخضع أبداً لوضعية الأقلية المَمْنون عليها، كما هي حال الجاليات اليهودية في الشرق؛ وأن الرغبة في الإستقلال لن تنطفىء أبداً في الأفئدةاليهودية ؛ وأن المَنطق نفسه الذي أدّى الى فوز البلدان العربية في الشرق الأدنى، واحدة بعد الأُخرى ، بسيادتها القومية ، إنما يجعل من غير الوارد مُناقشة مُطالبة اليهود بدولة يهودية في فلسطين ، وإقامتها غير القابلة لأنْ يُقاومها أحد؛ وأنه طالما عارضت الدول العربية بالقوة وصول اليهود الى غايتهم القومية، فإنه لن يكون هناك سِلْم ولا إستقرار في الشرق الأدنى . والمصالح في الأمد الطويل للأشخاص المعنيين لا يمكن حمايتها إلا عبر إتفاق متبادل قائم على المُساواة في الوَضعية وليس على محاولة يُرادُ بها القضاء على اليهود وإبادتهم “.

ماذا حصل بعد ذلك ،… ذلك ما سأورده في الحلقة القادمة

عبد الرحمن البيطار – العقبة