“خالد عايد“

خالد عايد ، أكْبَره بعامين ، وسَبَقني في المغادرة قِبَل يومين.
أرْسَلتْ له ” مُنى ” صَباح الإثنين الماضي رِسالة قالت له فيها :
“إشتقتُ لك ياصديقي ،خالد ” .وصَحِبَتْها برَسْمة كاريكاتيرية لـ” حنظلة ” .
أجابَها خالد مساء الثلاثاء ، ليلة رَحيله ، قائلاً :
“وانا والله مشتاقٌ يا صديقتي “.
رُبّما تكون تِلكَ واحدة من آخر الرَسائل التي كتبها خالد.
خالد عايد ، إبن المناضل محمود أبو هديب المشهور بكِنْيَته ” البَحْري ” والذي أمضى حياته كلها في كنف النِّضال لَمْ يتركه أبداً…
بَقِيَ خالد مخلصاً في نضاله لقضية “المخيم” ولرمزيته ، وهو المكان الذي وَجَدَ نفسه يَعيش فيه بعد أن اضطرت عائلته في ” صِْيرْ ” بالقُرْب من قَرْية ” جَيّوس ” في الضِّفة الغربية من النهر للجوء الى الضفة الشرقية منه ، وهو الواقع الذي نشأ بعد هزيمة الجيوش العَرَبية في حرب حزيران ١٩٤٨ .
قضيه المخيم / الشّتات عاشت في ” خالد عايد ” ومعه طيلة مَسيرة حياته ، لَمْ تتركه أبدا …
كان عمره سبعة عَشر عاما عِندما وَجَدَ نفسه في ” مخيم البَقْعة “… طالباً يافعاً نابغاً متفوقاً …و لاجئاً أيضاً..!
سَمحَ له نُبوغه وتَفوقه من الحصول على منحة للدراسة الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت ، وهناك نال كل شهاداته العليا بما فيها الدكتوراه
نَشاطه النِّضالي بَقِيَ ملازما له مُنذُ مرحلة الدراسة الجامعية في سبعينيات القَرْن الماضي ، فكان مُتألقاً في اتحاد طلبة فِلسطين ، وقد مَثّل الأتحاد في علاقاته الخارجية .
لكنه بَقِيَ لصيق القضية التي أنتجته ، ومُخلصاً لها ، وقد
التزم بفلسطين وقضيتها التزاماً الثوري الصّوفي ، التحق بها ، تماهى بها ، وحمل لوائها في كل مكان.
تَقول لي زوجتي” مُنى” ، وقد كان من الأصدقاء القريبين لها، أنّها وفِي نَشاطاتها ضمن مجموعات تسجيل الذاكرة الفلسطينية الحيّة ، كان خالد من أكثر المتحمسين لهذه المبادرة / الحَمْلة . كان يساعدها في تنظيم اللقاءات مع الأحياء ممن يعيشون في مُخيمات الشّتات والذين لا زالوا يملكون في ذاكرتهم وَقائع النّكبة والتطهير العِرْقي.
عِندما يتعلق الأمر بـ” فِلسطين ” كان خالد في الطليعة لَا يتوانى أبدا عن العَطاء بأي قدر ، بأي شكل، وبلا حدود.
وخالد هذا ، كان أيضاً مشتبكاً بالتراث الثقافي العالمي ، كان أميناً في انحيازه لقضايا الشعوب وتجاربها الثورية . كان يَرى قضيته في قلب قضاياها وكان هو في قلبها أيضا.
” مؤسسة الدراسات الفلسطينية ” ؛ كانَت هِيَ الفضاء الذي استوعب خالد عايد مُنذُ العام ١٩٧٩ . كانَتْ الحِضْن الذي احتضن خالد الباحث ، المفكر ، المؤرخ ، السياسي ، المناضل، الإنسان .
كان له مع ” تروتسكي ” جَولات ، ومع ” حَنّه آرندت ” كذلك ، هذه الفيلسوفة الألمانية التي كان لها صولات في الحياة العامة في جوانبها السياسية والتاريخية وفِي مسألة المواطنةً ، أما ” فانون ” فلا تُحَدِّثْ ، فقد حَلَّق مَعه في ” المُخَيَّلة – بعد الكولونيالية ” وفِي سيرته الفِكرية والنضالية والانسانية . كل ذلك ، كان خالد كأبيه بحاراً ،ولكن هذه المَرّة في أتون معارك الترجمة والتفاعل الثقافي التي أتقنها ، والتي مضى فيها إلى أن أرْسَىقاربه في ميناء ” روز ماري صايغ ” عِندما قام بترجمة كتابها “الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة” في العام ١٩٨٠ والذي يتضمّن مقابلات أجرتها المؤلفة بين عامي ١٩٧٥و ١٩٧٨ في رحلتها لتوثيق وَقائع الإقتلاع والتّطهير العِرقي الذي مارسته الصّهيونية العُنصرية بحق شعبنا في فلسطين.
واكب خالد مَسيرة الثورة الفلسطينية بكل مراحلها الدامية ، كان راكباً في قطار الموت خلال مَعركة بيروت في العام ١٩٨٢، وَوَثّق في العام ١٩٨٤ رحلته هذه في كِتابه “قطار الموت، معركة بيروت في سياق الإرهاب والتوسع الصهيوني”.
اندلاع ” الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ” في العام ١٩٨٧، كَرَّست قناعات خالد عايد بأن الشّعب العربي الفلسطيني في الداخل هو الذي سيحسم المعركة بمُساندة ودعم فلسطينيي الشّتات، وأصدقائهم من أحرار العرب والعالم . عاش خالد في تِلكَ الإنتفاضة وفِي فعالياتها الى درجة الذوبان، ووجد نفسه في العام ١٩٨٨ ، بعد عام واحد من اٌندلاعها يكتب عن حبيبته ؛ “الإنتفاضة الثورية في فلسطين الأبعاد الداخلية”.
راهن خالد على كتلة فلسطينيي الداخل ، وشارك في العام ١٩٩٠ في تأليف كتاب “الشعب الفلسطيني في الداخل”.
عِندما زارني بعد عودتي من رحلة العلاج من لوكيميا الدَّم الحاد في أيار ٢٠١٨، قال لي :
الشّتات هو الجسد لإحدى أهم جرائم الصّهيونية بحق شعبنا ، ولكنه مَنَحَ شعبنا المُشتت في غيتوات البُؤس والشقاء المُسماة ” مُخيمات ” والمنتشرة داخل فِلسطين وفِي البلدان العَرَبية حولها ، وفِي بلدان العالَم ديناميكية هائلة وطاقة لا تنضب من النِّضال .
قال ؛ مشكلة الصّهيونية التاريخية أنها خلقت نقيضها الذي سينتصر عليها باقتدار.
أما تِلكَ الإنتفاضة الرائعة التي أعادت فِلسطين الى وعي الرأي العالمي وإدراكه، بعد كل محاولات الصّهيونية وكيانها العُنصري في فِلسطين لطمسها وتلطيخ سمعتها ووَسْمِها بالإرهاب ، فكان حزيناً أن يراها تُجْهَض في اتفاقيات أوسلو المُهينة لكرامة شعبنا وحقوقه وما بَعْدَها .في ذلك قال لي : شعبنا الرائع هذا ، يحتاج لقيادة بمُستوى تضحياته واٌستعداده المُستمر للتضحية .
في ١ شباط ، وأثناء عِلاجي في هايدلبيرغ ، كُنّا نتواصل على الواتس أب . كان يَقرأ يومياتي التي كتبتها في رحلة العلاج تلك . في إحداها كَتَبَ لي :
“عزيزي عبد الرحمن..
أُتابع يومياتك التي تَصِلني مِنكَ مَشكورًا. وقد وَددتُ أن أشاركك بالفكرة التالية:
‘إنَّ “نَكْبة” ال 48 قَدْ كُتِبَتْ بنهاية ثورة ال 36، سنة 1939.’ …
هذه الفِكْرة راودتني خلال كتابتي لأُطروحة الدكتوراه. وهي اليوم تَتَرَّسَخ عِندي وأنا أشتغل على بحث بشأن ثورة 36 من مَنظور جديد، منظور “التاريخ الشعبي”.
الفِكْرة باختصار شديد:
القيادة الرسمية (الفلسطينية والعربية) آنذاك هي التي أفْشَلت الثورة بسبب سياساتها “التسووية”، لا بِدءا ً بالتعامل مع مشروع بيل للتقسيم سنة 1937، ولا انتهاءً بمؤتمر المائدة المستديرة سنة 1939. بل إن بعضها ارتكب جريمة إنشاء ” فصائل السلام” التي حَمَلتْ السلاح ضد الثوار.
وفي المُقابل، كانت الحركة الصهيونية (طبعًا بالتعاون مع الإستعمار البريطاني) تَبني نواة دولتها المستقبلبة، من خِلال خَلق وقائع على الأرض: بناء مُستعمرات “السُّور والبُرْج” ذات الطبيعة العسكرية، وتعزيز قوة منظماتها الإرهابية، ثم إنشاء ” الفيلق اليهودي” خلال الحرب العالمية الثانية..الخ.
… عندما جاءت المواجهة المحتومة1947-1948، كانت النتيجة ” مكتوبة على الجدار”.. سلفًا.
ما أشبه اليوم بالبارحة !!
خالد عايد – ١ شباط ٢٠١٨ “.
عَلَّقتُ في ٦ شباط على ما كَتَبه خالد لي ، وقُلتُ :
“عزيزي خالد
أشكرك على التعليق
وأتفق معك بالإستنتاج الذي تَوصَّلت إليه ، وأضيف ، أن الإنهاك واستنفاذ موارد الثورة والنَّاس على مَحدوديتها ، مع ضعف خطوط الإمداد وشِحَّتها، وعدم توفر قاعدة دعم لوجستي مناسبة مع إغلاق الحدود مع شرق الاردن خلال سنوات الثورة ، كل ذلك بالتضافر مع الظروف الغاية في الصعوبة التي خَضَع لها المجتمع والإقتصاد الشعبي الفلسطيني ، وشعوب الكيانات العَرَبية المحيطة بفلسطين ، وارتباط كل تِلكَ الكيانات (العربية المحيطة بفلسطين) بمعاهدات مع بريطانيا أو فرنسا ، وكونها جميعها على الإطلاق مَسلوبة الإرادة ، مَشفوعة بالتعاطف الذي تّوَلَّدَ مع يهود أُوروبا الذي استغلته تماماً الحركة الصهيونية وجَيَّرَته لحسابها ، مع الإفتقاد لقيادة قادرة واعية للشعب الفلسطبني ( :في الواقع كانت هذه القيادة غائبة عن فلسطين منذ عام ١٩٣٨، لا بل إن نتائج الحرب العالمية الثانية جَرَّدَت هذه القيادة من أي قوة أو وزن معنوي على الساحات الدولية والعربية والفلسطينية )،… أقول ؛ هذه العوامل الأربعة مُجتمِعة كانت عبارة عن مُقدمات قادتنا بخطىً حثيثة الى النكبة .
لو كان هناك قيادة فلسطينية أكثر وعياً وتَمَكناً وتمسكاً بقضيتها ،… لكانت قد وصلت للإستنتاج أن عليها ان تكون دوماً مشتبكة وحاضرة على الطاولة وأن لا تُسَلِّم أوراقها لأحد أبداً ، وأن لا تُحَجِّم نفسها وتَختزِل دورها ، أو تُلغيه عملياً كما حَصَل بتصرفاتها وبمواقفها بعد صدور قرار التقسيم …كان عليها أنْ لا تُقاطع المُجتمع الدولي المَحكوم بقوى عُظْمَى فَشلنا في بناء أي تواصل معها ، …وأن تعمل على تغيير موازين القوى بإسماع صوتها ، وأن تتمسك- وهي ترفض قرار التقسيم أو تتحفظ عليه- في أدنى حد بما مَنَحها إياه قرار التقسيم ( جغرافيا مع تواجد سكاني في النطاق المخصص للدولة اليهودية) ،… لا أن تخرج من ” المولِد بكامله بلا حُمُّص” ، (وتنتظر الفَرَج الخارجي أو الدولي ) …!
ما بين ١٥ أيار ١٩٤٨ و٢٠ تموز ١٩٤٩ ( توقيع آخر اتفاقية هدنة ) ، إختفت فلسطين عملياً من الخارطة ، وَمِنْ على الطاولة ، وتلاشى تأثير أي وجود قيادي فلسطيني ، فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً……
باختصار الظروف المذكورة أعلاه وهي عديدة وحقيقية لَعِبَت لصالح الحركة الصهيونية . هذا بالإضافة الى الفراغ القيادي الفلسطيني ، وعدم قراءته للأوضاع بصورة صحيحة ومُبَكِّرة من قبل الفلسطينيين ومن قبل القيادة الفلسطينية .
تلك مُجرد خَواطر أُضيفها لما ذَكَرت يا خالد .
ولنبقَ على تَواصل
عبد الرحمن – ٦ شباط ٢٠١٨
لأ أعرف إن كان فقيدنا قد أكمل ونشر البحث الذي كان يشتغل عليه ، والذي اشار البه في رسالته لي في ١ شباط ٢٠١٨ أم لا …!
خالد … رحل فجأة بدون إنذار .. ولكنه القى معنا ذاكرة وتجربة غنية بعطاءات لا تقدر بثمن .
الرحمة لروحك يا خالد
عبد الرحمن البيطار
عَمّان – ٢٩ ايار ٢