Menu Close

عمان في الزمن الكوروني – السبت الموافق ٢٨ آذار ٢٠٢٠

يومية السبت الموافق ٢٨ آذار ٢٠٢٠

عن بُعْد ، أرى صفاً طويلاً من الناس يصطف على امتداد شارع الـ ” ميوزيك بوكس ” المتفرع من شارع عبد الله غوشه بانتظار الدَّوًر للولوج الى مَحَل خضروات “الجبالي” …!

في الصَّف ، تَرى الرجال والنساء، كِباراً وصِغاراً ، صَبايا وصِبيان ، من كل فئات المُجتمع ، بعضهم بملابس البيت الزاهية أوْ الفاقعة الألوان ، يَصطفون تحتَ أشعة شَمْسٍ حامِيَة وراء بَعْضَهم البعض ، يَفصل الواحد منهم عن الآخر مَسافة تَصِل الى نحو مترين ، … هُم يتنظرون الدَّور بصبر ورباطة جأش ،.. ولكن وبين الحين والآخر ، ينفجر أحدهم مُنْفَعِلاً وذلِكَ إذا ما شَعْر أَحدهم أنْ آخر ينتهك النظام والدَّوْر…

كان ذلك المَشهد يوم أمس الجمعة .

في هذه الأيام ، يَكتظ الفَضاء الإعلامي بكل شيء له علاقة بالكورونا.

مُنى تَقولُ لي ؛ لقد ضَجِرت،… كَفى ، كَفى،… من يَسْتَمِع الى كل هذا الدَّفق من المَعلومات والأخبار يتراءى له وكأنَّ الحياة على وشك الانتهاء …. ! ،

هل هي كذلك؟

أما شاشة التلفون الشخصي ، فهي كذلك مُثْقَلَة بالأخبار والمعلومات والفيديوهات عن الكورونا وإحصائياتها ، وعن تطور الأوضاع هنا في البَّلَد ، وكذلك في كل بَلَد ، في هذه الكرة الأرضية التي داهمها فيروس الكورونا بلا رحمة ولا هوادة . ويَستمع المرء في خِضَمِّ هذا الدفق من المعلومات والأخبار لتجارب الناس هنا وهناك ، والى مشاعرهم ، هذا مع فيض من الإنتقاد لما كشفه الفيروس الحقير من اٌنكشاف فاضح للدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء ، وعدم استعدادها لمواجهة مثل هذا الوباء الذي يَجتاح دول العالم كلها ، لا يُمَيِّز بين دولة وأُخرى ، غَنية أو فَقيرة ، ولا يعترف بالفروق بين البشر لا على أساس ألوان بَشَرَتهم إن كانت صفراء أو بَيضاء أو سوداء ، ولا على أساس منسوب الطبقة التي ينتمون لها ، او مُستوى تعليمهم .

وعلى شاشة التلفاز ايضاً، أثارت مذيعة برنامج ” المَشْهدية” سؤال مثير ؛

ماذا عمن يموتون من المرضى بالكورونا ؟

هل يموت الفيروس مع جثمان المريض عند دفنه ؟ أَمْ انه يبق حَيّاً في جسم الميت المدفون ؟

عندما إستمعتُ الى السؤال ، سألتُ نفسي ؛

هل لهذا السبب ، يحرق الإيطاليون جثامين موتى الكورونا ؟

البَشَرِيّة غير مُتَحَضِّرة لهذا النوع من الأعداء ، هذا ما فَضَحَه هذا الفيروس غير المرئي. ولكن البَّشَر أمضوا كل الوقت في تحضير انفسهم وتجهيزها في الإستعداد لمواجهة بعضهم البعض بكل أنواع أسلحة الإبادة ، وأنفقوا في سِياق ذلك مبالغ طائلة ، لا حصر لها ، على تطوير أسلحة الدمار الشامل، وغير الشامل ، وراحوا يتنافسون على كَيفَ يزيدون منسوب ذكاء تلك الأسلحة لتُصبح أكثر فتكاً وأوقع أثراً إزاء بعضهم البعض.

لَفَتَ انتباهي هذا الصباح مقال كَتَبه الدكتور ديب هاشم تحت عنوان ؛ ” الحَرْب التي لم يَتَنَبّأ بها أحد – نحو عالم ما بعد كورونا ” ، كان قد أرسله لي أخي أحمد. وقد وَجَدْته مُثيراً ومُفيداً ، وفِيه يقول الكاتب:

“صاروخ ‘ستينغَرْ’ المُتواضع المَحمول على الكَتِف الذي تُنتجه الولايات المتحدة بمئات الآلاف ، والذي أَلهَبَت نيرانه العالم لعقودٍ خَلَتْ، من أنغولا الى جُزُر الفوكلاند الى أفغانستان وغيرها.. سِعْره ٤٠،٠٠٠ دولار تقريباً ، وهو يُوازي سِعْر جِهاز التنفس الإصطناعي الذي تَصْرُخ ولاية نيويورك حالياً طالبةً تأمينه لتَقي مواطنيها غائلة الموت إختناقاً.

هذا دُون أنْ نَذكُر الترسانات الهائلة من صَواريخ الدّمار المُكَدَّسة وأسعارها الخيالية حيث يتجاوز سِعْر صاروخ توماهوك وحده ١.٥ مليون دولار.

إيطاليا صاحبة خامس أكبر أُسطول جوّي في حلف الأطلسي تُصارع وحدها في مُواجهة ذلك الجيش الخَفِي الذي يَفتِك بشعبها، ولا تَمتلك أجهزة تَنَفُّس إصطناعي تُساعد في إسعاف الضحايا الذين يَتساقطون يومياً.

بريطانيا العظمى مع تَرْسانة الـ ٢١٥ رأس نووي، كابَرَت في البداية، ولَمْ تَعترف بجَبَروت كورونا وسَطْوته ، فتَصرَّفت بعنجهيتها المَعهودة، وتَلقَفَّت نظرية بائسة من جارتها هولندا، إسمها “مَناعة القَطيع” في مُواجهة الفيروس القاتل، لتكتشف مُتأخرة فَداحة خَيارها.

فَرنسا أيضاً ذات الـ ٣٠٠ رأس نووي سارَت على نَهْج بريطانيا ، ثم ما لَبثَت أن استفاقت على نَقْص فادِح في مُعداتها الطبية اللازمة لمواجهة الوباء”.

يُنهي الكاتب مَقالِه ، بإثارة تساؤلات عدة منها :

“مهما يكن من امر، البشرية كلها اليوم في مركب واحد، ولا جبل يعصم من الطوفان، الا سفينة العقل التي تحتم على ذوي الألباب الضرب على يد أولئك المعتوهين الجبابره الذين يقودون العالم الى الجحيم بغبائهم.

ولا يحق لأحد بعد اليوم، من دول العالم الذي سقط، وكان يدعى العالم الأول، التنظير في حقوق الإنسان، ولا معنى لهيئة أمم او لقانون او مجتمع دولي، ما لم يكن هناك سعي واضح وصريح يسفر عن إقفال مصانع الدمار العالمية، التي تنتج الأسلحة الفتاكة، وتملأ خزاناتها بالقنابل النووية والجرثومية والصواريخ العابرة لحقوق الإنسان وحياة البشر.

ليتاح للإنسان بعدئذٍ ان يتفرغ لرسالته في إعمار الكون بالأخلاق ومبادئ المحبة والرحمة والقيم السامية.”

هل تصحو البشرية وتعي خطورة الأمر وفداحة المشكلة ؟

أَمْ أنها ستعيد الكرّة مَرَّة أخرى ، وتُعاود اجترار تجربتها وأنانيتها؟

يَحْضُرني في ذلك تعليق كتبه الصديق حاتم رشيد ، بعنوان ” عِبرة كورونا ” ، وفِيه يقول :

“عبر التاريخ تفيدنا بأن الإنسان كينونة عنيدة عَصِيّة على الترويض مهما تعاظمت الكوارث. وما ان يتحرر من كارثة حتى يعود لاستئناف ظُلْمِه وتفجير أنانيته الفَرْدية والجمعية.

أقدار الجنس البشري أن يبقى أسيراً في أُرجوحة الخير والشر الأبدية. ترجح نسبة هذه فتنبري لها تلك. أطماع الإنسان تتصل بأنانيته التي تنبعث من ذُعْر وجودي لا فَكاك منه. لذا فنحن أمام سلسلة تتصل حلقاتها الى ما لانهاية. ننتقل من واحدة لأُخرى نَقيضة. ولا نَكُف عن تجديد ألمنا المُقيم مثلما لا نَكُف عن التشبث بأملنا. نحن محكومون بين رحى التناقض القابض على حياتنا مبقياً لنا قدراً من الغُموض كافيا ًلمنح حياتنا القَدْر الضروي من الإثارة تبرر القبول بها والتهافت عليها. الحياة هي جَذوة الأمل التي لا تَنطفئ، لذا ليس للموت فُرْصة للإنتصار. مثلما ليس للحكمة فُرْصتها في إدارة هذا العالم المجنون بالفطرة.”

عبد الرحمن البيطار

عمان في الزمن الكوروني

السبت ٢٨ آذار ٢٠٢٠