Menu Close

بداياتي مع ” الإستشراق “…!

يَومية الاحد الموافق ١٤ تشرين الثاني ٢٠٢١

قِبَلِ دَقائق ، اشعرنا قائد الرِّحلة ان الطائرة بصدد الهبوط الى مطار فرانكفورت ، وان على الركاب ان يتأكدوا من ان الأحزمة تطوق خصورهم وان المقاعد في وَضْع عمودي .

جَعَلَني النداء اترك الكتاب الذي بين يدي وان التفت الى منى وهِبة وهما تجلسان الى جانبي .

اما الكتاب الذي أقرأه ، فهو العمل التحليلي البحثي الفكري الذي انتجه إدوارد سَعيد ، واحتل مَوْقِعه في قائِمة أهم ما انتجه انسان القرن العشرين ” الاستشراق – المَعرفة . السُّلطة . الإنشاء ” .

الكتاب من تَرْجمة ” كمال ابو ديب ” ، وقد تعاطفت كثيرا مع المترجم الذي لا أشك في أنه خاض مخاضا صعبا في رحلته لترجمة هذا العمل الفكري العملاق .

مُقَدمة الكُتّاب ، وهي على نحو ( ١٩) صَفحة حاولت جاهدة ان تقدم الكتاب ، وفلسفته ومنهج بنيانه ، وقد أمضيت الجزء الاكبر من ساعات الرحلة أقرأ فقراتها ، وأُعيد القراءة لاستيعاب الرسالة التي أراد المترجم ان ينقلها في مقدمته للكتاب ، والمترجم هو ناقد وشاعر سوري ، حاز الدكتوراه في الآداب من حامعة أُكسفورد ، وشغل مَنصب رئيس الدائرة العربية في جامعة اليرموك ، وعَمِلَ بها استاذا ، وقد صدر منها ثمانية طبعات حتى العام ٢٠١٠.

أمّا إدوارد ، فَقَدَ خَلُص في “الإستشراق” إلى القول أنَّ الإستشراق كان أُسلوبا غَرْبِيّاً لـ ” السَّيطرة على الشَّرق ، واستبنائه ، وامتلاك السِّيادة عَليه …” وأنه إذا لم نَكْتَنِه الإستشراق ، ونَفهمه بأبعاده ، فإنّه ” لن يكون في وُسْعِنا أبداً أَنْ نَفهم الفِرْع المُنَظّم تنظيماً عالمياً الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أَنْ تَتدَبّر الشَّرق – بل حتى أَنْ تُنتِجَه- سياسيا ، واجتماعياً، وعسكرياً ، وعقائدياً، وعلمياً ، وتَخَيُّلِيّاً ..” .

اواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن ، شَهِدَ بِدايات الاستشراق ، وهَذا الاخير هو القرن الذي شهد دخول الاستشراق مرحلة استخدامه كأداة للسيطرة الامبريالية ، وتكريس التفوق والعُنصرية ،… وهو القرن الذي نُثِرَت فيه بذور الفكر الصَّهيوني العُنصري أيضًا والتي تلقحت في رحم العُنصرية الاوروبية والاستشراق قَبْلَ ان يتبلور على شكل حَرَكة مُنظمة في نهايات القرن الثامن عشر ، رعتها إمبرياليات اوروبا بعد انتصارها في الحرب الكونية الاولى وتمكنها من تمزيق بلاد الشام واستعمار فلسطين.

اشعر بالذنب اني لَمْ أقرأ “الاستشراق” من قبل ، وما يعزيني أني قَرأتُ عَنه كثيرا ،…!

بعد ان وَصلنا فرانكفورت ، أَخذنا سائق كشميري بسيارته الى هايدلبيرغ . ومعه ، شَهِدَت لاول مرة مَعنى أن تَسير بك السيارة بسُرعة تتجاوز حد المائتي كيلو بالساعة .

مع صباح الغد ، سأبدأ الفُحوصات الروتينية بعد اربع سنوات من إخضاعي للإجراء الطبي المعروف باسم : bone marrow transplant .

لتناول طعام العشاء ، حجزت هبة طاولة في مطعم الـ “ شنيتزل بانك ” .

عبد الرحمن البيطار

هايدلبيرغ – ١٤ تشرين ثاني ٢٠٢١