Menu Close

٩- يومية الجمعة المُوافق ٢٩ أيار ٢٠٢٠/ في سِياق النقاش الدائر حول حَل “الدولة الديمقراطية العَلمانية في فِلسطين كلها”

يومية الجمعة الموافق ٢٩ أيار ٢٠٢٠/ في سياق النقاش الدائر حول حلالدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في فِلسطين كلها “.

أود أن أعتذر لقراء هده اليوميات ، فاليومية السابقة حَمَلَت تاريخ ٢٨ أيار ، أي يوم الخميس ، في حين أني نشرتها في يوم الاربعاء المُوافق ٢٧ أيار ٢٠٢٠. وحقيقة الأمر أني عِندما بدأتُ بكتابتها ، إعتقدتُ أنها ستستهلك مِنّي الوَقت كله حتى الخميس ، ولكني أنجزتها يوم الأربعاء ونَشرتها قِبَل تَعديل العنوان . لِذا إقتضى التنويه .

وأمرٌ آخر أودّ التنويه عنه وهو أن اسم القَرْية العربية ” عين قُرى ” التي تقع جنوبي “يافا” والذي وَرَدَ في اليومية المُتَرَّخة في ٢٨ أيار هو في حقيقة الأمر ؛” عيون قاره ” وذلك حسب التصحيح الذي لَفَتَ نظري اليه صديق يافاوي.

لقد استلمتُ أيضا تعليقات كثيرة ، بعضها وهو قَليل يرفض الخط الذهني الذي أتناول فيه الأحداث بالمطلق ، وبعضها يلفتُ نَظَري الى وقائع وأسماء أشخاص يهود أو غير يَهود ، متهودين أو متصهينين لعبوا دوراً كبيراً في تاريخ المنطقة من بداية الحملة النابليونية على مصر وفلسطين في أواخر القَرْن الثَّامَن عَشر ( بعد العام ١٧٩٨) وحتى نهاية القرن التاسع عشر ، وكثير منها حَمَل رَسائل التشجيع للإستمرار بالتغطية التاريخية والتحليل على النحو الذي أوْرَدَته اليوميات ، كما وأن سيِّدة تربوية قديرة كتبت لي تَقول بأنها أرسلت اليوميات الى مجموعة دكاترة جامعات من نحو (١٥٠) شخصا أرسلتها لهم ،بمن فيهم إخوتها وأخواتها داخل فِلسطين وخارجها لأنها ترى فيما تحمله اليوميات نهجاً مختلفاً عن الرِّواية الرسمية التي تلقيناها في المدارس في مساقات التاريخ التدريسية.

ما يهمني أكثر من كل شيء هو أن تَصِل هذه اليوميات الى أكبر قطاع ممكن من الشباب والشابات من أبناء بلادنا داخل فِلسطين وفي بلدان الهلال الخصيب ، وفِي مصر وفِي بلدان جزيرة العرب ، والبلاد العَرَبية الافريقية، ويهمني أكثر هو إحداث عملية تفاعل مع هؤلاء ، لأن جيلهم هو الذي سيمضي بالراية الى حيث تتحقق تطلعات شعبنا الذي ارتُكِبَت بحقه جريمة كُبرى لم يعرف لها التاريخ مثيلاً على أيدي الحَرَكة الصّهيونية العنصرية العالمية وبواسطة الكيان العُنصري الذي أقامته في فِلسطين بالتعاون مع قوى الإستعمار الغربي ومساندة الولايات المتحدة الامريكية مُستغلةً حالة التخلف والجهل والفقر التي كانَتْ تعيشها منطقتنا بعد قرون من الحكم العثماني فيها.

وفِي سِياق تعبئتها ليهود العالَم واستغلالها لمعاناتهم في بعض البلدان ، فقد أفسدت الحَرَكة الصّهيونية العنصرية وزيّفَت وَعْي قِطاع واسع من مواطني بلدان العالم من اليَهود، وزَجَّتهم في أتون عملية تَطهير عِرْقي فائقة التطوير بحق الشعب العَرَبي الفِلسطيني في فِلسطين وخَلَقَتْ للشعوب العَرَبية في المَناطق المحيطة بفلسطين مشاكل لا تحصى ، وعَمِلَت بالتعاون مع القوى الإستعمارية المهيمنة في عالم القَرْن العشرين على تعطيل إعمال حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني ، واستبدال ” الإستعمار ” بنظام ” إنتداب إستعماري “، وشَل تطبيق القانون الدولي وقواعد الشرعية الدولية وذلك مُنذُ أن أقامت القوى المنتصرة في الحربين الاولى والثانية ” عُصْبة الامم ” و ” مُنظمة الامم المتحدة ” في العامين ١٩١٨ و ١٩٤٥ تباعاً ، وتحكمت بهما.

بعد هذه المقدمة ، فالنستكمل رحلتنا .

بعد الإستيلاء على أراضي قَرْية ” عُيون قارة ” بالمزاد العلني الذي نظمته سلطات الدولة العُثمانية المريضة ، وتَدَخَّلَ القنصل البريطاني الحاخام حاييم أمزيليغ لصالح اليهود المُهاجرين ، وشراءه تلك الاراضي وتجييرها لهم ، وَصَلَت في مَطلع العام ١٨٨٢ خمسة عائلات يَهودية الى تِلكَ الأراضي واستقرت بها ووضعت الأسس لمُستوطنة يَهودية باسم ” ريشون ليتسيون ” ويَحمل هذا الإسم العِبْري معنى ” الأولى لصهيون “.

كانت أوضاع الدولة العُثمانية في ذلك الوَقت تتضعضع باستمرار ، ومع عجزها تسديد ديونها للدائنين الاوروبيين في العام ١٨٧٥، وتسليمهم حق ادارة الدين الخارجي وسلطة فرض الضرائب في العام ١٨٨١، استمرت حالة التدهور الى الحد الذي قَرَّرت فيه الدولة العثمانية السماح لرعايا الدول الاوروبية بحرية التنقل والدخول الى كافة مقاطعات الإمبرطورية العُثمانية بما في ذلك فِلسطين مع إعفائها من الضرائب .

هذا الوَضْع قد تصاحب مع استجابة البريطانيين لنداء الخديوي توفيق لقمع ثورة القائد العربي المصري أحمد عُرابي التي بدأت في العام ١٨٨١ على سلطة الخديوي وسياساته والتي أوقعت مِصْر في حبائل المديونية للأوروبيين ( فرنسا وبريطانيا ) والتبعية لهم وذلك بعد افتتاح قناة السويس للملاحة في العام ١٨٦٩ بعد عَشر سنوات من بدء اعمال حفرياتها .

وبناء على ذلك تقدم الأُسطول البريطاني باٌتجاه الإسكندرية ودَكَّتْ سفنه مدينة الإسكندرية التي كانَتْ ترابط فيها قوات عُرابي ، ونزلت قواتها الى ساحلها في ١١ تموز ١٨٨٢، وهاجمت قوات القائد عُرابي ، واستمرت المناوشات والمعارك الى أن تمكنت من هزيمة قوات عُرابي في مَعركة “التل الكبير” في ١٥ أيلول ١٨٨٢.

حدثت هده الأحداث أمام بصر وأعين الدولة العُثمانية والسلطان عبد الحميد والتي كانَتْ مِصْر حينها، رغم تمتعها بنوع من الحُكْم والاستقلال الذاتي مُنذُ العام ١٨٤٠ ، لا زالت تُعْتَبر تَحْتَ مظلة الإمبرطورية العُثمانية ومن املاكها.

وفي أيلول من العام ١٨٨٢ سقطت مِصْر ، وأصبحت بلداً محتلاً من بريطانيا ، وخسرت الدولة العُثمانية مِصْر الى الأبد في ذلك العام .

في ظل هذه الأوضاع المتدهورة ، وفِي العام ١٨٨٢ ذاته ،أصدر السُّلطان عبد الحميد فرماناً (مرسوماً)يقضي بالسماح لليهود بالهجرة والتنقل والإستيطان في كافة مقاطعات الإمبرطورية العثمانية باستثناء فِلسطين ، شريطة أن يُصبح هؤلاء من مواطني الدولة العُثمانية .

حاولت ” جمعية أحباء صهيون ” في رومانيا في ذلك العام أن تحصل من القنصل العُثماني في أوديسا بالسماح ليَهود رومانيا بالهجرة الى فِلسطين هربا من اضطهاد السلطات الرومانية لهم ، فما كان من القنصل الا ان أخبرهم بمضمون المرسوم السلطاني الصادر .

بالرغم من ذلك ، فقد تمكن نحو اكثر من عشرين الف يهودي من الهجرة الى فِلسطين والاقامة في مستوطنات أقاموها على الارض العَرَبية الفلسطينية خلال الفترة الممتدة من ١٨٨٢ و ١٨٨٧.

عند الإستفسار من السُّلطان عبد الحميد عن السَّبب وراء إصداره ذلك الفرمان ( المَرْسوم ) واٌستثناء فِلسطين من أماكن الهِجرة المسموح بها لليهود الى أي مكان في الدولة العُثمانية ، يَقول ” دونالد نيف ” في كِتابه “الفلسطينيون والصهيونية ” ، بأن جَواب السُّلطان جاء كما يلي :

” إنَّ من شَأن الهِجرة اليهودية إلى فِلسطين أن تُفْضي في المستقبل الى ولادة حكومة يَهودية فيها “.

في ذلك الوَقت من العام ١٨٨٢، وقبل أن تبدأ هجرة الموجة الأولى من يهود روسيا/ بولندا و رومانيا الى فِلسطين ، يقول الكاتب المذكور، أنَّ تِعداد سكان فِلسطين في ذلك الوَقت كان يُقارب من نِصْف مليون نسمة ، وكان عدد اليهود فيها يُقارب كذلك من ٢٥،٠٠٠ يَهودي.( مِمَّن كانوا مُقيمين فيها أصلاً ، وممن هاجروا إليها قِبَل العام ١٨٨٢).

جميع هؤلاء كانوا من حاملي التابعية العُثماني.

بعد مُستوطنة ” ريشيون ليتسيون ” في مَطلع عام ١٨٨٢ ، وخلال الفَتْرة المُمتدة حتى العام ١٨٩٠، نجح اليهود المُهاجرين ، بمساعدة اليهود المُقيمين في فِلسطين على إنشاء أكثر من سبعة مُستوطنات أُخرى هِيَ : “زخرون يعقوب”( المقامة على أراضي تلة من تلال جبل الكرمل ) ، و ” روش بينا ” ( المُقامة على أراضي جنوب صَفَد) و “يسود همعله ” ( المُقامة على اراض بالقُرْب من قَرْية ملاحة / صَفَد ) و ” نس تيونة “( المُقامة على اراضي وادي حنين جنوب شرق يافا) و” رحوفوت “( المُقامة على اراض بالقُرْب من مدينة اللد) و ” مشمار هارون ” ( المُقامة على اراضي تقع شمال صَفَد بالقُرْب من جسر بنات يعقوب) و ” الخضيرة ” ( المُقامة على اراضي تقع جنوب حيفا – على الساحل) .

كان يتم تمويل هذه المُستوطنات من خلال صندوق خاص مَوَّلَه ” روتشيلد ” ، أما ادارة هذه المُستوطنات فقد عَهْدها ” روتشيلد ” إلى منظمة الاستيطان الزراعي المعروفة باسم ” إيكا ” والتي اسسها البارون النمساوي الاصل ” دي هيرش”.

و ” دي هيرش ” هذا هو ” موريس دي هيرش “، وهو رأسمالي ألماني يَهودي ، نال لقب البارون في العام ( ١٨٦٩) ، ولعب دوراً أساسيا في دعم القضايا اليَهودية في أُوروبا القَرْن التاسع عَشر،وقَدَّمَ الدَّعم لتهجير يَهود روسيا المضطهدين، في العام ١٨٨٢ وبعد هذا العام، إلى الأرجنتين وكندا وفلسطين ، لتمكينهم من إقامة مُستعمرات زراعية في البلدان التي هاجرو اليها .

أقام ” دي هيرش ” لهذا الغرض جمعيات لدعم الاستيطان ، وهو المؤسس الأول لجمعية الاستيطان اليهودي في فلسطين، والتي تعاونت مع جمعية اخرى اسسها ” روتشيلد ” لدعم تِلكَ المُستوطنات الاولى في فِلسطين التي أُنشئت في عقد الثمانينات من القَرْن التاسع عَشر ، واستمرت جمعيته في العَمَل حتى العام ١٩٢٣ عِندما اتحدت مع جمعية ” روتشيلد “وأسسوا ” هيئة الاستيطان اليَهودي في فِلسطين “.

زار روتشيلد فِلسطين في العام ١٨٩٣ ، وخلال زيارته لمستوطنة “زخرون يعقوب”، التي أُطْلِقَ إسمها على إسم والِدِه ” شَرَحَ روتشيلد سبب تفانيه في دعم المزارعين اليهود الذين اجتمعوا لاٌستقباله، وقال :

“لَمْ أدعمكم وأرعاكم بسبب فَقْرِكم” “وإنّما بسبب رغبتكم في العمل والحياة في الأرض المقدّسة والعيش وفقًا لروح التوراة”.

تِلكَ كانَتْ بدايات جَديدة في القَرْن التاسع عَشر للإستيطان المُنَظّم في فلسطين، والذي كان يرمي الى تعزيز الوجود اليَهودي فيها ، عبر تشجيع الهحرة اليهودية اليها.

ومع أن نسبة اليهود الذين فَضّلوا الهِجرة الى فِلسطين عن غيرها من البلدان في ذلك العقد ( الثمانينات ) من القَرْن التاسع عَشر كانَتْ ضئيلة نسبياً، إلا أن هؤلاء كانوا الطليعيين الذي حملوا في وقت لاحق المشروع الصهيوني في فِلسطين على أكتافهم.

في عَقْد الثمانينات من ذلك القَرْن (التاسع عَشر) تضافرت شروط متعددة لتضع حجر الاساس للمشروع الصهيوني لاحقا في فِلسطين ، وكانت مادة ذلك ، يَهود روسيا وبولندا ورومانيا ، ودعم الرأسمال اليَهودي في بلدان اوروبا .

وفِي ١٦ من تشرين أول من العام ١٨٨٦ ، وُلِدَ ” داڤيد بن غوريون ” في مدينة ” بلونسك ” في بولندا ، وهاجر الى فِلسطين في العام ١٩٠٦ .

سأكتفي بهذا القَدَر من التقديم في هذه اليومية .

عبد الرحمن البيطار

عمان – الجمعة المُوافق ٢٩ أيار ٢٠٢٠