Menu Close

تلتقي الروحان في هذا اليوم : روح الشهيد رعد فتحي حازم ، وروح الشهيد عبد القادر الحسيني ،… : اربعة وسبعون عاما يفصل بينهما ،… لكنهما تواعدا والتقيا ،.. سأل عبد القادر رعد عن الاحوال في فلسطين ،… قال له رعد : هي صعبة حقا ،… هم في مأزق وجودي عميق ،.. ونحن في مأزق نضالي وتنظيمي عميق ،.. المشروع الصهيوني يترنح وهو في اوج غطرسته ،… وشعبنا ممسك بجمرة النضال ، يسعى لتطوير استراتيجيته لانتزاع حقوقه ،… وتحرير فلسطين والفلسطينيين (بانتماءاتهم العقائدية كلها ) ، من شرور الصهيونية العنصرية والخراب الذي الحقه مشروعها الصهيوني العنصري بالفلسطينيين ، وبشعوب منطقتنا العربية ، وبيَهود فلسطين والعالَم ..! أُعيد في هذا اليوم نشر يومية كنت قد كتبتها قبل نحو عام :

يَومية الجمعة ١٦ نيسان ٢٠٢١-
نيسان النّكبة /معركة القَسْطل وسقوط فلسطين – عَلّموا أبناءكم الرِّماية بالوعي والثقافة وإعادة قراءة التاريخ وفهمه

شهر نيسان من العام ١٩٤٨ هو الشّهر الذي تَجَلَّت فيه النكبة الفلسطينية بكل ابعادها .
لذا فإنَّ إحياءَ ذِكرى أحداث النّكبة الفلسطينية في نيسان من كل عام هو واجبٌ على كلِّ فلسطيني وفلسطينية ، والإحياء هُو سِلاحٌ مَاضٍ يَمْلِكه كل إنسان فلسطيني وغَير فلسطيني، يُشْهِرَه في وَجْه قُوى الطُّغيان والعُنْصُرِيّة والاستغلال والاستعمار بكلِّ أشكاله البَغيضة، وعلى رأسه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي العُنصري البغيض.
الإحياءُ هو سِلاحٌ لا يَمْلِك أحد في العالم ولا أي سُلطة فيه ، حُكومية أو غير حكومية ، أن تحْرِمَ إنساناً من مُمارَسَته، وتَنْعَدِم في مُواجهته كل أسلحة الاستبداد والقمع والطغيان .
الإحياءُ يَحتاجُ فقط إلى امتلاكِ وَعْيٍ بالحَدَث الذي نُحيي ذِكْراه ، وكذلكَ إلى شَمْعَه — أو شموع ، لأنَّ “نيسان ٤٨ “في حياة الشعب العربي الفلسطيني مَليءٌ بأحداث النّكبة —
والإحياءُ يَحتاج من كل مِنّا إلى دعوة أفراد العائلة —برِفْق ولُطف وبطريقة تَجْذِبُ ولا تُنَفِّر وخاصة للأطفال والأجيال الشابّة —، ورُبّما أصدقاءَ آخرين للاجتماعِ في رُكنٍ مُحَبَّبٍ في البيت ، والإشتراك جميعاً في إضاءة شَمْعَةِ الإحياء لحَدَثٍ من أحداث النّكبة، ولتناول ذلك الحَدَث ووقائعه بالحديث عنه، والتحاور بخصوصه، وحول طبيعة الجرائم المُرْتَكبة فِيه، وأبعادها ومَراميها ومَغازيها .
ذلكِ هو ابسط انواع الوفاء لفلسطين ، وللقيم الانسانية ، وأيضا لقضية شعبها ، وهو شَكلٌ لا يُقْهَر من أشكال النضال، وهو جُهْدٍ ضَروري وَإِنْ كان غير كافي لإزالة الظلم .


مَلَكَني ،منذ بداية نيسان لهذا العام، رغبة في الحديث عن رَجُلٍ من رجال بلادي ، لا زال إسمه مَطبوعاً في ذاكرة الكثيرين مِنّا .
وهذا الرجل ، إجتمعتْ فيه الكثير الكثير من عناصر القيادة ،والإنسانية، والإيثار ، والتضحية .
سأتحدثُ عن واقعة استشهاد هذا الرَّجل ، لأنَّ هذه الواقعة الدامية والحزينة ، قد سَطَّرت الكلمات الأولى في صَفحة “النَكْبَة” الفلسطينية الشاملة في التاريخ الإنساني الحديث .
وإذا كان النِّصف الأول من القَرْن العشرين قد شَهِدَ نَكَباتٍ كثيرة ، فإنَّ نَكْبَتان مِنْها تُعتبران في تاريخ الإنسانية كلها وعبر تاريخها كُلّه حَدَثان مُمَيَّزان بالأسى والعِبْرة:

الأولى ، نَكبة اليهود في أُوروبا على يَدِ النازية والفاشية الاوروبية والتي تَمَظْهَرَت في أبشع صُورها في المَحْرَقة ؛ الهولوكوست .
الثانية ، نَكْبِة الفلسطينيين العَرَب في فلسطين على يد الصهيونيين اليهود ، وبعضهم من ضحايا النازية والفاشية الذين خَدَعَتهم الحركة الصهيونية بفكرها الفاشي والعنصري ، وعَبَّئتهم وجَنَّدَتهم في حَملات اقتراف جرائم التطهير العرقي والطرد للفلسطينيين من مُدُن فلسطين وقُراها وباديتها في العام ١٩٤٨ ، وما بعده .
ومما يُثير الأسى أيضاً ، أنَّ تلك الجرائم ، وهي جرائم صريحة ضد الإنسانية ، قد ارتكبتها منظمات الإرهاب الصّهيوني المُسلحة ، والتي نَشَأتْ وتَرَعْرَعتْ في كنف سُلطات الإنتداب البريطاني على فلسطين ، وعلى مَرآى ومَسْمَع من قُواتها فيها ، وذلك في انتهاك فاضح لأحكام صك الانتداب الذي أصدرته ” عُصْبة الأُمم ” والذي ألزم الدولة المُنْتَدَبة على فِلسطين ( أي بريطانيا) في الحفاظ على الحقوق المدنية والدينية للفلسطينيين ، وحمايتهم وتمكينهم ومساعدتهم في اقامة حكم مدني ديمقراطي في بلدهم فلسطين، هذا من جهة ، ومن جهةٍ أُخرى في انتهاك صريح لأحكام قَرار التقسيم رقم ١٨١ الذي اصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وكذلك لأحكام ميثاقها والمعاهدات الدولية.


الرجل الذي سأَتَحَدَّث عَنْه هو عبد القادر الحسيني.
هناك روايات عديدة حول تاريخ ميلاده ، إحداها أنّه استشهدَ في نيسان من عام النكبة ٤٨ ، في ذات اليوم الذي وُلِدَ فيه ، أي في الثامن من نيسان .وقد خَطَفَتْ الأقدار رُوحَه بعد أقْرَضَتها للقدس وبلاده فلسطين مُدّة واحدٌ وأربعون عاماً .
يقول المُناضِل بهجت أبو غربية في مُذَكَّراته التي نَشَرتها مُؤسسة الدِّراسات الفلسطينية في العام ١٩٩٣( الطبعة الاولى )، أنَّ عبد القادر قد عاد من دِمَشق الى القدس في صباح يوم الأربعاء الواقِع في ٧ نيسان ١٩٤٨ .
وفيها يَذْكُر أنَّه سأل أخاه صُبحي الذي رافق عبد القادر لدى عودته من دمشق مع عدد من المُناضلين : هل أحْضَرْتُم مَعَكُم سلاحاً ؟.
فأجابه : لا أدري.
عَرِفَ بهجتْ أنَّ عبد القادر قد نَزَلَ في بَيتٍ أخيه فريد في حيِّ باب السّاهِرة ، فتوجه فَوْراً إلى هُناك ، ووجد على الباب : ” عوض التِّرْمِسْعاوي ” ، الحارِسُ الشّخصي لعبد القادر ، فسَأَله عن كَمِّيات وأنواع السِّلاح التي أحضروها من دِمشق ، فقال له :
” تقريباً ، لَمْ نُحْضِر شَيئاً”
سَأله: “أين أبو موسى؟”( أي عبد القادر )
أجابه:
“جُوّا ، نايِمْ ، يستريح . إلْنا طُول الليل بنِمْشي ، خَرِجنا من الشام مُتأخرين . وبِدّو ينام ساعتين “
بعد ساعتين ، عادَ بهجتْ إلى بيت فريد ، شقيق عبد القادر ، وهُناكَ إلتقى بعبد القادر ، وكان في أَشَدِّ حالات الغضب ، وقال له فَوْراً :
” مَطلوبٌ مِنْك مأمورية لا يَستطيع أنْ يَقوم بها غَيْرَك ، أُريدكَ أنْ تَذهب إلى كامل عريقات ، فَقَدَ عَلِمتُ أنَّ حُصَّتَه من الغَنائم العَسكرية من مَعركة الدّهيشة كانت مُصَفَّحَة ، وعِدّة رشاشات ، وأنا أعتبرها مُلكاً للقيادة ،… أحْضِرْها لي “.
ذَهبتُ فورا الى بيت كامل عريقات في قَرْيِة أبو ديس ، فوَجدته في السّرير بِسَبَب جُرْحِه الذي أُصيبَ به في “مَحاجر الياشار” في اليوم السابق . كانت تَرْبِط بهجت بكامل أواصِرٌ نَشأتْ حَديثاً من خلال علاقة كل منهما بالحزب العربي الفلسطيني، ومُنظمة الفتوِّة التابعة له .
يَقول بهجتْ في مُذكراته أنَّ آدائه المُهِمّة المطلوبة منه قد استغرقت وقتاً طويلاً بما في ذلك تَناولَ طَعام الغداء على مائدة كامل ، وأنّه نَجَحَ في أَخْذ المُصَفَّحة اليهودية ، وكانَتْ في حالةٍ جيدةٌ جِدّاً ، وحَصَلَ أيضاً على سِتّة رَشّاشات من نوعيات مختلفة ، ويقول أنه :
” لَمْ يَكُنْ لدينا مِثلها ، وكانت جميعها غَيْر صالحة، … غَيْر أنَّ من المُمْكِن إصلاحها “.
ويقول أيضاً ؛
” تَوجهتُ مع المُصَفّحة الى القدس ، الى حَي باب السّاهرة حيث بيت فريد ” ، وهناك ، “قيل لي أن عبد القادر قد غادرَ البيت الى القَطَمون “.
ويُِضيف ، “إتصلتُ تلفونياً بقيادة إبراهيم أبو ديّة (قائد الجِهاد المُقدس) في القَطَمون ، وسَألتُ عن إبراهيم ، وعبد القادر ، فقيل لي إنهما غادرا القَطَمون الى ( قَرْية ) القَسْطَل عن طريق ( قَرْية ) عين كارم “.
ويَستطرِد قائلاً ؛ ” لَمْ أكُنْ أُقدِّر أن عبد القادر سَيَشُنُّ هُجوماً مُرَكّزاً على القَسْطَل في تلك الليلة ٧— ٨ نيسان ١٩٤٨”.

تَقع قَرْية القسطل على بُعْد عشرة كيلومترات الى الغرب من القدس على قمة جبل استراتيجي يُسَيْطِرُ على طريق القدس — يافا وعلى المنطقة المُحيطة به ، ويرتفع (٧٥٠) متراً عن سطح البحر ، في حين أن ارتفاع الطَّريق العام قُرْب القَسطل (٥٠٠) متر فقط، أما عدد سكانها فكان بحدود (٣٠٠) نسمة .
وكانَتْ القرية كما يقول بَهْجتْ في مُذكراته وعلى مدى التاريخ حِصناً عَسكرياً لا يُضاهيه في أهميته العسكرية في شمال القدس سوى قمة النبي صموئيل .
ويُضيف “بَهْجَتْ” قائلاً إن بيت مُختار القرية كان يقع في اعلى قمة القَسْطَل ، الى جانب مسجد صغير ومقبرة وبقايا قلعة . كما يقع في الجهة الغربية من منحدر التلّة حُرْج كثيف الشجر.
وتُحيطُ بالقَسْطَل من ناحية الشَّرق مُسْتعمَرة “موتسا” التي تبعد نحو كيلومتر واحد ، و على ذات المسافة من ناحية الغَرْب مُستَعْمَرة العنب ( الدلب )، وإلى الجنوب ،على مسافة كيلومتر ونصف ، يَقع “مَحْجَر الياشار” اليهودي الكبير.
يقول “بَهْجتْ” أنه لَمْ يَكن في القرية سوى عدد قليل من أبناءها المُسلحين ببعض البنادق الخاصة عِندما هاجَمتها قُوّة كبيرة من رجال البالماخ في يوم السبت الموافق ٣ نيسان ١٩٤٨ ، وكانت مُزَوَّدة بالمُصفّحات ومدافع المورتر ، واحتلتها بعد معركة قصيرة مع سُكّانها . ويُضيف ، بأن الجيش البريطاني لم يتدخل ليمنع اليهود من احتلال القَرْية او إجلاء سُكّانها مع أنّ تعليمات قائد الجيش البريطاني للعَرَب واليهود كانَتْ تَمْنع وُجود مُسلحين أو مَظاهر عَسكرية على طريق القدس — يافا، وهو الأمر الذي طُبِّق على العَرب مِراراً كما يقول “بَهْجَت”.

ويُضيف “بهجتْ” في مُذكراته قائلاً أن عبد القادر كان قد ذَهَبَ الى دمشق (في أواخر آذار ١٩٤٨) في مُحاولة للحصول من اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية على سلاح وذخيرة للمُناضلين المُرابطين في مدينة القدس وقُراها ، لكِنّه تلقى أخبار احتلال القَسْطَل وهو في دمشق ، وكان مجتمعاً مع اعضاء اللجنة ( قائد الُّلجنة اسماعيل صفوت باشا ، وعضويها طه باشا الهاشمي ، ومحمود الهندي )

استشاط عبد القادر غضباً عندما أيقن حالة التردد لدى اعضاء اللجنة في الاستجابة لطلباته ، وفي ذلك يقول ” بَهجتْ” انه عندمايقول لهم اعطوني بعض المدافع التي لدى القاوقجي في فلسطين ، واعداً بأن يُصفّي المُستعمرات المُحيطة بالقدس قبل ١٥ أيار ( المَوعد المُعْلَن لانسحاب القوات البريطانية من فلسطين ) اذا حصل على السلاح ، تُكَرِّر الُّلجنة رَفْضها ، فيطلُب ان تتحرك مدفعية القاوقجي الى القَسطل للمساندة ، فيُرفَض ذلك ، ويتأزم الموقف يَوم ٦ نيسان ، ويتبادل الطرفان الكَلِمات اللاذعة ، ويَصيح عبد القادر في وجوه اعضاء اللجنة العسكرية :
” أنتم خَوَنة ، أنتم مُجرمون ، سيُسجِّل التاريخ أنكم أضعتم فلسطين ” ويخرج من مكان الاجتماع في غاية الغضب والانفعال ليعود الى القدس .

في هذه الأثناء ، اي ما بين ٣ و ٦ نيسان ١٩٤٨ ، كان عبد القادر يتصل برجاله حاثاً إياهم استرجاع القَسْطَل قائلاً: ” القَسْطَل هي القدس “.
واستجابةً لتعليماته، كما يقول “بَهجتْ” في مذكراته، فَقَدَ تحركت قوات من المُناضلين الى القَسطل، تَمَرْكَزَ بَعضها بقيادة صبحي أبو جبارة في قرية قالونيا ليقطع اتصال القَسْطَل بالقدس ، وثانية من القَطَمون بقيادة إبراهيم أبو دية ، وثالثة من بيت صفافا بقيادة عبد العُمَري ، ورابعة من عين كارم بقيادة خليل منون وخامسة من القدس بقيادة حافظ بركات ، وسادسة من ابو ديس بقيادة كامل عريقات ، كما شارك في الاشراف والمتابعة والتنسيق المحامي أنور نسيبة ، سكرتير اللجنة القَومية في القدس.
يقول بهجت ، ان الهُجوم لاسترجاع القَسْطَل بَدأه المناضلون في يوم الاحد الواقع في ٤ نيسان ١٩٤٨، وفي ٥ نيسان تَمَكَّنوا من احتلال “مَحْجر الياشار” اليهودي ،ونَسَفوا أبراجه العَسْكرية ومُنشآته .
لكن المُنظمات الصهيونية المُسَلّحة شَنّتْ هجوماً كبيراً انطلقتْ فيه من المُستعمرات المُحيطة بالقَسطل وأعاقتْ فيه وُصول الامدادات الى المُناضلين ، وشارَكتْ طائرة في الهُجوم ، كما تمكن المُهاجمين من احتلال قرى دير محيسن وخلدة القريبتان من القَسطل ، وتمكنوا أيضاً من شَقِّ طريق وإيصال قافلة من المُؤن والإمدادات الى القدس ، وتَحَرَّجَ المَوْقف وأُصيبَ كامل عريقات ، وكادتْ ذخائر المُناضلين العَرب من النفاذ.

يقول ” بهجت ” في مذكراته ان عبد القادر وَصَلَ في ليلة يوم الاربعاء الى محجر الياشار المُدمَّر التي احتله المناضلون ، وجمع رجاله هناك ، وكما يقول إبراهيم أبو دِيّة : “تم وضع خُطّة لاحتلال القَسْطَل ونظمنا صفوفنا للهجوم على ثلاثة محاور” ، أمَّا المِحْوَر الايمن فكان بقيادة حافظ بركات ، والايسر بقيادة هارون أبو جازيه، والقلب بقيادة ابراهيم أبو دية ، واتخذ عبد القادر من محْجَر الياشار مقرا لقيادته ، ومعه بعض الإداريين من كبار السن . اما حارسه الشخصي ، فقد ألحقه عبد القادر بإبراهيم ابو دية لانه كان مسلحا برشاش برن جيد.
عند بدءً الهجوم ، يقول ” بهجت” والذي شهد تقدم مائتي من المُناضلين لإحتلال مَوقع محصن ، عَمدَ المقاتلين اليهود الى اخلاء مواقعهم الامامية وتجمعوا في قِمّة القَسْطل حيث يقوم بيت المختار.
تمكن المهاجمين الفلسطينيين من الدخول الى القرية والاقتراب الشديد من القِمّة .
بَقيت قوة المَيْمَنة بعيدة في حين تعرضت قوة المَيْسَرة الى خسائر فادحة لدى محاولتها اقتحام المسجد، وفَشِلَت في تحقيق هدفها.
اما قوة ابراهيم ابو دية ، فبالرغم من اقترابها من بيت المختار والمقبرة الا انها فشلت في تحقيق هدفها ايضا.
وبذلك تجمد الهجوم العربي ، وضعفت نيرانه .
كان الوقت يقترب من حلول الفجر ، عندما ارسل ابراهيم ابو دِيّة رَسولاً لإخبار عبد القادر بحَراجِة المَوقف ، والطّلب اليه إصدار الأمر لقوة المَيمنة بقيادة حافظ بركات للتقدم نحو القمة لتشديد الضغط على العدو واجباره على الانسحاب .
لَمْ يَعرِف أبو دِيّة بعد ذلك ما جرى .
يقول بهجت ان الروايات تقول بأن عبد القادر غادر مقر قيادته ودخل القَسْطَل ، وفي نيته ان يصل الى مَجموعة المَيمنة ليدفع بها الى الامام ، وقيلَ أن من معه حَذَّرَه من دخول القرية في هذه الظروف ، فنَهَرَه ، ودخل القرية وحيداً.
عِندَ الصّباح ، وَصَلَتْ إمدادات للقوات اليهودية في القَسْطل عن طريق الحُرْج . عندها أيقن إبراهيم أبو دِيّة أن الوضع اصبح حرجاً جِدّاً وخاصة وانه تعرض للاصابة اثناء القتال ، فقرر الانسحاب ، ولما وصل إلى مَحجر الياشار ، سأل عن عبد القادر ، فقيل له انه دخل القرية متوجهاً إليك . فقال إبراهيم :
” إنه لم يَصِلني ولَم أره”.


ما سَبَقَ ، هو تلخيص مشتق من مُذكرات المناضل الكبير المرحوم بهجت ابو غربية .
حول ذات الوَقائع ، كتب “دان كيرزمان” في كتابه ( Genesis 1948) الذي نُشِرَت طَبعته الثّانية في العام ١٩٧٠، والذي استند فيه على شهادات عَشَرات من الشخصيات وابطال الأحداث من جميع الأطراف التي انخرطت في الصراع الفلسطيني العربي الصّهيوني البريطاني في العام ١٩٤٨ ، ومن ضمنهم ” بهجت ابو غربية “.
ولأن ” دان كيرزمان” قَدّم تفاصيل ذات الوقائع حسب شهادات أشخاص من أطراف الصراع ، ولأهمية الحَدَث نفسه ( القَسْطَل ، القرية ، الفلسطينيين ؛ سُكان القرية ، الموقع ، الاطراف ومواقفها ) ، فَقَدَ قرّرتُ أن أُقدم تَرْجمة ” بتَصَرُّف ” لمقاطع من الكتاب حول الموضوع ، لمنح قارىء اليومية فرصة التدقيق والمقارنة والمقاربة والاستخلاص .
وقبل الولوج الى لُبِّ الموضوع ، أودُّ تبيان أن المؤلف قدم الأمر على نحو يُفهم مِنه أنه صراع بين العرب واليهود . وفي حقيقة الأمر ، فإن الصراع على فلسطين هو صراع بين اصحاب البلد الاصليين، اي الفلسطينيين العرب بكل انتماءاتهم الدينية ومعتقداتهم ، وبين الحركة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية التي استهدفت الفلسطينيين ، وطردتهم من ديارهم ،وسيطرت على املاكهم وحَوَّلَت الجزء الاكبر منهم الى لاجئين ، ومُشَتّتين ، ونَظّمَت هجرة اليهود من اوروبا ومن مختلف بلاد العالم الى فلسطين للحلول محل الفلسطينيين في اكبر مشروع تَطهير عِرْقي شهدته البشرية في القرن العشرين .
ومع ذلك ، فإنّ دراسة ” دان كيرزمان ” هي جُهْدٍ بحثي حقيقي عَميق ، وذات قيمة لا تُنكر.


على الصفحة ١٢٩ من الكتاب وما بعدها ،كتب “دان كيرزمان” عن واقِعة احتلال القَسْطَل في يوم السبت الموافق ٣ نيسان ١٩٤٨ يقول :
” سَنَبدَأ في الساعة الثالثة والنصف الإحاطة بالقَسطل والصعود اليها . سَتَحصُل على التعليمات بخصوص ذلك . لكنْ تَذَكَّر ، يَتعين تَحقيق هذا الهَدَف على نحو قاطِع ! هل لديكم أي أسئلة أخرى ؟ “
أجابَه أحد قادة الفرقة ، وقد كان يجلس بالقرب من “عوزي ناركيز “، وهو قائد “وِحْدة البالماخ” المُؤلفة عمّا يزيد عن مائة رجل، سائلاً :
” ومتى سَنَأُخذ قِسْطاً من الراحة ؟ “
بَصَقَ “ناركيز” ، ثم أَخْذ يَحُك وَجْهه النحيف المُلتحي . وأطْرَقَ مُفَكِّراً ، وقال لنفسه ، هذا سؤالٌ جَيّد . لقد كان قد أكّدَ لـ”ديڤيد شالتيل” ، وهو قائد الهاغاناه في القدس ، أنّه وبَعْد أن تَقوم طليعة قوات البالماخ باحتلال القَسْطَل ، فإنّها سيتم استبدالها فورا بقوات هاغانا نظامية من فِرقة عيتصيوني Etzioni Brigade المُتَمَرْكِِزَة في القدس . وأنَّه سَوفَ لا يُسْمَح بهَدْرِ قُدْرات “قوة البالماخ” عالية التدريب والمعنويات عَبْر تكليفها القيام بأعمال حراسة ودفاع ، وَهْمُ الأكثر إحتياجاً لتنفيذ أعمال هُجومية في أماكن اخرى . لكنه لَمْ يكن يرى أنه من الضروري أن الإفصاح عن كل ذلك لرجاله في لحظةٍ بالغة الحَراجة كهذه .
أجابه “ناركيز” : ” إسمح لي أن أقلق بشأن ذلك “.

وهكذا ، وفي الثالث من نيسان ، أي بعد يومين من اليوم الذي وَضع فيه بن غوريون “خُطّة ناحشون” مَوْضِع العَمل ، كان اليهود يُهاجِمون . كانت قوات “ناركيز” جُزْءاً من الفرقة ؛ “بالماخ هاريل” ، والتي كُلِّفَتْ بالهُجوم على القَسْطَل من جهة الشرق ، في حين كانت “فرقة جيفاتي” ، تحت قيادة “شمعون أڤيدان” ، والذي كان أيضاً يَتولى مسؤلية قِيادة العَمَلية بأكملها ، قد هاجَمَتْ سُفوح تلال اللطرون من جهة الغرب .
زحفَ قادة مجموعة “ناركيز” عائدين الى رِجالهم وكانوا في خنادقهم المُمْتَدة الى جانب الطريق على طُوله وهم في حالة توتر . وأخيراً ، تم إعطاء إشارة التّقدم :
” فالتتقدم الرشاشات “.
تَدافَعَ الرجال من الخندق ، وتَقدَّموا إلى أعلى على طول مَمَر دائري صَخري . كان “ناركيز” يُراقِب رِجاله وهم يتقدمون مُنحَدَراً جَبلياً قاحِلاً تحت ضوء القمر . حَجبَ الظّلام الدّامس القُدْرة على رؤية القَرْية الجاثمة على سطح التلة في ظل قلعة رومانية قديمة . لكن القَسْطَل ، وبَعد كل هذه القرون ، فَقَدَ بَقيت كالحارس المتوحش يَسُدُّ الطريق المُتجه نحو القدس ، ويُهيمن على كامل المَنْطِقة لأميال مِنها . أما المَمرّات الحَجرية ، فقد كانت تقود الطريق نحو ( قرية) “صوبا” وقِمّتها المسطحة والتي تقع على بعد ميلٍ تقريباً مِنها ، ومن قُرى رام الله نحو الشمال .
كم سَقط من اليَهود من رَصاص وقذائف رجال أطلقوها من خلف الصخور ، ومن خلال الشقوق فيها .
وكم تم تحطيم قوافل وحرقها على طول الطريق المُلتَف حول قَدَمه …
” إتبعني !” ، هَمَسَ “ناركيز” بأُذن الرّجل وراءه ، وبدأ في التّسَلُّق إلى أعلى التَلّة خَلَفَ مجموعات الرَّشاشات .

وخلال ساعة ، وَجَدَ العَرَب ( سُكان القرية ) المَذهولين من المُفاجأة أنفسهم يُهروِلون إلى أسفل المُنحَدَر . واستولى اليهود على أول قَرْية عربية . ومن القَسْطَل ، أصبح بالإمكان الإنطلاق بهجمات الى أنْ تمَّتْ السيطرة على كامل المرتفعات المُشْرِفة على طريق القدس – تل أبيب والتي سَقَطتْ بيد اليهود .

” دَمِّر كُل البُيوت ، وتَحَصَّنْ ” ، خاطبَ “ماركيز موردخاي” “چازيت” ، والذي تَسَلَّقَ الى القَسْطَل مع (٣٥) رجلاً من “فِرقة عيتصيوني” الجديدة والتي جاءت لتحل محل “ناركيز “ووحدته بعد عدة ساعات من السيطرة على القَسْطَل . كانت مُهِمة القادمين الجدد الإمساك بالتَلّة .
قام “چازيت” بتحصين القَسْطَل ، لكِنّه تَوصل الى أنه يستطيع فقط الدفاع بفعالية عن التَلَّة عبر احتلال عدد من المرتفعات الموجودة بيد العرب والتي كانت تحيط بالقَسْطل . سيطر رجاله بعد ذلك على ثلاثة مرتفعات ، لكن العرب قاموا بهجوم معاكس ، وتمكنوا من دَحْر اليهود من القَسْطَل والذين وجدوا أنفسهم في نهاية المَطاف مُحاصَرين ، وقد نَفَذَتْ مِنْهم ذخائرهم والغذاء “.


“وفي هذه الأثناء ، وَصَلتْ الى دمشق أنباء سُقوط القَسْطَل ، وهو حدثٌ كان عبد القادر قد جاء الى دمشق قبل أيام عديدة من وقوعه للتّوسل لمسؤولي الجامعة العربية لتزويده بالسِّلاح لأجل مُواجهة هجوم يهودي كان يَعلم أنه وَشيك الوقوع . كانَتْ جُهود عبد القادر قد أصابها الإحباط بسبب استياء الجامعة العميق من المُفتي — وهو الذي كان يُمَثل الروح وراء القوة الفلسطينية — وفي الحقيقة فإن عبد القادر كان يلتقي بقياديي الجامعة عندما هَرَعَ الى غرفة الإجتماعات مُراسل يَحمل بيده تقريراً سَلَّمه للجنرال “اسماعيل صفوت “باشا الذي صرخ مَذهولاً : ” يا إلهي ! ، لقد سَقَطَتْ القَسْطَل بيد اليهود”. لقد كان الجنرال صفوت يَشْغَل رئيس أركان القوات العَرَبية في فلسطين .
سادتْ حالة من صَمتٍ صادِم .ثم التفت “الجنرال صفوت “الى القائد الفلسطيني وقال له :
“عبد القادر ، إنَّ رُجوعك الى فلسطين هو أمر تُقرره أَنْت . إذا لَمْ تَكُنْ قادراً على ذلك ، أخبرنا ، عندها سنطلب من القاوقجي القيام بالمُهِمّة “.
أما عبد القادر والذي كان مَسؤولا عن مَنْطِقة القُدس ، فَقَدَ استشاط غضباً وقال بلهجة حاسمة :
” يا باشا، إنَّ ‘القَسْطَل’ كلمة مُشتقة من الكلمة الاجنبية (castle). ومعناها قلعة مُحصنة ضد البنادق الايطالية ، والقَدْر الزهيد من الذخيرة الذي نمتلكه . أعطِني السّلاح الذي طَلَبته منك ، وسأسترجع القَسْطَل . إن خُطتي هي في أن أُحاصر القدس، والمُستعمرات اليهودية وباب الواد …..على أي حال ، إنَّ اليهود يَمتلكون في الوقت الراهن المَدافع والطائرات ، ولديهم رجال مُدربين ، وإنه من المستحيل عَليَّ أن أسترجع القَسْطَل بدون مَدافع . أعطيني ما طلبته منكم ، وأنا أضمن لك أن أُحقق الإنتصار “.
قاطعه “الجنرال صفوت” قائلاً : يا عبد القادر ، ألا تستطيع ان تفهم ؟ ليس لدي مَدافع لأُعطيك إياها !”
وهُنا ، انتفض عبد القادر من مَقعده ، والتقط خارِطة فلسطين التي كانت مفروشة على الطاولة ، ورَماها في وجه الجنرال صفوت ، وصاح قائلاً :
” يا خَوَنة !” ” يا مُجرمين ! ان التاريخ سوف يُسجل انكم قد تَخلّيتم عن فلسطين . إني عائد الى القَسْطَل — بسلاح او بدون سلاح . سأُعيدها أو أموت !”.


“عادَ عبد القادر الى القُدس في يوم ٦ نيسان ١٩٤٨ وتناول الفطور مع عدد من قادة مجموعاته ، وكان بهجت أبو غربية أحدهم . وبعد أن أصدر أوامره إلى بهجت لجمع ما يستطيع تجميعه من سلاح وذخيرة ، ذَهَبَ الى مركز قِيادة المجموعات والتي كان يقودها إبراهيم أبو دِيّة وهو الذي كان قد قاد الهجوم على خط الخمسة والثلاثون بالقُرْب مُجمَّع مُستعمرات “كفار عتصيون” ، وقال :
“تعال معي يا إبراهيم . سأقودُ الهُجوم على القسطل.”
أما إبراهيم ، فقال له : “ولكننا نحتاج للتجهيز للهجوم …”.
أجابه عبد القادر : ” لا تَهتم . سنُهاجم في الليل”.

حَشَدَ عبد القادر قُوّة من مائة وخمسون رجلاً ، وحَمّلَ الحمير برُزَم الذخيرة . كان الوقتُ مُتأخراً عندما مَشى القائدان في ذلك اليوم نَحو تَلّة بالقرب من القَسْطَل ، وهناكَ وفي بيت حَجَري مَهجور ، أقام مركز قيادته وكان البيت يَبعُد عن مواقع اليهود نَحو ميلين . وهناك ، جَرى وضع خطة الهُجوم ، ومع بُلوغ مُنتصف الليل على وجه التقريب ، كان أبو دِيّة قد جَهَّزَ رجاله للتقدم لمُشاغَلة اليهود والإشتباك مَعهم . أما عبد القادر ، فَقَدَ بقي في الخُطوط الخَلفية مع زمرة قَليلة من الرجال المَدَنِيين غير المسلحين .

” لا تَدَعْه يَتْبَعنا “،
وَجَّه أبودِيّة كلامه هذا لعبداللة العُمَري ، وهو مساعد مَدَني ، وكان يَعرف عبد القادر وميوله المُنْدَفِعة . ثُمَّ قال :
” لا يُمكننا أخذ أي مُجازفة في هذا الخُصوص. نَحنُ في أَمَسِّ الحاجة له”.
قاطَعَه عبد القادر قائلاً : ” لا تَقْلَقْ ، سأبقى هُنا ” .
كان عبد القادر مُسْتَغْرِقاً في دِراسة تفاصيل خارِطة كانَتْ على الطاولة .

تَعَرَّضَتْ القَسْطَل لهجوم عاصِف . بَقِيتْ عُيون عبد القادر مُسَلَّطَة على الخارطة . كان نَفَسَه يَتسارع ، ولكنه لم يَنْطُق بِبنتِ شِفَة . ومع ارتفاع وتيرة المَعْرَكة ، ودُنُو أصواتها مِنْ مَسامِعه ، إرتدَّ عبد القادر إلى الوراء قليلاً ، وأخذَ يرتشف من كُوب الشاي القريب منه …

كانَ قد استلم رسالة من زوجته . كَتَبَتْ له تقول :
” أدعو الله أنْ يُؤازركَ بالنصر والسلام . يا عبد القادر، إنّي أكتب إليك والدموع لا تُفارق عَيناي . لقد ذَهَبَتَ وتَركتنا وراءك . لكنها هذه هي مَشيئة الله . تَرْكِكَ لنا كان وَقْعَه علينا صعبٌ جِدّاً ، لكننا نبتهل لله ونَدعو لك .”

وهو على هذه الحال ، باغَتَه رسول جاءه يقول :
” يا عبد القادر ، لقد أرسلني إليكَ إبراهيم . هُو يقول لك أنّه في وَرْطة ، ويَحتاجُ لمزيدٍ من الدَّعم والمساندة “.

إسْتَلَّ عبد القادر رَشّاشَه ألـ ” ستِنْ ” وعَينيه السُّود تحترقان ، وأعلن :
” أنا ذاهبٌ للتَّمَشي قليلاً “.
لكنَّ العُمَري تضَرَّع إليه بالقول :
” مِنْ شان ألله ، لا تَذهَب “.
” لَنْ أذهب بَعيداً . أُريدُ أنْ أعرف مُجريات الأمور هناك “. قال عبد القادر.
رافق العُمَري ، وموسى (شقيق عبد القادر) ، ورَجُلٌ آخر عبد القادر وهو يَتحرك إلى الخارِج . وما لَبِثَ أن انفجرتْ بالقُرْب مِنْهم على بُعْدِ ياردات قَليلة قذيفة مُورترْ تَسَبَّبتْ بإلحاق جروح طفيفة بعبد القادر والرّجل الآخر ، أمّا عبد الله العمري فَقَدَ نَجى من الإصابة .

صَرخَ العُمَري قائلاً : ” دَعونا نَعود الى داخل البيت ، وسأقومُ بتَضميدِ جِراحكما “.
ضَحِكَ عبد القادر . وكان في هذا في الوقت يَضْغَط بِيَدِه على الجرح الذي أصابه في وِرْكِه ، وعَلَّقَ على دعوة عبد الله العُمَري قائِلاً :
” أَلجُرْحٍ بَسيط مِثْل هذا ..؟ ، لقَدْ أُصِبْتُ بجُروحٍ أسوأ بكثير من هذا الجرح “.
إستمرَّ عبد القادر في التقدم نحو جبهة القتال بمُرافقة شقيقه موسى، وكان يَعْرِج قليلاً بسبب الإصابة التي لَحِقَتْ به. وعندما مضوا في الطريق مُتسلقين لمسافة أُخرى، لاحَظَ عبد القادر أنَّ النيران الصادِرة من الجانب العربي من جبهة القتال أخَذَتْ في التضاءُل ، ثُمَ تَمتَمَ قائلا :
” لماذا أوقفنا إطلاق النيران عليهم ، إذهب يا موسى ، وتَحرّى عن الأمر “. أجابه موسى:
” وماذا عَنْك ؟ أنا لا أُريد أنْ أَتْرككَ وحيداً هُنا “.
وعلى ذلك جاءت كلمات عبد القادر :
” لا تَهْتَم ، سأكونُ بخير “.
عندها، تَحَرَّكَ موسى الى الأمام بسُرْعة .

ولكنْ ، وبعد مُرور ساعة من الزمن ، أي حوالي الخامِسة صباحاً ، هَرَع الى المَكان مقاتلٌ وهو يُصيحُ على عَجَل :
” إنَّ الوَضْع سَيّء ! .لقد أُصيبَ إبراهيم بجِراح ، والذخيرة تَنفذُ مِنّا “.
سأله العُمَري :
” هل رأيت عبد القادر ؟ “
أجاب بـ : ” لا ” .
إنتابَه قَلَقٌ عظيم ، كانَتْ تترجمه نَظراتٌ كان تحمل مزيجا من الخيبة والقنوط . بدا ذلك على قَسَمات وَجْهه ، إنهمكَ بَعدها العُمَري بكِتابة رسائل عَديدة ، أمرَ بتوزيعها إلى القُرى العربية المُحيطة . وفيها كَتَبَ يَقول :
” أرْسِلوا النّجدة . عبد القادر في خَطَر “.


“في هذا الوقت على وَجْه التقريب ، كان قائد الهاغاناه في القَسْطَل ، “مُوردخاي چازيت” ، يَدْخل مَقَرَّ قِيادَتِه والذي كان مَوْقِعَه في بَيتٍ حَجَرَي يَقَع على نُتوءٍ في سَفْح التَلَّة . لقد كان للتّو قد زار بَيْتَ مُختار القَرْية الذي احتله اليهود (قُوّات الهاغاناه المُسَلّحة)، وَهْوَ يَقع على مسافةٍ قريبة من أعلى التَّل بالقرب من وَسَط القَرْية . لقد تَمَكَّن المقاتلون العَرَب ( الفلسطينيون المدنيون المسلحون، أصحاب البِلاد) بجرأةٍ أَدْهَشَته ، من الوصول الى منطقة حَيوية من البيت وقاموا بمحاولة فاشلة لتفجيره . وفي نهاية المطاف ، فَقَدَ تَراجَعوا إلى أسفل التَلَّة تحت ضَغْط نيران يَهودية شَديدة ، ولكنهم كانوا أفضل تنظيماً ، وأكثر تأهيلًا للقتال الليلي ، وكان من المُحْتَمل أن يتمكنوا من اجتياح القَسْطَل . لا بل وكان في إمكانهم تحقيق ذلك لو كان بإمكانهم أنْ يَحصلوا على تعزيزات .
(تساءل چازيت)؛ لماذا لَمْ تَقُم القيادة اليهودية ( الهاغاناه ) بإرسال النّجدة التي كانوا قد طَلبوها بإلحاح طِيلِة الأيام الثلاثة الماضية ؟ .
لَمْ يَبْقَ لَدَيه إلا نحو سِتّون رَجُلاً – إنَّ ثُلْثَ قُوّاته قد سَقَطَتْ . إنَّ هُجوماً واحِداً آخر كان كفيلاً بأنْ يَجْعَلَ قُوَّاته بلا ذَخيرة ، ولا مَعنويات للمُقاومة أكثر .

(بينما كان مُطْرِقا في التّفكير ، وَرَدَ الى مَسامع چازيت كلمات يتبادلها شخصان )
< سَمِعَ كلمات بالعربية تقول :
يا جماعة ، تعالو “.
(ظَنَّ) أنَّ التعزيزات اليهودية قد وَصَلَتْ . كان اليهود يَعْمدون عادة الى استعمال عِباراتٍ عَرَبية عامِيّة . (اعتقد چازيت أنَّ تلك الكلمات كانت تصدر عن رقيبٍ عاملٍ في وِحْدَتِه)
لَكِنَّ صَوْتاً أجابه بالإنجليزية : “مَرْحباً ، يا أولاد “.
لا يَلْجَأ اليهود في أغلب الأحيان للتّخاطب مع بعضهم البعض بالإنجليزية .

(لكن)ومع تقدم چازيت نَحو الباب ، مَزَّقَ سُكونُ الليل في تلك اللحظة صوتُ صَلْيَةٍ من رَشّاش . لقد وَصَلَ في ذات الوقت الذي توَقَّفَ فيه ( إطلاق النّار ) . كان الرَّقيب قد رَمى ثلاثةُ رجالٍ كانوا على بعد نحو عشرة ياردات منه بنيران رَشّاشه . أَحَدهم سَقَطَ صَريعاً على الأرض ؛ أمّا الإثنان الآخران فقد كان يَستطيع سَماع حَرَكَتهم وهم يَفِرُّون من المَكان في ظُلْمَة الليل.
” عِندما تكلموا بالإنجليزية ، عَرِفتُ أنّهم عَرَباً “، قال الرقيب وهو يَلهَث.
رأى “چازيت” أنَّ أُؤلئك الرِّجال كانوا يَعتقدون أنَّ تلك المَنطقة هِيَ في أيدي العَرَب( الفلسطينيين ) ، وأن التحية ( الرقيب ) بلهجة عربية قد أتت من بريطانيين أصدقاء ( للفلسطينيين العرب) هاربين من الجندية( ويقاتلون معهم ) .
بعد ذلك ، قام الرقيب وآخرون عديدون بفحص جِسْم الضحية العربي ذو الشَّارِب الكَثيف ، وأخرَجوا من سترته الجلدية قُرآن وبَعْض الأوراق والتي كانت تَدُل على أنّه ضابط عالي الرُّتْبة . كان إسمه : “عبد القادر سليم” مَخطوطاً على رُخْصِة سِواقة مَصْرِيّة .

هاتفَ “چازيت” القِيادَة في القُدْس قائلاً : ” لقد قَتَلنا سَمَكَة دَسِمَة . الإسم هو عبد القادر سليم ، أُعيد سليم ….” ( كان يسعى للتأكيد أنَّ الرَّجُل ليس عبد القادر الحُسيني ).
وأرْدَفَ قائلاً:
“لقد هَزَمنا العَدُو، ولكنْ، عَلَيَّ أنْ أُشَدِّد أنَّ ذلك ليس إلا نَصْراً مُؤقتاً فقط . نحن نَحتاج للنَّجدة بسُرْعة “.

وفي السّاعة السّابعة والنِّصف صَباحاً ، وَصلَ “عوزي ناركيز” مع ثلاثة عَرَبات مُصَفَّحة مُحَمَّلة بـ(٦٠،٠٠) صَلْية من الذّخيرة .
” هذا ما تُريدَه ” ، خاطَبَ ناركيز چازيت وهو يَدْخُل الى مَقَر ِّقيادَته .
ثُمَّ خَرَجَا يَتمَشّيا خارج المَقَرِّ ، وأخذَ “ناركيز” يُحَدِّقُ بجُثمانِ العَرَبي (الفلسطيني)والذي كان مُسْتَلقِيّاً على وَجْهِه.
” هل يُمكنني الآن أن أَطَّلِع على الأوراق التي وَجَدْتها مع هذا العَرَبي ( الفلسطيني)؟ “، خاطب “ناركيز” “چازيت”.
رفض “چازيت” بادىء ذي بدء تَسليمَه الاوراق قائلا بأنه سَيقوم بتسليمها للقائد المسؤول عنه في القدس ، لكنّه وافقَ في نهاية المطاف على تسليمها لـ”ناركيز” بعد مُجادلة حامية الوطيس بينهما.
أمرَ “ناركيز” رجاله سَحْب الجُثمان الى عَرَبَتِه المُصَفّحة ، لكن (وفي تلك اللحظة) عادَ إطلاق النار الى الإندلاع من جديد . عندها ، قَرَّر “ناركيز” أن يَتْركها في مكانها . (ثُمَّ) قَطَعَ وَعْداً لـ”چازيت” بأنْ يُرْسِل تعزيزات له مع حلول وقت الظّهيرة . بَعدها إفترقا ، وأَخذَ يَخْلط الأوراق التي بين يديه والتي ظَهَرَ له أنّها تَشْتَمل على صُوَرٍ لأربعة أطفال ورسالة تَقولُ كلماتها :
” إنّي أبتَهِل إلى الله أنْ يُؤازِرك بالنّصر والسّلام ،…”.


“ومَع مُرور ساعات الصَّباح ببُطىء ، كان “چازيت” ، برَأسِه المُضَمَّد ( نتيجة إصابته برصاصة طائِشة )، يَتَمَدّد على الأرض في مَقَرِّ قيادَته مع عَدَدٍ مِنْ رِجالِه ، ويَتَمزَّق من الالم . كان مُنْهَكُ القُوى لا يَقْوَ على الحركة ،وكان يَعُدُّ الدّقائق لوُصولِ التّعزيزات التي طلبها . كانوا في غاية التَّعَب الى دَرْجة أنَّ جنوده كانوا قد عَمدوا على توزيع الذخائر التي وَصَلتْ عَبّر وَضْعها في أكياس من الخَيْش ، (ورشقها ليتلاقفها جندي من آخر) . (وفجأة ، وهُم في ذلك الحال)، حَصَلتْ هَمْهَمة وأصوات غَيْر واضِحة وكأنها صَريرُ جَرادٍ قادِمٍ عن بُعْد ، ثُمَّ صَرَخات وصياح وأزيز رصاص .ثُمَّ صاح أحد أفراد مجموعات الرقابة بأعلى صوته قائلاً : ” إنّهُم يُهاجِمون ! هناك آلافٌ مِنهُم ، إنّهم يَأتونَ مِنْ كُلِّ صَوْب !”.
إنتفضَ “چازيتْ” من مكانه، وخَفَّ نحو جِهاز الإتصال ، وهاتفَ “قِيادة هاريل” الكائنة في القَرْية( المُستوطنة / المُسْتَعْمَرة ) القريبة “كريات آناڤيم” قائلاً : ” لقد قُلْتَ بأنّكَ قادِمٌ عِنْدَ الظُّهْر ، لكنَّ وَضْعَنا يائِس ! حاوِل أنْ تأتِ أبْكر “.
وجاءه الجَواب : ” إنّهم في الطّريق آليك “.
بَعْدَ نِصْفِ ساعَة ، كان العَرب( الفلسطينيون ) قد اقتربوا أكثر . هاتفَ “چازيت” (القِيادة) مَرّة أُخرى قائلاً :
” أينَ هِيَ التعزيزات ؟” .
وجاء الجواب : ” لدينا مُشْكِلَة مع العَرَبة المُصَفَّحة . إنّها في الطريق “.
ومع صَرَخاتْ الإنتقام التي كانت تُدَوّي عَبْر التّلال والصادرة عن نحو الفين من القرويين العرب (الفلاحين الفلسطينيين) والتي كانت تَصُمُّ أُذُنَي “چازيتْ” ، إعتَقَدَ أَنَّ( مَصير )الوِحْدة التي يقودها قد تَقَرَّر ومآله الإنتهاء.
كان رِجاله يُقاتلون مَعْرَكة الرَّمَق الأخير وذلك عندما تمكن ضابط من البالماخ من الزَّحف الى البيت المَقَر بعد تَسَلُّقٍ خَطِر للتَلّة .

قال “ناحوم أرئيلي”، قائد قوة التعزيزات ، (وكان في غاية الإجهاد) : ” لقد وَصَلنا للتَّو “.
” ما عددٌ الرِّجال الذين مَعَك ؟” ، سأل “چازيت” .
” إثنان آخران . الباقي أسفل التَلّة . لَمْ يَتمكنوا من الصُّعود . كان إطلاق النّار كثيفاً “.
” إنَّ على رِجالِك أنْ يُرْغِموا العَدُو على التّراجع “. قال “چازيت” .
” لا نَستطيع. ليس لدينا عدد كاف من الرجال “. أجاب “أرئيلي”.

وفي هذه اللحظة ، إنْدَفَعَ جُنْدِيٌ من جنود “أرئيلي” إلى داخل المَقَر وهو يَصرُخ : ” إنَّ العَرب( الفلسطينيين ) قد وَصَلوا هنا . إنّهم يُسيْطِرونَ على بيت المُختار “.
” ماذا تقترح الآن ؟” ، سأل “أرئيلي” “چازيت” ، وهو يُحاول إلتقاط نَفَسِه .
” أقترِح أنْ نَخرُج كُلّنا جَميعا مِنْ هُنا !، دَعونا نَبْدأ الكَرّ نحو أسْفَل التَلّة باتجاه عزرا “.
تَحَرّكَ اليهود( رجال الهاغاناه) بجسارة وسُرْعة يَحْمِلون جَرْحاهم ، واندفعوا الى خارج ( القَسْطَل ) باتجاه عزرا ، وهي مُسْتوطنة تَقَع أسْفَل التَلّة ، حيث كان عَدَدٌ من أعضاء قُوَّة البالماخ يَنْتظرون . ولكن ، ولدى تيقن “أرئيلي” أنَّ عَدَداً قليلاً (من أفراد تلك القُوّة) كان في حُكٍم المفقودين ، — لَمْ يَكُنْ يَدُرْ في خُلْدِه أنهم كانوا قد فَرّوا باتجاه جنوب شرق القسطل ، بمُحاذاة طريق آمنٍ للهُروبِ . — لقد خَرجَ يُحاول أنْ يَجِدَ أماكنهم ، ويَصيح أنّه سَيُقْفِل عائِداً .
إنتظرَ چازيت والآخرون “أرئيلي” أنْ يَعود .كان ذلك في الوقت الذي كانت النيران فيه تَشتدُّ أكثر وأكثر . لكن “أرئيلي” لَمْ يتمكن من العودة . وبَعْد عِدّة دَقائِق ، قال قائد الهاغاناه : ” لا نَسْتطيع الإنتظار أكثر ! تراجعوا الى عزرا “.
عِنْدها ، وَجَّه مُلازِمٌ مِن البالماخ مُسدَّسَه صَوْب رأس چازيت ، مُحَذِّرا : ” سأقتلكَ إذا لَمْ تَنْتَظِر “.
لكنَّ “چازيت”، وكان على يقين بأن قوة التعزيزات لم تكن تُدْرِك مدى خطورة الوضع، قال : ” إذهب للجحيم “. وأمَرَ رِجالَه باللحاق به.
مع فَرارهم ، وَجَّه ملازم البالماخ مُسَدَّسَه إلى الأسفل ، وأخذ يتمتم باللعنات .
وبعدَ دقائق قليلة ، وعلى أثر فَرار عدد آخر من المُدافعين ، قَرَّرتُ قُوِّة البالماخ التّراجع ايضاً ، هذا على الرغم مِنْ أنَّ “أرئيلي” لَمْ يَكُنْ قد عاد بعد .
أمّا قائد القُوّة “شمعون الفاسي” ، فقد أصْدَرَ الأمر بـ : “على جميع أفرادَ القوّة من الجنود التّراجع . وعلى جميع الضباط أنْ يَحموا ظُهورهم أثناء الإنسحاب “.
مع حلول الوقت الذي انسحبَ فيه الضباط ، كان العَرب ( الفلسطينيون ) عمليا قد أجهزوا عليهم . تَمكنَ قائدٌ واحدٌ من الإفلات بِنَفْسه عبر الإختباء بغابة في أسفل المُنْحَدَر. أمّا باقي الضباط العَشْرة من قادة الفصائل ، فَقَدَ قُتِلوا جميعاً . لقد انتظروا ناحوم أرئيلي طويلاً — والذي كان قد انتهى أمره بعد وقت قصير من الوقت الذي قضاه في البحث عن رجاله المفقودين “.


“كان بهجت ابو غَرْبِيّة يُكافح جاهداً في أعلى المُنْحَدَر الشمالي للقَسْطَل مع فرقة قليلة العدد من الرِّجال من أجل الإنضمام لرفاقه الذين كانوا قد نَجحوا في الاستيلاء على القرية ذاتها وذلك عندما لاحَظَ عِنْد الجناح الذي يتولى المسؤولية عنه، اليهود يُهَروِلون إلى أسفل التَلّة باتجاه حُرْج الأشجار . أمرَ أبو غربية رجاله بإطلاق النار ، وعَلَتْ على وَجْهه إبتسامة وهو يُراقب سُقوطهم ككُرات البولينچ ، وعلى الأخص أُؤلئك ممن كانوا في المَجموعة الأخيرة المُتراجعة . لو كان من الممكن أن يبلغوا الغابة / الحُرْش ، لكان من المؤكد أن يتمكنوا من الفرار .

تسلق أبو غَرْبِيّة هو ومُقاتليه التَلّة مُتّجهين الى (القَسْطَل) القَرْية ، والإنضمام الى جَمْع من رفاقهم الذين تَدفقوا إليها مِن كل الجهات . كان الرجال مُنتشين
ويهزجون ، يَحتضنوا بعضهم بعضاً ، ومنغمسين في جدال حول من قَتَلَ عدد أكبر من اليهود ( رجال الهاغاناه ) ، لَمّا ، صَرخَ أحدهم عالياً : ” لقد وجدناه ! عبد القادر ! …. إنه قتيل (إنّه شهيد) “.
تَوَقفَ (فجأة) جُنون ( نشوة النصر وتحرير القَسْطَل ). وانتشرت صَرْخة لسانُ حالها يقول : ” أينَ هُوَ ؟ أين هُوَ ؟ ، واندفع الرِّجال نحو البيت الذي كانت تشغله قِيادة الهاغاناه مَقَرّا لها . وهناك أمامه ، كان يَرْقد جُثمانُ رَجُلٍ بِسُتْرَةٍ من الجِِلْد . وأطبقَ صَمْتٌ رهيب على القَسْطَل في وَقتٍ انفجرَ فيه رجالُ القِتال الأشداء في بُكاءٍ حميم .
رَفعَ عَددٌ من الرِّجال الجُثمان ، وشَرَعوا في نَقْلِه الى أسْفَل المُنْحَدَر باتجاه الطريق الرئيس ، وتَبِعَتهم الجُموع.
تَمَلّكَ الذُّعْر بهجت أبو غَرْبيّة . تَوَسّلَ هو وقِلّة من القادة الآخرين إلى المُقاتلين للبقاء في أماكنهم .
جادلهم هو ورفاقه قائلين ؛ ” بَعْدَ كل هذا الدَّم الذي هُرِقَ ، لا نَستطيع أنْ نترك المَكان الآن !”.
لكن تَوَسُّلاتهم ذَهَبتُ أدراج الرياح ووقعت على آذان صم . لقد قاتل العرب ( الفلسطينيون ) مَعركة شَخصية شَرِسة — بهدف إدخال الحُبور لعبد القادر وحِمايَته . أما الآن ، فإنَّ بَطَلَهم قَتيل . (عدد كبير) قَرَّر مُرافقة الجُثمان إلى القُدْس والمُكوث هناك حتى انتهاء مَراسم الدَّفن . آخرون ، هاموا على رؤوسهم في كل اتجاه عائدين إلى قُراهم بعْدَ أن لَمْ يَعُدْ في أجوافهم جوع للمعركة .

أَقْلعَ بهجت عن مُحاولةٍ أُخرى (لثَنيِ المقاتلين عن قرارهم مرافقة جثمان قائدهم الى القُدس) . جَلسَ على صَخرة ، مُسْتَنْفَد القُوى ، وأخذ يُراقبُ شيئاً يذوي في مِئات الرِّجال — رجالٌ كانوا مثال الشجاعة والبأس عندما يقاتلون في سبيل الله ، لكِنّهم لا مُبالون عندما يقاتلون لاستعادة تَلّة. لقد كان مَذهولا ومصعوقاً كأي رجل آخر لرحيل عبد القادر ، ولكن أَلَم تَكُنْ هذه التَلّة هي التي استشهد عبد القادر لأجل استردادها والحفاظ عليها ؟
بَقي بهجت في مكانه للدفاع عن القَسْطَل مع مجموعةٍ من نحو خمسين مقاتلا” .


“لمّا عَلِمَ بأنَّ مُرْتفع القَسْطَل قد سَقَطَ بيد العرب ( الفلسطينيبن ) ، وَجّه رئيس أركان الهاغاناه “ييچال يادين” الأمر وبفظاظة، لوِحْداته عبر الهاتف من مَقَرِّ قيادته في تل أبيب قائلاً : ” يجب القيام بهُجوم مُعاكس حالاً لاسترداد القَسْطَل”.
التزمَ “يوسف تابنكين” ، قائد كتيبة البالماخ المُكَلَّفة بتنفيذ عملية ناحشون الصّمت . كانت عَينَيه تَرْقُبُ أؤلئك مِمَّن بَقِوا أحياء من هزيمة القَسْطَل وهم في حالة يُرثى لها ؛ بَعْضهم كان يَعْرُج ، وجميعهم مُنْهَك القُوى ، ومَدْمِيّون بعد أن لحئوا الى مقر قيادة فرقة هارِلْ بالقرب من ( مُستوطنة ) كريات آناڤيم.
جادل “يوسف” “يادين” قائلاً : ” لكن ، يا ييچال ، يَتوفر لدي فقط مَفْرزَة واحدة . الباقون قد تَبعثروا . كيف لرجال عَطْشى لَمْ يذوقوا منذ ثمان واربعين ساعة طَعْم النوم أن يهاجموا كل هؤلاء العرب( الفلسطينيبن في القَسْطَل ) في وَضْح النهار ؟. لقد أحصينا ألفا وستمائة منهم ، وربما يكون هناك عددٌ أكبر . يتعين علينا الإنتظار !”.
جاء رد “ييچال” حاسماً : ” هذا أَمْرٌ . عليكم إستعادة القَسْطَل فوراً !”
صَرخَ “تابنكين” : ” أنا لستُ ذاهِباً! “

لَمْ يتبادل أي منهما الكلام لثوانٍ . لكن صوتاً ثالثاً مَزَّقَ الصّمت : ” يوسفيل ، ماذا تُخطط القيام به ؟ “.
ميَّزَ “تابنكين” ، وهو رجل عَنيف مُنفعِل لا يَستسيغ أن يَتلقى أوامر من أيٍ كان ، حتى ولو من رُؤسائه ، صَوْت صديقه الحميم مُساعد يادين ، “مونداك باسترناك” . إعتبرَ َ”تابنكين “أنه الآن قد اسْتُشير ، أي أنّه لَمْ يُؤمر . مع ذلك ، بدأ يُحاضِر على “باسترناك” حول الحُمْق في سِياسات الهاغاناه السابقة ، والتي كما قال ، سَمَحَت للعَرَب ( الفلسطينيبن ) لضرب اليهود متمتعين بالحَصانة / الإفلات من العِقاب.
لقد استيقظَ “بن غوريون” وحاشيته الآن فقط على الخطر المُحيق. وأنه ومِن سُخرية الأقدار أن يَرى البالماخ نفسه وهو الذي كان دَوماً المُحَبّذ لاتخاذ مواقف (صلبة وعنيفة) ،أن هناك من يخبره الآن كَيف عليه أنْ يُهاجم .
أجاب “باسترناك” : ” لُطفاً ، يوسيفيل ، إترِك السِّياسة لوالدك !”. لقد كان والد يوسف ؛ “إسحق تابنكين” ، قد قطع علاقاته بـ”بن غوريون” منذ سنوات عديدة سابقة بعد نزاعٍ سياسيٍ مَرير.
” حَسَناً، ما هي خُطّتك ؟”، عاد “باسترناك” ليسأل .
أجاب “يوسف” “تابنكين” :
“سأنتظر صديقنا الليل . عندها ، سأقوم باسترداد القَسْطَل “.
تلك الليلة ، أخبرَ “تابنكين” ، والذي كانت تُحَفِّزه العواقب المُحتمَلة للإمتثال ، مَجموعة من رجاله المُتعَبين الذين تمكن من حَشدهم : ” ليس مطلوبا مِنكُم أنْ تقوموا بما لا تستطيعون ” .
تحركت القوة المهاجمة باتجاه القَسْطَل ، وبدأوا بتسلق التلّة ، تحت ستارٍ كثيفٍ من قَصْفٍ بقذائف المورتر. ….”


“كان بهجت أبو غَربِيّة يعلم أنَّ رجاله الخَمسون ، الذين كانوا بدون ماء أو طعام وبقدر محدود من الذخائر ، لا يَقوون على الصّمود طويلا. صَحيح أنَّ فوزي القاوقجي ، والذي كان يَعتقد أنه تمكن من إلحاق الهزيمة باليهود في ( مُستوطنة ) ميشمار هاميك ، قد أرسلَ بعض مدافع من عيار ٧٥ملم الى مَنطقة كانَتْ تحت الضغط من قبل الجيش العربي — بعد أن كان قد رفض تلبية طلب وَجَّهَه له عبد القادر بالراديو قَبْلَ مقتلة بوقت قصير ، لتزويده بالرجال والسلاح . كانت هذه المدافع تَصُبُّ الآن نيرانها على التجمعات اليهودية ، لكن تلك الإستجابة جاءت متأخرة كثيراً. كما أنَّ مفرزة من (٧٥) رجلاً أرسلها القاوقجي ” للإستعراض ” كانَتْ متوقفة في قرية عين كارم القريبة ، تَنتظر سُقوط القَسْطَل من جديد بيد اليهود. خونة !.
في صباح يوم ١٠ نيسان ، إنسحبَ بهجتْ ورجاله في نهاية المطاف من القَسْطَل الدامية ، متأملين أن يأتِ العون من الله .
أمّا بقية القوات العربية ( الفلسطينية ) في المنطقة ، فقد أُخْرِجَتْ من جَيْبٍ احتلته من المُستعمرة اليهودية موتزا ، ومن القُرى العربية الرئيسية ؛ قالونيا ، باب الواد، بيت محسير ، و ساريس .
في اليوم التالي لسقوط القَسْطَل ، كتب سَير هنري چيرني ، نائب المَندوب السّامي البريطاني في يومياته : ” لقد احتل اليهود الآن القَسْطَل ، وهم يُزَوِّدون قُوّات الهاچاناه فيها من خلال الجَو . طالما هم فيها ، فإنَّ هناك حظا قليلا للتّوصل الى اتفاق مع العرب يتعلق بالمرور الحر على الطريق . انها حركة يهودية نموذجية …. إنَّ عَليهم الآن أن يخرجوا من القَسْطَل قبل أن يكون بمُستطاعهم القيام بأي عمل آخر ، وسَيكون هناك كالمعتاد ذلك الضجيج والصُّراخ حول ذلك “.

لكن الضّجيج والصراخ الوحيدين جاء صداه في القدس عندما رَحّبَ يهود المدينة بشَغَف بثلاثة قوافل من المؤن نَجَحت بالمرور عبر الحَواجز المُتبقية وكَسْر الحِصار — وإنٌ كان إلى حين. “


هكذا فقدنا فلسطين .
شُعوبنا كانت جاهزة للنضال والدفاع عن ديارها ، ولكنَّ بلادنا كانت مَسلوبة الإرادة وغارقة في مُستنقع التخلف والتبعية والطغيان .

عبد الرحمن البيطار – عمان
١٦ نيسان ٢٠٢١