يَومية الأحد الموافق ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٠
أَخَذَتْ الطّائرة مَوْضعها على مَدْرَج الإقلاع في مطار عمان الدولي في الطريق إلى فرانكفورت.
عَقارب الساعة تعانق العاشِرة صباحاُ. هناك تأخير يصل إلى عشرين دقيقة عن مَوعد الإقلاع المُحدد .
كان الجَو في عَمّان ماطِراً عندما تركنا البيت بعد السّابعة صباحاً.
أكثر من ستة وعشرون شَهْراً مَرَّت على تَنفيذ إجراء زِراعة الخلايا الجَذْعِيّة في نُخاعي العَظمي للتّخلص من إحتمال عَودة اللوكيميا الى دَمِي.
في ١٢ تِشرين أول من العام ٢٠١٧، نَقَلَ لي تقرير “المايو كلينيك ” في رُوتشستر نتائج الفحص الجيني ( ؛ نتائج فحص الـعَيِّنات الصَّلْبة من الخُزَع التي تمَّ أخذها من نُخاع عظم أسفل الظَّهْر في ٨ أيلول ٢٠١٧) ، والتي أشارت إلى وجود خلل جيني ، هو الـ مسؤول عن تنشيط الخلايا السرطانية العقيمة في الدم المعروفة بـ Blast Cells ، وأن وُجود ذلك الخلل يجعل من إحتمال عَوْدة تِلكَ الخلايا للعَمَل والنشاط أمراً وارداً ومُحْتَمَلاً خلال عام أو عامين أو اكثر ، وخَلصَ التّقرير الى أن التَّحرر من هذا الخَطَر يَقتضي التّخلص من مَصْنع الدَّم الخاص بي ، والذي زَوَّدَني بالدم طِيلة ٦٩ عاماً من عُمري ، ويقتضي تركيب مصنع دم جديد بديل عن المصنع الأصلي المعطوب ، وذلِكَ من خلال زراعة خلايا جذعية جديدة ( نلتها من أُختي سائدة) في نخاعي العظمي بعد القَضاء على الخلايا الجذعية الأصلية باستعمال السلاح ، أقْصُد العلاج الكيماوي .
في ذلك اليوم الذي عَرِفتُ فيه حاجتي الى خلايا جذعية جديدة وضَرورة زراعتها ،… كان قد مَضى على خروجي من مستشفى مركز الحسين للسرطان في عمان أربعة ايّام فقط، وذلِكَ بعد أن كنت قد أمضيتُ فيها ١٩ يوماً تلقيتُ خلالها علاجاً كيماويًا وفق البروتوكول الطِّبي المعروف بـ (٥+٢) ، والذي نَجَحَ فيها هذا العلاج في القَضاء على خلايا الدم السرطانية Blast Cells ، وأنْزَلَ نِسْبتها من نحو ٢٥٪ ( حَسب نتائج فحص الجزءالسائل من الخُزْع المأخوذة من نُخاعي العَظْمي في ٨ ايلول ٢٠١٧ التي أُجريت في المايو كلينيك ) إلى أقل من ٢٪ وهي نسبة عادية ( يُعتَبَر مَنسوب ألـ ٥٪ وأقل لـ الـ Blast Cells في الدم نِسبة طَبيعية في دم الإنسان العادي) .
هذا مع العلم أَنّي كُنتُ قد إعتُبِرتُ يَومها أنني إجتزتُ العِلاج الكيماوي ،وتخلصتُ من اللوكيميا بنجاح.
[ ملاحظة : يَتم تصنيف الشخص على أنه مريض باللوكيميا (أي مُصاب بمرض لوكيميا ( سرطان) الدم الحاد) إذا ما تَجاوَزت نِسْبِة الـ Blast Cells في الدَّم مَنْسوب الـ 20%، ويتم تصنيفه على أنه يُعاني من الـ Myeloid dysplastic Syndrome)MDS) إذا ما كانت نِسبة الـ Blast Cells في الدَّم تَقع ما بين منسوبي ٥٪ و ٢٠٪ ].
خلال السنوات الثلاثة الأولى بعد زراعة الخلايا الجذعية ، يَتَعَين على الشخص المُعالَج بالزراعة أن يخضع لمراجعات طبية روتينية مَرَّتين الى ثلاثة سنوياً .
موعدي مع البروفسور بيتر دريچر في مستشفى هايدلبيرغ هو في يوم الجمعة الموافق ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٠.
سأخضع قبل ذلك الموعد لعدد من الفُحوص،وسيخبرني البروفسور بالنتائج عِنْد لقائي معه .
لا أَشْعُر بشيء غير عادي أو غير طبيعي يجعلني أقلق على الإطلاق .
أنا مُطمئن .
وأرجو أن تأتي النتائج لتؤكد حالتي الشّعورية التي تتملكني.
[ على فِكْرَة ، إن العلاج بزراعة الخلايا الجَذْعِيّة يوفر البلسم المستقبلي الناجع لأغلب الأمراض المستعصية والإصابات الشديدة ]
أَرَدتُ أنْ أشارك قُرّاء يومياتي بهذه المَعلومات المُسْتَنْبَطة من واقع التجربة المُعاشَة من قِبَلي .
وأُريدُ أنْ أخبرهم أنني عندما غادرت عمان الى هايدلبيرغ في يوم ٢٤ تِشرين أول ٢٠١٧ للقاءً بروفسور بيتر دريغر – مُستشفى جامعة هايدلبيرغ ، الذي قاد عملية زراعة الخلايا الجذعية وأشرف على عِلاجي الناجح من لوكيميا الدم الحاد ، فَقَدَ غادَرت عمان لآخر مَرَّة ودمي من فصيلة “بي بلص”( B+) ، وأنّي عُدْتُ الى عمّان في ٢٠ أيار ٢٠١٨ ، بفصيلة دَم جديدة هي ” AB+) .
هي مُعجزات العقل البشري والبحث العلمي ، والحَصافة والمثابرة ، والدقة والتدقيق.
عبد الرحمن البيطار
طائرة المَلَكية المتجهة الى فرانكفورت
( هايدلبيرغ – ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٠- بَعد الرابعة توقيت هايدلبيرغ بنحو ١١ دَقيقة )