يومية الأربعاء المُوافق ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٠
إستقبلنا ” مسعود ” بحفاوة ونحن ندخل الى سيارته التاكسي بعدالعاشرة صباحاً . سألني عن صحتي. أخبرتَه أنها على ما يُرام .
” مسعود” و ” زَوجته ” نور الهدى ” تركيان ، ألمانيان ،يعملان على ” التاكسي” في هايدلبيرغ. مَرّات كَثيرة أثناء إقامتنا في هايدلبيرغ في العام ٢٠١٨ كانا يقدمان لنا خدمات التنقل داخل هايدلبيرغ.
أجْمَل ما في هايدلبيرغ أنَّها مدينة صغيرة والناس تعرف بعضها البعض على نحو أكبر بصورة نسبية.
مُنى قالت ان رسالة سَماء لها البارحة أفادتها ان البَّرْد في عمان شَديد ، ولكن بلا ثلوج ، وفي هايدلبيرغ ، الوضع مشابه. برد شديد ولا ثلوج.
تَنَبَّهتُ إلى أنَّ سُفوح الجبل على يسار الطريق الذي سَلَكَه “مَسْعود” تكسوها ” لَحْسَة ” من البَياض ، وكأنه آثار ُثَلْجٍ تَساقَطَ ، أو رُطوبة تَجَلَّدَت ،…أمّا الى يمين الطّريق ، فإن نهر ” نيكار” كان رفيقنا على امتداد الطريق المؤدي الى الـ ” أورثوبيديك كلينيك ” التابعة لمستشفى جامعة هايدلبيرغ.
لقد إسْتَعَرْتُ كلمة ” لَحْسِه” في وصف ذلك ” البَياض ” الذي وَشَّح سَفْح الجبل من هبة ،… التي ضَحِكَتْ عِنْدما طَلَبتُ منها أنْ تَنْظُر الى السَّفْح لترى الثلوج التي ” تُوَشِّحه”…
في صالة الإنتظار في المستشفى ، وبَعْدَ أَن جاءَت ” باتينا ” ( الفيزيوثيرابست) ورافقتها منى الى غُرفة الفيزيوثيرابي ،…التقطتُ منشوراً للمستشفى أثار إهتمامي فيه صُورة على غلافه لثلاثة نساء ورجلين ، يتمجلسون على درج معدني ، وكل من هؤلاء بطرف صناعي ، وجميعهم يبتسمون ،… وعلى الصفحة المقابلة للغلاف ، هناك سَبْعة صُوَر ، احدها لشخص بساق إصطناعية جالس على ماكينة تمارين في صالة رياضية، والثانية لشخص يراقص فتاة بساق اصطناعية ، والثالثة لفتاة ورجل لساق اصطناعية يحملان جَدَّافتين قبل نزولهما الى قاربهما في النّهر للتجديف، والرابعة ، لامرأتين ورجل ، وجميعهم بأطراف صناعية يمارسون رياضة المشي، والخامسة لامرأة بساق صناعية ، على صَهْوَة حصان، والسادسة لإمرأة بساق صناعية في غُرْفة مُجَهزة للتدرب على صعود الحوائط / الجبال، أما السابعة ، فهي لعِدة رِجال ونساءً مقعدين يتراشقون الكرات في صالة رياضية ،….
الصور تريد ان تقول ببساطة ان فُقدان طَرَف لا يعني إنتهاء الحياة ،…أو توقفها عن الحركة،… فالإنسان أقوى من المُعَوِّقات والإعاقات، ويمكنه ان يستمر في حياته الطبيعية مُمارِسا ً لهواياته ولشؤونه الحياتية دون أي قيد ،… وأن كل ما يحتاج اليه هو الإرادة ، والخيال ، والعزم ، ومقاومة الاحساس بالضعف او اليأس…!

هذا الصباح ، نَقَلَت نَشرة الأخبار أن قوات الإحتلال الصهيوني العنصري المُتَمَرْكِزة على طول الأسلاك الشائكة التي أقامتها على طول خط الحدود مع قطاع غزة الفلسطيني ، والذي حَوَّلته ليصبح أكبر غيتو في التاريخ المعاصر الحَديث بعد نجاح الإنسانية في تدمير الغيتوات التي أُقيمَت لليهود في أوروبا على مدار عصور ، والى تحويلها الى متاحف ، يُمارس فيها الزوَّار مُهِمة التذكار لعصور سوداء من مُمارسات إضطهاد وظلم البشر للبشر .. أقول نقلت الأخبار ان تلك القوات قامَت بقتل ثلاثة فتية لاقترابهم من الخط المذكور ،… وهذه القوات هي التي قتلت المئات من المتظاهرين الفلسطينيين وجرحت اكثر من عشرين ألفا منهم خلال العام الماضي لمجرد قيامهم بالإحتجاج على جريمة التلجيء، والتطهير العرقي التي إقترفتها هذه القوات في العام ١٩٤٨ ، ومُنذ ذلك العام ، بحَقِّ الجزء الاكبر من السُّكان الفلسطينيين العرب .
هذه الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية العنصرية التي عبئت اليهود المُهاجِرين لفلسطين بثقافة عنصرية استعمارية إقتلاعية إحلالية هي آخر الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني العربي في فلسطين وحولتهم الى إستعماريين ، يُقدسون الإحتلال وثقافته وسياساته ، ويستمتعون بممارسة القتل دون تمييز ، بلا رأفة ولا رحمة ،.. ذَكَّرتني بما كان إدوارد سعيد قد كَتَبَه في العام ١٩٩٢ في مُقدمة الطبعة الثانية لكتابه ” مسألة فلسطين ” في كَيف نجحت الصهيونية في تحويل الضحايا اليهود الذين هجرتهم من بلدانهم الى فلسطين أو جزء كبير منهم الى مُضطهِدين ، يُجيدونَ فن إنتاج ضَحايا جُدُد ، وفن التنكيل بضحاياهم الجُدُد ، ويَمهرون في طُرُق حشر ضحاياهم من الفلسطينيبن العرب ، سُكان فلسطين الأصليين في غيتوات ، أبشع من تلك التي حُشِرَ فيها أجدادهم الأوربيين اليهود ، ويتغنون في تحويل مدن الفلسطينيبن العرب وبلداتهم وقراهم الى معازل سكانية محاطة بجدران الفصل العنصري ، وبالمستعمرات السكانية المدججة بالسلاح ، وبالطرق الإلتفافية ، والمخنوقة بمصادرة اراضي الفلاحين الفلسطينيين البُسَطاء …!
وفي هذا يُبدِع إدوارد عندما يقول في المُقدمة التي كتبها بأن عليه أن يُضيف ، “بأن عدم التكافؤ ، أو عدم التماثل اللافت للنظر ، فيما بين موقع الفلسطينيين ، من جهة باعتبارهم شعباً مظلوماً ، ومحروماً ، تم تجريده من وطنه ومن ممتلكاته من قبل آخرين إرتكبوا الخطايا بحقه ، وبين اسرائيل ، باعتبارها ” دولة الشعب اليهودي ” والأداة المباشرة في معاناة الفلسطينيبن ، هما أمران عظيمان ، لَم يتم إعطاءهما حقهما من الإقرار المستحق أيضا “.
يُثير إدوارد في مقدمته مسألة حساسة جدا ، عندما يقول :” نجد مفارقة معقدة : تتمثل في كيف أصبح ضحايا كلاسيكيين عبر السنين الطوال للإضطهاد اللاسامي ، وللهلوكوست ، في الأُمة الجديدة التي أنشأها هؤلاء لهم هم المتسببين في تحويل شعب آخر الى ضحايا، وأصبح هؤلاء بالتالي ضحايا الضحايا”.
ويتساءل إدوارد عن موقف المثقفين في هذا العالم ، من مسألة التغاضي عن إضطهاد الفلسطينيبن ، وعن عملية تجريدهم من حقوقهم الوطنية والإنسانية ، فيقول :” إن عدم مواجهة إسرائيليين كثر ، ومثقفين غربيين ، من اليهود وغير اليهود ، لا فرق لهذا المأزق dilemma بشجاعة وعلى نحو مباشر ، هو ، خيانة بمقياس واسع جداً ارتكبها المثقفون، وعلى الأخص ، في صَمْتهم ، وفِي تغاضيهم أو تعاميهم ، أو إدعائهم الجهل وعدم الإنخراط ”
وفي هذا يقول إدوارد ؛ “إن هذا الموقف من قبل المثقفين ، يؤبد معاناة شعب ، لا يستحق فعلاً ، كل هذا العَذاب الذي لحق به منذ مدة طويلة”.
ويُضيف إدوارد ، ويقول:” بالتأكيد ، إذا لم يأت أَحَدٌ ما ويتقدم الصفوف ويقول بصراحة ، نعم، يَستوجب على الفلسطينيين حقاً أن يُكَفِّروا عن الجرائم التاريخية التي إقتُرِفَت بحق اليهود في أوروبا ، فإنه ، من الحق أيضا أن لا يُقال ، لا ، لا يجب السّماح للفلسطينيين أن يمروا بكل هذا البلاء لوقت يزيد عمّا مَرّوا به ، لأن في فعل ذلك نِفاق، وجبن أخلاقي ذا بعد فريد”.
“لكن تلك هي الحقيقة. كم من السياسيين السابقين أو من المثقفين النشيطين المنخرطين يقول في السر أن السياسة العسكرية الإسرائيلية ، والغرور والصفاقة السياسية تُرْعِبه ، أو أنه يَعتَقِد أن الإحتلال ، والإستيطان في المناطق المحتلة والضم الزاحف للاراضي ، غير قابل للتبرير ، لكنهم مع ذلك، فهم لا يتجرأون عن الإفصاح عن مواقفهم بالعلن ولو حتى على نحو يسير ، في الوقت الذي لكلماتهم بعض التأثير ؟ . وكم هو مثير للسخرية ، وحتى السادية ، آداء الرؤساء الأمريكيين الذي يشيدون بشجاعة الصينيين ، والروس ، والأوربيين الشرقيين ، والمنشقين الأفغان ، المقاتلين في سبيل الحرية ، ولكنهم لا ينطقون بكلمة إقرار بأن الفلسطينيين يخوضون نفس المعركة ، وعلى أقل تقدير بذات القدر من الشجاعة والهمة ؟ “.
ويقول إدوارد ، أن في ذلك خُلاصة لعدة عقود من الجهد الفلسطيني المتصل— أي للنضال في سبيل إنتزاع إعتراف بالمأساة الفلسطينية على ما هي عليه ، والنضال في سبيىل الإعتراف برواية سياسية غير عادية وحتى غير مسبوقة في مدى صعوبتها، وهو نضال انخرط فيه ببسالة شعب بكامله.
ويُضيف ادواورد قائلا أنْ لا حركة في التاريخ واجهت خصماً على ذات الدرجة من الصعوبة كالخَصم الذي تواجهه الحركة الفلسطينية: وهذا الخَصم هو شعب مُعتَرَف به بأنه الضحية الكلاسيكية في التاريخ”.
سأكتفي بهذا القدر في هذه اليَومية .
عبد الرحمن البيطار – هايدلبيرغ