يومية الثلاثاء الموافق ١٠ نيسان ٢٠٢٠
عادَت الشمس ونَجَحَت لبرهة في أنْ تَجِد لها ،من بين غُيوم هذا الصباح ، كوة تَنفذ منها الى فضاء عمان وتملىء ترابها بأشعتها الذهبية .
كانت الشمس تُقاوم ، في ضوء إصرار عنيد من الغُيوم لحجبها ،… ولكنها وصلت في نهاية المطاف الى حي الروابي من أحياء عمّان الغربية ، حيث أقطن …!
ذَكَّرتني الغُيوم ، والأمطار التي أسقطتها ، وأشعة الشمس المحدودة التي تمكنت من الوصول ،…ذَكَّرتني بـ كمال ناصر ،…الغائب الحاضر منذ ١٠ نيسان ١٩٧٣ ، وهو اليوم الذي تم في مساءه اغتيال كمال ناصر في مسكنه في بيروت .
أحلى ما كُتِبَ في كمال ناصر ، هو ما كَتَبَه فيه صقر أبو فخر في نيسان ٢٠١١ في ذكرى مرور ثمان وثلاثون عامًا على استشهاده، ونشرته “فلسطين”
ومع أني لم أستأذن صقر في نشر مقتطفات من مقاله ، فسأسمح لنَفْسي بذلك ، لأن إستذكار كمال في هذا اليوم ، هو التأكيد على أنْ القضية التي قضى كل عمره يناضل من أجلها ما زالت حَيّة ، وان النضال من أجلها سيبقى حيا الى أنْ تتحقق الأهداف التي ناضل كمال من اجلها: التّحرير والعَوْدة وبناء الدولة الديمقراطية الواحدة على كامل ارض فلسطين .
يقتبس صقر من غادة السمّان كلماتها في كمال ويقول :
“قالت عنه الأديبة السورية الكبيرة غادة السمّان في إحدى رسائلها إليه:
«ينتابني إحساس دائم، كلما كتبت إليك، هو أنني لن أتلقى رداً. فأنت أيها الفارس المشرد ضائع في هذا العالم الواسع، ومن المحتمل أن تصل رسالتي إليك وأنت قد غادرت عمان (وصرتَ) حاكماً لسوريا أو قتيلاً في بيرزيت».”
ويقول :
“لم يخب حدس غادة السمان، وتحقق نصف نبوءتها؛ فقد سقط كمال ناصر قتيلاً لا في بيرزيت، بل في بيروت. وأصبح حاكماً لا في سوريا، بل في قلوبنا وفي ذاكرتنا.”
وحول سيرة حياته ، يُلخصها صقر في سطور فيقول أن كمال قد وُلِدَ في غَزَّة في ١٠ نيسان ١٩٢٤ لعائله من بلدة بيرزيت ، والتي تلقى في كليتها ( كلية بيرزيت ) -التي أسستها خالته نبيهة ناصر- الدِّراسة ، وأظهر فيها تفوقه في الشعر وفي المباريات الشعرية.
أما بَيروت ، ففي الجامعة الأميركية فيها ، درس العلوم السياسية، وتخرج في سنة ١٩٤٥.
عَمَلٍ بعد تخرجه في التدريس ، ثم عُيِّنَ سكرتيراً لتحرير جريدة «فلسطين»، وأصدر مع عبد الله الريماوي جريدة «البعث»، وشارك، في ما بعد، في إصدار مجلة «الجيل الجديد».
انضم كمال إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في سنة ١٩٥٤، وأصبح نائباً في البرلمان الأردني في سنة ١٩٥٦.
التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية بعد هزيمة الخامس من حزيران ١٩٦٧، وانتخب عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة في سنة ١٩٦٩، وتسلم مسؤولية الإعلام فيها، وبهذه الصفة صار الناطق الرسمي باسم المنظمة.
أصدر العدد الأول من مجلة «فلسطين الثورة» في ٢٨ حزيران ١٩٧٢.
نظم الشعر منذ صغره ، ونشر مؤلفات شعرية عديدة أهمها : «بواكير»و «خيمة في وجه الأعاصير»و «أنشودة الحقد» و «جراح تغني»و «أغنية النهاية»، وله مسرحية يتيمة حَمَل عنوانها إسم : «الصح والخطأ» ، وكما يرى القارىء ، فإن الاسماء التي اختارها لمؤلفاته تَنطق بذاتها وتضيف الى فيوضات الوَجْد أعمالاً ذات قيمة . ويقول في ذلك صقر أنْ كمال كثيرا ما كان يُرَدِّد :
“أمامي عشرون سنة لكتابة الشِّعر، ولا أريد أن أموت قبل ذلك. ومع أن السياسة سرقت منه رحيق الشعر، إلا أنه ظل يراوغ الموت بالسخرية حيناً، وبالحب حيناً آخر، وبصخب الحياة أحياناً.”
ولكنه مات قبل أن تمضي السنوات العشرون.
نَعَم، عَشِقَ كمال الشعر ، ولكِنّه عَشِق الثّورة أيضاً ، وفي ذلك ، يقول صقر ، أنه نُسِبَت اليه من باب الفكاهة عبارة :
“«الثورة تعني أنثى الثور»”
يقول صقر أن كمال ناصر لم يُطْلِق النار مَرَّة واحدة، إلا ليلة استشهاده، حين ختم حياته بإطلاق رصاصة واحدة على الإسرائيليين، وتلقى جسده وابلاً من رصاصهم.
عن أحداث أيلول المريرة من العام ١٩٧٠ ، يقول صقر ، ان كمال كتب قصيدة من فن السخرية السوداء والمُرَّة معاً، ورد فيها:
قد جاء الباهي الأدغم
قد عاد الباهي الأدغم
وأبو جبار يعلم
وأنا أعلم
ترلم ترلم ترلم.
كانت الأمور وأوضاع الثّورة الفلسطينية تتأزم أكثر وأكثر بعد أيلول ١٩٧٠، كانت الصورة تزداد قتامةً ، وتراب الأرض يتحول الى وحَوْل ، وفي ذلك يروي صقر أنْ كمال ،في إحدى المرات، وكان يجوب شوارع بيروت مع الأديبة السورية كوليت خوري بسيارته «عزيزة»، وكان صوت فيروز يصدح من مذياع السيارة، فالتفت إلى كوليت ، وقال لها:
“يجب أن نغتال فيروز .”
ولما سألته كوليت خوري: لماذا؟ ، أجاب:
” أن صوتها صافٍ وجميل، ويُعطي فكرة كاذبة عن العالم ، وعن الوحل الذي نعيش فيه. لم يبقَ أي شيء في حياتنا إلا صوت فيروز. وعندما نغتالها يصبح كل شيء وحلاً في وَحْل. إنها تشوه سُمعتنا، وتصور عالمنا كأنه كله صفاء كصوتها.”
ويروي صقر تفاصيل واقعة اعتقال كمال ناصر ، فيقول ، أنه “في ٢٣ شباط ١٩٦٦ وقعت الواقعة بين البعثيين وانقلب بعضهم على بعض، فاعتقل. وتروي كوليت خوري ان كمال ناصر اختبأ في منزلها. وبعد أيام جاء ضابط ومعه عدد من الجنود يسألون عن كمال ناصر. فنفت كوليت وجوده في المنزل، لكن كمال ناصر عرف الضابط من صوته، فاعتقد انه من جناحه السياسي، فناداه إلى الدخول. وبعد أن شرب الجميع القهوة قال له الضابط: أستاذ كمال، تفضل معنا إلى المزة، فذهل كمال ناصر. وفي طريقه إلى الاعتقال كانت إذاعة دمشق تذيع أناشيد من تأليفه. وفي السجن جاءه قائد القوى الجوية (حافظ الأسد) ومدير المخابرات العامة (عبد الكريم الجندي) لإقناعه بتأييد حركة ٢٣ شباط، لكنه رفض وظل وفياً لميشال عفلق. وعندما سألاه ما هي مطالبه قال إنه يريد ألا يقف الحارس عند باب الحمام حين يدخل إليه. فصدر الأمر بتركه في الحمام بقدر ما يريد. وقبل أن ينصرف الأسد والجندي قال لهما: سأهرب الليلة، فضحكا وانصرفا. وبالفعل تمكن من أن يتسلل عبر نافذة الحمام إلى باحة السجن، ثم سار نحو سور الحديقة وتسلقه، فإذا به في الشارع. وفي ما بعد تسلل عبر الحدود إلى طرابلس، حيث اقتحم منزل عبد المجيد الرافعي وبدأت مرحلة جديدة في حياته.”
ويُضيف صقر ويقول بأن كمال “عاد إلى بيزريت من بيروت. لكن، لسوء طالعه وقعت هزيمة الخامس من حزيران ١٩٦٧. فكتب قصيدة فيها هذا البيت الذي صار شعاراً للفدائيين:
لن نركع ذلاً لن نركع
ما ظل فينا طفل يرضع
و”في ٢٣ كانون اول ١٩٦٧ألقى الجيش الإسرائيلي القبض عليه، وأبعده مع صديقه إبراهيم بكر إلى الأردن. وفي الأردن التحق بالفدائيين، ثم كان له الشأن الريادي في تأسيس الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين في ٢ حزيران ١٩٧٢، وفي إصدار مجلة «فلسطين الثورة»، فأطلق عليه ياسر عرفات لقب «ضمير الثورة».
تلك هي مقتَطَفات من مقالة صقر أبو فخر في كمال ناصر ، والذي كما كتب صقر:
“وُلِدَ في الرّبيع ، ومات فيه”
نحني هاماتنا للشهيد كمال ناصر ، ونقول له ، أنْ العثرات يا كمال لا زالت مستمرة ، وان الطريق إزداد وحولةً ، لكن المَسيرة ستستمر حتى تحقيق الاهداف التي ناضلت من اجلها.
عبد الرحمن البيطار
عمان في الزمن الكوروني
============================
>
==============•••••===============