Menu Close

إضاءات من أقوال ” إدوارد سَعيد ” في مقدمة كتابه ” الإستشراق “

يومية الجمعة الموافق ١٩ تشرين الثاني ٢٠٢١هايدلبيرغ

إضاءات من أقوال إدوارد سَعيد في المُقدمة التي كتبها لـعمله البحثي الفذ :” الإستشراق ” …

لا استهدف في هذه اليومية أن أعلق على ما كتبه إداورد سَعْيد في مقدمته ،فلَم استكمل قراءة الكتاب بعد ،… وإنّما سأقتبس من ترجمة كمال الدين ديب لكتابه مقتَطَفات أراها مُوحية وناقِلة لرأي ورؤية ثاقبة ..!

افتتح إداورد مُقدمته ، بالقول :

“في زيارة لبيروت أثناء الحرب الأهلية الرهيبة ١٩٧٥- ١٩٧٦ ، كَتَب صحفي فرنسي بلهجة آسفة لدمار الوَسَط الحيوي للمدينة :

‘ لقد بَدَتْ ذات يوم كأنها تَنتمي الى (شَرق) شاتوبريان ونِرفال’.

لَمْ أفهم ما عَناه إدوارد، فاستعنتُ بصديقي ” الچوچل ” ، فوجدتُ هذه الفقرة من نَصٍ حَوْل ” فرانسوا رينيه دو شاتوبريان: أصوليٌ خارجٌ من التوراة” كَتَبه م. عادل الحاج حسن في ١٣ شباط ٢٠٢١ . يقول النص :

“كانَ الشّرق الألماني شَرْقاً بَحثِيّاً، أما الفرنسي فكان حَقلاً يَبحث حُجّاجُه عن رَيِّ إنْحِرافاتِهم، عمّا يُغْني خَيالهم فيه ويُبَرِّر مَسارِبهم الوجودية. “

ويُضيف ؛

” يذكر إدوارد سَعيد في مُقدمة الإستشراق أنّ صَحفياً فرنسياً زار العاصمة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، فَراعَه دَمار الوَسَط الحَيَوي للمدينة، وكان أشدّ قَساوة مِمّا خَلَّفَه إنفجار المَرْفأ في الرابع من آب 2020، فقالَ مُتَحَسِّراً:

‘ لقد كانت المدينة ذات يوم كأنها تَنتمي الى شرق شاتوبريان ونرفال.” وأردف سعيد يَقول: “فالشرق كان منذ القِدَم إختراعاً غربياً، مَكانا لِلرَّمْنَسَة، مَسْرَحاً للكائنات الغَريبة المُدْهِشَة، ومَكاناً للذكريات والتجارب الإستثنائية.’ يُؤيد إنطباعه هذا ما ذَكَرَه نرفال مَرّة لِـ يوهان غوتيه: مِنْ أنَّ زَهْرة اللوتس بالنِّسْبَةِ لشخص لَمْ يَرَ الشّرق تَبقى زَهْرة اللوتس، أما بالنسبة لي فإنها لا تَعدو أَنْ تكون نوعاً من أنواع البَصَل. وكانَ نرفال قد فَلى فَلْياً دقيقاً أغرب مناطق الشّرق وأكثرها مَلاحةً وجمالاً. “

لنَعُد الآن الى استكمال ما كَتَبَه إدوارد حول ( شَرْق) شاتوبريان ونِرْفال :

“ولقد كان على حَقٍ ، طبعاً ، فيما قالَه عن المَكان ، خُصوصاً من وُجْهة نَظَر الأُوروبي . فقد كان الشَّرْق ، تقريباً ،إختراعاً غربياً ، وكان مُنذُ القِدَم الغابر مكاناً للرَّمْنَسَه <رومانس> ، والكائنات الغَريبة المُدهشه ، والذكريات والمشاهد الشابحه، والتجارب الإستثنائية . وكان الآن في سَبيله الى التلاشي ؛وبمعنى ما ، فإنَّ الشرق كان قد حَدَثَ ، وانقضى أجَله. “

كان ذلك إحساس الأوروبي ، فكيف يكون ذلك بالنسبة للأمريكيين :

في ذلك ، يَقول إدوارد ؛ ” لَنْ يَشعر الأمريكيون بالشُّعور نفسه إزاء الشَّرْق ، الذي يَغْلُب أَنْ يَرْتبط في أذهانهم بصورةٍ مختلفةً تماماً بالشرق الأقصى ( الصّين ، واليابان ، رئيسياً ). “

يُضيف إدوارد ؛ ” فالشَّرْق ليسَ لَصيقاً بأوروبا وحَسْب ؛ بل أنّه كَذَلِك مَوْضِع أعظم مُستعمرات أُوروبا ، وأغناها ، وأقدمها ، ومَصْدَر حضاراتها ولُغاتها ، ومُنافِسها الثقافي ، وأحد صُوَرها الأكثر عمقاً، وتِكْرارِ حدوثٍ للآخر . “

ويقول ؛ ” إذا اتخذنا من أواخر القرْن الثامن عَشَر نُقطة الإنطلاق ، مُحددةً تَحديداً تقريبياً ، فإنَّ الإستشراق يُمكن أن يُناقَش ويُحَلل بوَصفه المُؤسّسة المُشْترَكة للتعامل مع الشَّرْق . التّعامل مَعه بإصدارِ تَقريرات حَوْله ، وإجازة الآراء فيه وإقرارها ، وبوَصفه ، وتَدريسه، والإستقرار فيه ، وحُكْمَه: وبإيجاز ، الإستشراق كأسلوب غَرْبي للسيطرة على الشَّرْق ، واستِبْنائه وامتلاك السِّيادة عَليه “.

لكن ، هل كان ذلك انشباكاً اوروبياً على نحو عمومي ؟

يقول إدوارد ؛

” تاريخياً وثقافياً ، ثمةَ فَرْق كمّي ، كما أن ثمة فرقاً نوعياً، بين الإنشباك الفرنسي- البريطاني في الشرق ، وانشباك اي دولة اوروبية وأطلسية – حتى مرحلة الهيمنة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية .”

” ومن ثمَّ ، فإنْ يَتحدث المَرْء عن الإستشراق هُو أن يَتحدث ، رئيسياً ، وَإِنْ لم يكن حصرياً ، عن مشروع ثَقافي بَريطاني وفَرنسي ، مشروع تَضُمُّ أبعاده عَوالم مُتباينه تَبايُن الخَيال نَفسه ، الهِنْد وشرقي المتوسط < الليفانت > بأكملهما ، ونُصوص الكِتاب المُقدس ، وأقاليم الكتاب المقدس ، وتجارة التوابل ، والجيوش الإستعمارية ، والتُّراث الطويل مِن الإداريين الإستعماريين ، وقدراً ضخماً من تراث البَحْث ، وأعداداً لا تُحصى من الخبراء ، و ‘ المساعدين ‘ الشّرقيين ،وجهاز أُستاذِيّة شَرْقِيّة ، وكَوْكَبة من الأفكار ‘الشّرقية'( الإضطهاد الشّرقي ، الأُبّهة الشّرقية ، القَسْوة الشّرقية ، الحَواسيّة الشّرقية ) ، وعدداً من المِلَلِ ، والفلسفات ، والحِكَم الشرقية المُدَجَّنة للإستخدام المحلي الأُوروبي – في قائِمة يُمكن أن تُمَدّد الى ما لا نهاية.”

يَستطرد إدوارد ، فيقول “…. فمُنذبداية القرن التاسع عشر الى نهاية الحرب العالمية الثانية ، سَيطَرَت فرنسا وبريطانيا على الشَّرْق والإستشراق ؛ أما منذ الحرب العالميةالثانية ، فقد سَيْطَرَتْ أمريكا على الشّرْق ، وهي تَتناوله كما تناولته فرنسا وبريطانيا ذات يوم .”

وفي حلقة تاليه من مقدمته ، يَكتب إدوارد عن الأفكار ، والثقافات ، والتواريخ ، ومفهوم الإستشراق، فيقول ؛

” … إنَّ العلاقة بين الغَرْب والشّرْق هي علاقة من القُوّة ، وَمِنْ السَّيطرة ، وَمِنْ درجات مُتفاوتة من الهَيْمَنة المُعَقّدة المُتشابكة “. و يُضيف ؛

” … لقد شُرْقِنَ الشَّرْق لا لمُجَرّد أنَّ < أُوروبا > اكتشفتْ أنّه شَرْقِي بجميع تلك الطُّرُق التي اعتبرها الإنسان الأُوروبي المتوسط في القرن التاسع عشر عادِية مَعروفة ، بَل لأنَّ الشَّرْق كان قابلاً لأن يُجْعَل – أي أن يُخْضَع لكوْنِه – شَرْقِياً “.

وفي حلقة ثالثة من مُقَدِّمَته ، يقول إدوارد ؛ ” ذَكَرَتُ ثلاثة جوانب من واقعي المُعاصِر ” ،

إذن ، فإن إدوارد في الإستشراق ، فإنّه يَتحدث أيضاً من منطلق واقعه المعاصر ، وبخصوص ذلك ،فقد تَناوله ادوارد من جوانب ثلاث:

١-التمييز بين المَعرفة الخالصة والمَعرفة السياسية

٢-المَسألة المَنْهَجِيّة

٣- البُعْد الشخصي ،

وفِي الجانب الثالث ، كَتَبَ اداورد يَقول :” إن نُقطة انطلاق الإتقان النقدي المُحْكَم ، هي وَعْي المَرْء لما هو حَقاً ،

وهو ‘إعْرَف نَفْسَك’ كنُتاج للعملية التاريخية حتى اللحظة الراهنة ، التي أوْدَعتْ فيكَ آثاراً لاحَصْر لها ، دُون أَنْ تَتْركَ جَرْداً <بها>. “

هل ما قام به إدوارد من بَحث ، كان مجرد عَملية جَرْد ؟

في ذلك يقول إدوارد ؛

” إنَّ مُعظم ما في هذه الدراسة من استثمار شخصي ليُشْتَق من وّعيي لكَوْني شَرْقِياً نَشَأَ طِفْلاً في مُستَعْمَرَتينِ بريطانيتين . ولقد كانت كل دراستي في هاتين المُستَعمرتين (فلسطين ومصر) غَرْبِيّة ؛ بَيْدَ أنَّ ذلك الوعي العميق المُبكر إستمر رُغْم ذلك بإلحاح “. ويستطرد ، فيقول ؛ ” وبطُرُق عَديدة ، فإنَّ دراستي للإستشراق كانَتْ مُحاولة لجَرْد تلك الآثار عليَّ ، <أنا> المَوْضوع الشرقي ، للثّقافة التي كانت سَيْطرتها عامِلاً على دَرْجة كبيرة من القُوّة على جَميع الشرقيين ” . ” وذلِكَ هو السَبَب في أن الشَّرْق الإسلامي ، بالنسبة إليَّ ، كان لا بُدّ أَنْ يكون مَرْكز الإهتمام “.

ويُرْدِف إداورد قائلاً؛ ” وقد أسْهَمَتْ ثلاثة أشياء في جَعْلِ حتى أبسط التصورات للعربي والإسلام قَضِيّة مُسَيَّسة الى درجة عالية ، بل تكاد تكون خَشِنَة .

أولاً، تاريخ التّحَيّز الشّعبي ضِد العَرَب وضد الإسلام في الغَرْب ، الذي يَنْعَكِس مُباشرة في تاريخ الإستشراق. ،

ثانياً، الصِّراع بَيْنَ العَرَب والصهيونية الإسرائيلية ، وتأثير هذا الصِّراع على اليَهود الأميركيين بالإضافة الى تأثيره على كلا الثقافة التحررية والسكان عامة ،

ثالثاً ، الغِياب شِبْه الكُلّي لأيٍ مَوْقع ثقافي يَجْعل من المُمْكِن إما تَوَحُّد الهَوِيّة مع العَرَب أو الإسلام ، أو مُناقشتهما دُون شبوب عاطفي . “

ويُضيف ، ” وأكثر من ذلك ، فلا يَكاد يكون بحاجةٍ الى القوْل أنَّ الفُرَص المُتاحة ( لتَبَلوُر ) ما يَقترب منْ أَنْ يكون رُؤية واضِحة لمّا يَتحدث عَنه المَرْء حينَ يتحدث عن الشرق الأدنى ، قَليلة الى دَرْجةٍ بائسة ، لأنَّ الشَّرْق الأوسط الآن مُوَحّد الهَوِيّة بسياسات القُوى العُظمى ، واقتصاديات النَّفْط، والثُنائية السّاذِجة < المُؤَلَّفة > من إسرائيل المُحِبّة للحُرِيّة، الديمقراطية ، وَمِنْ العَرَب الأشْرار ، الكُلّيّاتيين، الإرهابيين. “

لكن ، ما الذي دَفَع إدوارد لكتابة هذا الكتاب ؟

في ذلك يقول إدوارد ، إنَّ تَجاربه الشّخصية لتلك القضايا هو ما دَفَعة لكتابة هذا الكتاب . ويَستطرد ويقول : ” فحياة الفلسطيني العَرَبي في الغَرْب ، وبشَكْلٍ خاص في الولايات المتحدة ، تَبْعَثُ اليأس في النّفس” . ” إذ يُوجد هنا إجْماع كُلّي تقريباً على أن < الفِلسطيني > غير موجود سياسياً ؛ وحين يُتَسامَح ، فَيُعْتَرَف بوُجوده فَبِوَصفه إما أمْراً مُزعجاً ، أو شَرْقِيّاً “.

ويُضيء حول ذلك أكثر ، فيقول ؛ ” وَإِنْ الشّبكة العنكبوتية من العِرْقِيّة ، والتّنميط الثقافي ، والإمبريالية السِّياسية ، والعَقائدية التي تَقضي على إنسانية الإنسان ، والتي تَأسُر العَربي أو المُسلِم ، لَقَوِيّة جداً بالفعل ؛ وهذه الشّبَكة هي ما كان لكلِّ فلسطيني أَنْ يَشعُر به بوَصفِه قَدَرَه المُعاقِب بفَرادَة .”

وحول واقع الأمور في الولايات المتحدة بالنسبة للفلسطيني العربي أو المسلم ، يَقول إدوارد؛ ” ولقد زادَ الأُمور سوءاً بالنسبة له أنّه لاحظ أنه ما من شخصٍ مُنْشَبِك جامعياً في الشرق الادنى – أي ، ما من مُسْتَشْرِق – وَحَّدَ هويته أبداً في الولايات المتحدة ثقافياً وسياسياً وبرَغبة كُلِّية بهَوِيّة العَرَب “، ويَستدرك ويقول ؛ ” ما من شك أنَّ حالات مِن تَوحيد الهَوية قَدْ حَدثتْ عَلى صعيدٍ ما ، لكنها لم تتخذ أبداً شكلاً ‘مَقبولاً ‘ كما حَدَثَ لتَوَحُّد الهَوِيّة الأميركي التحرري مَع الصَّهيونية ؛ وغالباً جِدّاً ما أفْسَدَ هذه الحالات جَذْرِيّاً ارتباطها مع مَصالح سياسية ( المُسْتَعْرِبين في شركات النّفط أو وزارة الخارجية مثلاً ) أوْ مع الدّين “.

وفي الفقرة الأخيرة من مُقدمته ، يَخلص إدوارد ، الأُستاذ الباحث الجامعي ، الى نتيجة حاسِمة حَول مَفهومه للسلسلة التي تَخلق ‘ الشَّرقي ‘ عند الغَرْب فيقول :”ومِن هنا ، فإنَّ سِلسلة المَعرفة والقوة التي تخلقالشّرقي، وبمعنى ما ، تلغيه ككائن إنساني ، ليسَتْ بالنسبة لي قَضِيّة جامعية حَصٍراً .” ويُضيف ويقول ؛ ” غَير أنها قَضِيّة فِكْرِيّة ذات أهمية واضحة جداً ” . ” ولقد استطعتُ أَنْ استخدم إهتماماتي الإنسانية والسياسية لتحليل قَضية دُنيوية جِدّاً ووَصْفِها، وهي بُزوغ الإستشراق ، وتَطَوُّره وتَثْبيته لمَواقِعه .”

أما عن الأدب والثقافة والسياسة وعلاقته بالإستشراق فيقول ؛” وكثيراً ما يُفْتَرَض أنَّ الأَدَبَ والثقافةَ بريئان سياسياً ، بل حتى تاريخياً ” . ولكن ذلك ليس كذلك حسبما توصل اليه إدوارد في دراسته للإستشراق، وفي ذلك قال ؛ ” ولكن الأمر بدا لي بصُورة مُطّردة مُغايراً تَماماً لذلك ، وليس ثَمّةَ من شَكٍّ في أنَّ دراستي للإستشراق قد أقنعتني ( وآمل أنها ستُقنِع زملائي من دارسي الأدب ) بأنَّ المُجتمع والثقافة الأدبية لا يُمْكِن أن يُفْهَهما ويُدْرَسا إلا مَعاً “.

ويُِضيءُ إدوارد حول بُعْدٍ آخرَ غاية في الأهمية، وهو عَلاقة الإستشراق باللاسامِيّة ، فيقول ؛ ” وإضافةً ، وبمَنْطِق ٍ لا يَكاد يَكون ثَمّة مَهْرَبٍ مِنْه ، فقد وَجَدتُ نَفْسي أكتبُ تاريخ إنسانٍ غَريب مُشارك بصورة سِرِّيّة للاسامِيّة الغَربية . وإنَّ كَوْن اللاسامِيّة والإستشراق ، كما ناقَشْتَه في فِرْعِه الإسلامي ، مُتشابهين تشابهاً كبيراً لحقيقة تاريخية ، وثقافية ، وسياسية ؛ حَقيقةً يَكفي أن تُذْكَر لفلسطيني عَرَبي من أجل أَنْ يَفْهَمَ المُفارَقة الفَكْهية الكامِنَه فيها فَهْماً مُطْلقاً .”.

وأخيراً ، فَقَدَ تَمَنّى إدوارد في مُقَدِّمة كتابه أَنْ يكون قد أسهم من خلال دراسته في تقديم فَهْمٍ أفضل للطريقة التي مارَسَتْ فيها السَّيطرة الثقافية فاعِليتها ، وأنْ يكون قد نَجَحَ في استثارة نَمَط ٍ جَديد ٍ من التعامل مع الشَّرْق ، وأنّها، أي دراسته ، إذا كان لها في الواقع أن تَبْتُرَ ‘ الشّرْقَ ‘ و ‘ الغَرْبَ ‘ بَتْراً كامِلاً ، فإنَّ قَدْرَاً قليلاً من التّقدم يَكون قد تمَّ تحقيقه.

***********

تلك هي الإضاءات من أقوال إدوارد سَعيد في مقدمة كتابه ” الإستشراق “.

لقد صدر كتاب إدوارد سَعيد هذا بطبعته الإنجليزية في العام ١٩٧٨ ، اي في ذات العام الذي وَقَّعَ فيه الرئيس المصري أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد ، وفي ذات الفترة التي شهدت فيها إيران تحالفا تاريخياً بين الليبراليين واليساريين ورجال الدين، أقولُ تحالفاً مَهّد لثورة الشّعب الايراني ضِد نِظام شاه ايران المتحالف مع الغرب ادى الى إسقاطه في العام ١٩٧٩ ، وكذلِكَ في الفترة التي تَمكن فيها اليَمين الصّهيوني برئاسة مناحيم بيجن من الفوز بانتخابات الكنيست لاول مرة منذ تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين .

ما بين عامي ١٩٧٨ و ٢٠٢١ ، جَرَتْ مِياهٌ كَثيرة في مجاري الشرق الاوسط ، وهَبَّتْ أعاصير شَديدة ،وربما أن ذلك لم يُؤدِ الى تغيير كبير في الواقع الذي كان إدوارد قد عاشه والذي جعله يُنتج دراسته ؛ ” الإستشراق ” .

لكن ، دراسته هذه كان لها مفاعيل ملموسة على صعيد التأثير في رؤى كثير من المفكرين الغربيين وغيرهم ، وقد لا تكون قد نجحت في تغيير صورة الرأي السائد في مجتمعات الغرب على نحو كبير ، لكنها حتما قد رَجّته بِشِدّة .

ومن حق المَرْء أن يُثيرَ بعد ثلاث واربعين عاما من صُدور ” الإستشراق ” تساؤلات عديدة ؛

هل ما زالت صورة إسرائيل والصهيونية لدى الأمريكيين ولدى الاوروبيين ، ( وعلى الاخص الأكاديميين ، والمفكرين ) اي لدى الغرب ، كما كانت عليه عِنْد كتابة ادوارد للإستشراق وإصداره له في العام ١٩٧٨ ؟ أي إسرائيل المحبة للحرية والديمقراطية …!

هل ما زالت صورة الفلسطيني العَربي ، والعربي عُموماً ، لدى الامريكيين ولدى الاوروبيين هي هي كما كانت عليه عند إصداره كتابِه في العام ١٩٧٨؟ أي الإرهابي ….!

هل ما زالت اسرائيل والصهيونية لدى يهود امريكا ويهود اوروبا ، ويهود العالم ،… هي هي كما كانت عليه في العام ١٩٧٨؟ أي التماهي التام مع اسرائيل والصهيونية مهما كانت سياساتها وعنصريتها …!

أما الأنظمة العربية ، فَمَع تَوقيع مِصْر اتفاقية كامب ديفيد ، فقد فتحت المجال على مصراعيه امام خلخلة الموقف الرسمي العربي من الصَّهيونية واسرائيل ،… وهَذا أمر كان حتما في وارد ذِهْنِ إدوارد عندما كتب عن الاستشراق ، وعلاقة الغرب والإستشراق بالأنظمة الرسمية السائدة في الشرق الإستبدادي.

أسئلة كثيرة يمكن إثارتها في معرض الحديث عن مُقدمة ادوارد لكتابه ” الاستشراق “،… ! ولكني سأكتفي بهذا القدر ، آملا ً أن تُثير هذه الأسئلة اهتمام المفكرين في تقديم اسهاماتهم في تناولها هي وغيرها من القضايا التي طرحها “الاستشراق”.

وفي رأيي ، فإن كارل ماركس قد كَتَبَ ” رأس المال “، كما أنَّ إدوارد سَعيد قد كُتُب ” الاستشراق ” ، …!

” الإستشراق ” عَمَلٌ لم يحظ لدى المفكرين والسياسيين العرب القَدر الذي يستحقه من الأهمية ، … ! وهذا أَمْرٌ إشكالي ، إذا ما كان السؤال ما يزال يتوقف عند ؛ ” إعرف نفسك “!!.

عبد الرحمن البيطار .

هايدلبيرغ – الجُمْعة ١٩ تشرين الثاني ٢٠٢١