يومية الثلاثاء الموافق ١٤ نيسان ٢٠٢٠
بعد أن أنجزت هذا الصباح رياضة المشي في الحديقة ، لفت إنتباهي مقال كَتَبه الصديق محمد قِرِّش من القُدس ، بعنوان :
“المديونية الأمريكية الضخمة لا تُشَكِّل عِبئاً على اقتصادها
وتُحَرِّك القاطرة الصينية لقيادة إقتصاد العالم مسألة وقت”.
مع ملاحظة تقول:
“كنت وما زلت اتوقع منك رايا حول ما تضمنته الورقة”.
في الواقع، فقد كنت قد قرأت مقالِه ، قبل عدة ايّام بعد ان ارسلها الي .
ان ما أراد ان يَقوله في كلمته ، لحصة في العنوان الذي اختاره لها .
لذا ، وبَعْدَ ان عُدْت الى مقالته من جديد ، وَجَدتني اختلف معه ، واكتب له لاقول :
“الأخ محمد
أُسعدتم أوقاتًا في هذا الزمن الكوروني .
قرأت مقالك عدة مرات ، حاولت خلالها ان اتفق معك .
مقالك مهم ، وفي وقته.
وفي الوقت الذي التقي فيه معك في الكثير مما ورد في المقال ، إلا أني أجنح للذّهاب الى تُوَقع سيناريو آخر غير ما ورد في المقال ،هذا مع أني لا أقلل من إحتمال أن تَسْعى الصين لتسجيل نُقاط في الإتجاه الذي أخذت به في مقالك.
قبل أن أبدي الرأي ، دَعني أولا أنْ أثير ملاحظات قليلة على ما ورد في عدد من الفقرات التي جاءت في مقدمة مقالك.
ملاحظات :
• في الفقرة (٢) ، كُنْتَ تتحدث عن عَقْد ” الستينات ” (؟) وان التّطورات التي حصلت في ذلك العقد ، ادت الى احداث اضطرابات … نجمت عن عاملين احدهما ما ورد في البند (ب).
صياغة الفقرة توحي بان الاضطرابات قد حصلت في عَقَدَ الستينات ( او السبعينات )،…
نعم يا ابو سامر ، بعد العام ١٩٧٢، نَشَأَ ما يسمى بـ ” البترو دولار “،… لكن اليُورو لم ينشأ الا في العام ١٩٩٩، وبدأ استخدامه على شكل واسع في دول الاتحاد الاوروبي في العام ٢٠٠٢،..
اعتقد ، ان الفقرة تحتاج الى اعادة صياغة واستطراد لتعكس ما تَرغب في قوله .
• في الفقرة (٢-ت) ، تقول : “ت-وكنتيجة للعاملين (أ، ب) بات مجموع الدولارات المطروحة بالتداول وفي المؤسسات المالية الدولية أكبر بنحو ثلاث مرات من قيمة الذهب المحتفظ به في خزائن المجلس الفيدرالي الأمريكي بالسعر المحدد في اتفاقية بريتون وودز. وخطورة هذه النقطة تكمن في حال لو تمت مبادلة الكميات المعروضة من الدولارات في الأسواق الدولية والمقدمة لاستبدالها بالذهب (وفقا لاتفاقية بريتون وودز) فإن خزائن المجلس الاحتياطي الأمريكي من الذهب سوف تنفذ ولن يبقى لديه أي أونصة؟ مع بقاء كميات كبيرة من الدولارات غير المغطاة في التداول والتي لا يمكن مبادلتها بالذهب لنفاذ الكمية.”
في اعتقادي ، أنْ الفرضية المذكورة في هذه الفقرة غير واقعية وغير واردة ، لأن الولايات المتحدة ، منذ العام ١٩٧٢، قَدْ استبدلت عَلاقة معادلة الدولار بالذهب بـمعادلة بديلة هي الدولار / الاقتصاد الامريكي + البترو دولار ، اي اشتراط تسعير البترول بالدولار والتبادل بالدولار الامريكي فقط. لذلك تُقاوم الولايات المتحدة اي محاولة لاستبدال تسعير البترول بعملة اخرى غير الدولار الامريكي ، ولهذا السبب ، قَرَّرت إسقاط صدام حسين لانه تجرأ لاول مرة ببيع بتروله بعملة غير الدولار …
اما ما خلصت اليه في المقال ، فإنّي اتوقع سيناريو آخر.
انا اعتقد ان الصين مرهونة في اقتصادها وفي نموه بالسوق والاقتصاد الامريكي ومربوطة به، وتتأثر مُباشرة ويشكل فوري بما يحصل فيه من تطورات.
أنا اعتقد أن إنفكاك إقتصاد الصين عن إقتصاد امريكا صعب ومكلف ، فهما مترابطان على نحو مدهش، وقد يكون متعذراً حصول الإنفكاك المؤثر في المدى المتوسط . وينطبق هذا الأمر ، وإن كان بِقَدرٍ أقل، ولكن مُتعاظِم ، على الولايات المتحدة.
في ضوء ذلك ، فأنا أرى إحتمالًا كبيرًا ، في ظل تباعد الولايات المتحدة عن أوروبا ( الذي يبدو في هذه المرحلة متزايدًا ) أن يحْصُل ، بالمقابل ، في أواخر المَدى القريب ، أيِّ بَعد مَرْحلة من الإشتباك والتصارع الدائر حالياً، تقارب متزايد ( بعكس ما يبدو حاصلاً الآن ) ما بين الولايات المتحدة والصين، سيُفضي الى توافقات ستزداد مساحتها مع الزمن في المدى المتوسط .
الجفاء، والتنافس ، والصراع الذي يبدو أنه قائم ويتزايد ما بين الولايات المتحدة والصين ، هدفه في نَظري ، تحسين قواعد الإتفاق والتحاصص ما بين الطرفين، وهو مُقدمة لاتفاق فيما بينهما يقوم على قاعِدة تقاسم المصالح والنفوذ،…
وفي هذا الإطار ، أرى أن الولايات المتحدة ستسعى لاستبدال أوروبا المتحالفة معها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بالصين ( وُفْق قَواعد ستساهم الصين بشكل كبير في تحديدها) في مهمة تستهدف تقاسم المصالح والنفوذ في العالم .
في هذه المرحلة من مراحل الصراع الذي تشهده العلاقات الدولية، فإن الصين تسعى وستسعى بتزايد لتقوية موقفها ولتعزيز وتكثير الأوراق التي تملكها حاليا وقوتها، في حين ستسعى الولايات المتحدة لتقليل خسائرها ، ولزيادة حجم ومفاعيل الضُّغوط التي تمارسها على الصين، من أجل المحافظة على اكبر قدر ممكن من أوراق القوة في يدها لغاية أن تستمر في الهيمنة العالمية أو على أكبر قدر ممكن من حِصتها فيها.
العالَم يا صديقي محمد، كما يقول الفلاسفة وقادة الفكر والرأي في هذا العالم ، تحكمه المَصالح ولا تحكمه المبادىء والقيم والمعايير الأخلاقية ،… وأعتقد أنك تتفق معي في هذا الإستنتاج .
في ضوء كل ذلك يا صديقي ، يبقى ، أن علينا كأصحاب قضية أن نُحْسن قراءة التاريخ ، والتغير المحتمل في العلاقات الدولية ، وأوزان الدُّوَل ، وأن نسعى لنعيد بناء علاقتنا مع الصين لأنها هي التي ستكون قادرة على التأثير على الموقف الامريكي ، وأن نطور استراتيجية نضال وطني جديدة تفضح ، في إطار ما تشتبك فيه من قضايا متنوعة وعديدة ، الطابع العنصري للمَشروع الصهيوني في فلسطين لإعادة تصويب ما ألحقته الصهيونية العنصرية في تحالفها مع الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة من أضرار ومصائب بالشعب العربي الفلسطيني ، ولإزالة ما ألحقته كذلك من تزييف بوعي يهود فلسطين والعالم والذي نَجَحَت من خلاله في تَحويل يَهود فلسطين والعالم الى مضْطَهِدين وتجنيدهم في حَملة تقطر عنصرية وكراهية، لجعلهم يشاركون ضحاياهم في تخليص البشرية جمعاء من نِظام الأبارتهايد العنصري الأسود الذي اقامته في فلسطين ، كل فلسطين ، من البحر الى النهر .”
هذا هو رأيي يا ابو سامر
… مع انتهائي من كتابة هذه اليومية ، كان على باب البيت صديقي وابن عمي نضال ، يَحمل الي قِطع مستخلصة من صينية كنافة نابلسية …!
مفاجأة ليست جميلة وحَسْبَ ، بل وحلوة بحلاوة وزكاوة الكنافة ذاتها .
◦ شُكراً نضال …!
عبد الرحمن البيطار
عمان في الزمن الكوروني.