يَومية الاحد الموافق ٢٤ نيسان ٢٠٢٢
تعليق على مقال لميس اندوني : ” الدفاع عن الاقصى هو الدفاع عن كنيسة القيامة والقدس والدفاع عن فلسطين “.
نعم يا لميس . سلمت اليد التي كتبتِ بها مقالك .
يا لميس ؛ ما بين عامي ١٩٤٨ و١٩٦٧ ،… تم تغييب الفلسطينيين ، وتم إخفاء أي ممثل رسمي لهم ( الا في وقت متأخر منذ ايار ١٩٦٤) ،
بكل بساطة اختفت فلسطين في العام ١٩٤٨ من الخارطة ، ولم يعد هناك فلسطين او فلسطينيون ،
وخلال تلك الحقبة ( ما بين عامي ١٩٤٨ إلى ١٩٦٧ ، او بالاحرى الى منتصف عام ١٩٦٤ ) تُرِكَت دولة الكيان الصهيوني تسرح وتمرح لوحدها في فلسطين ( في ٧٨٪ من مساحة فلسطين ) ، وفي ساحة الاقليم ، وفي ساحات العالم ، بما سمح لها ان تتمكن وان تُمَكّن مشروع استيطانها بدون تحديات تذكر ، ودون وجود طرف فلسطيني( ممثل رسمي للفلسطينيين أي الشعب المنكوب ) أو اي طرف آخر ( عربي او خلافه ) يطالب بتطبيق قراري الشرعية الدولية ؛ ١٨١( تقسيم فلسطين واقامة ثلاثة كيانات على ارضها ) و ١٩٤ ( قرار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم واعادة املاكهم لهم ) .
وخلال هذه الفترة ( ١٩٤٨ – ١٩٦٧) ، استفردت دولة الكيان بالاقلية الفلسطينية ( نحو ١٥٠،٠٠٠ فلسطيني) التي نجحت بالبقاء في فلسطين في العام ١٩٤٨ ، بعد تنفيذها حملة التطهير العرقي للفلسطينيين من فلسطين والتي افضت الى طرد (٨٥٠) الف فلسطيني من الاراضي التي احتلتها في فلسطين ، وتكريس حبسهم في (٥٤) مخيم لُجوء ( غيتوات ) تم اقامتها في البلدان العربية المحيطة بفلسطين وفي الضفة وقطاع غزة ، وتُركت خلال تلك الفترة تُمَكّن نفسها واحتلالها لـ ٧٨٪من ارض فلسطين، وأيضاً بدون تحديات تُذكَر لا من الشعب المنكوب ، ولا من الدول العربية المحيطة بفلسطين .
لميس
سيكتب التاريخ ان عدوان / حرب حزيران ١٩٦٧ من قبل دولة الكيان الصهيوني والذي ادى الى احتلال باقي فلسطين ، قد انهى عزلة الاقلية الفلسطينية داخل الاراضي التي احتلتها في العام ١٩٤٨ ، واعاد اللحمة والاحساس بالهوية الفلسطينية العربية الجَمْعيّة لكتل الفلسطينيين البشرية في الضفة والقطاع واراضي ١٩٤٨ .
نعم ، سيكتب التاريخ ان عدوان حزيران ١٩٦٧ قد انهى الى الابد عُزلة فلسطينيي الضفة ( الذين استردوا هويتهم الفلسطينية التي سعت دولة الكيان الصهيوني الى تكريس غيابها منذ العام ١٩٤٨) عن فلسطينيي القطاع عن فلسطينيي فلسطين التي تم احتلالها في العام ١٩٤٨.
اما فلسطينيوا الشتات ، يا لميس ، فقد وجدوا انفسهم بعد هزيمة الجيوش والانظمة العربية في حزيران ١٩٦٧ امام مهمة إنهاء حقبة الإخفاء والتغييب ، عبر العودة الى رفع رايات النضال والتحرير ، والانتقال من حالة الكمون ، والانتظار ، وتقييد الحركة ( التي استمرت ما بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٦٤ / ١٩٦٧) ، الى حالة الثورة والنهوض في بلدان الشتات واللجوء ، والاشتباك مع العدو الصهيوني المحتل لكل فلسطين عبر كامل خطوط وقف اطلاق النار . وفي ثورتهم تلك ، فقد ساندتهم يا لميس كل الشعوب العربية ، وعلى الاخص في البلدان المحيطة بفلسطين ، وساندهم كذلك كل احرار العالم .
نعم ، يا لميس ، عاد فلسطينيوا الشتات الى واجهة الاحداث . عادوا واحيوا الهوية الوطنية الفلسطينية من جديد ،وضخوا الحياة في اوصال منظمة التحرير الفلسطينية التي شكلتها قمة الانظمة العربية الرسمية . نجح الفلسطينيون خلال سبع سنوات من عدوان حزيران ١٩٦٧ من انتزاع حق تمثيل انفسهم بأنفسهم ، وانتزعوا كذلك اعتراف العالم بهم كشعب ، وعادو للاشتباك مع الكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الذي تسبب ، بمعاونة الغرب الاستعماري ، وغيرهم ، بنكبتهم في العام ١٩٤٨ ، ثم استكمالها في العام ١٩٦٧ .
لميس
بعد ان نجحت دولة الكيان الصهيوني من إبعاد منظمة التحرير وفصائلها عن خطوط وقف اطلاق النار في العامين ١٩٧٠ ( من خطوط المواجهة في الاردن ) و ١٩٨٢ ( من خطوط المواجهة في لبنان ) ،..نجح فلسطينيوا الداخل الفلسطيني في العام ١٩٨٨ من اعادة فلسطين الى مسرح الصراع في فلسطين والى الساحة العربية والعالمية من جديد ، ولكن هذه المرة عبر انتفاضة فلسطينيي الضفة والقطاع (الانتفاضة الفلسطينية الاولى) . نعم ، تمكن فلسطينيوا الداخل الفلسطيني في العام ١٩٨٨ من نقل مركز الثقل في القرار والعمل الوطني الفلسطيني وفي عملية الاشتباك مع المشروع الصهيوني من خارج فلسطين الى داخل فلسطين.
لميس
في ساحات فلسطين كلها ، تدور اليوم معركة الفلسطينيين ،.. وقد أدركوا الآن وعلى نحو قاطع و تام ، ان عليهم ان يعتمدوا على انفسهم ، اولا وثانيا وثالثا ، وقبل كل شيء ،…
لميس
نعم ، اقول تَعلَّم الفلسطينيون ان يُتقنوا وأن يتفننوا في تطوير تقنيات وآليات الاعتماد على الذات . وأدركوا أن هذا الخيار هو الكفيل بأن يوصلهم الى حقوقهم ، وان الركون على الغير فقط في تدبير حل لقضيتهم من شأنه فقط ان يؤبد نكبتهم .
هذا لا يعني ان السعي لاستحواذ الدعم من الخارج العربي القريب او البعيد ليس مهما او ضروريا ،.. لا ،.. هو لا يعني ذلك ، ولكنه يعني انه بالاعتماد على الذات ودعم الحلفاء الحقيقيين والصادقين من الخارج ، يمكن فقط مواجهة المشروع الصهيوني ودحره عبر تفكيكه من داخل فلسطين عبر تفجير كل تناقضاته وتعظيم كل التحديات امام هذا المشروع ، داخل فلسطين ، وخارجه .
وفي اعتقادي ، فقد ادرك الفلسطينيون ، يا لميس ، ان تأجيج الصراع باشكاله المختلفة داخل فلسطين كفيل بإحداث تفاعلات ديناميكية ، داخل فلسطين وخارجها ؛ في اجسام الشعوب العربية ، وفي صلب مُجتمعات و شعوب دول الاقليم ، وفي الرأي العام العالمي وكذلك في اوساط يهود فلسطين ويهود العالم . نعم ، في اعتقادي ، ان الفلسطينيون يدركون اليوم اكثر من اي وقت مضى ، ان نجاحهم في دحر المشروع الصهيوني في فلسطين عبر انهاكه وتفكيكه ، يتطلب بلورة وتطوير استراتيجية نضال مختلفة عما هو سائد الآن ، ويتطلب كذلك تبني خطاب فلسطيني وطني نضالي تحرري انساني مختلف ؛ خطاب يوحد الفلسطينيين ، او يوجه نضالهم باتجاهات غير متضاربة ، ويُعظم ويُعمق في ذات الوقت التناقضات في جسم المجتمع الصهيوني داخل فلسطين ، ( المثقل بالتناقضات ) وفي اوساط يهود العالم .
نعم ، يا لميس ، اقول: بلورة وتبني خطاب واستراتيجية نضالية تفتح امام اليهود اللاصهيونيين او المناهضين للصهيونية او المستعدون للانفكاك عنها والاشتراك مع شعبنا في تحرير فلسطين والفلسطينيين ويهود فلسطين والعالم من شرور الصهيونية العنصرية والآثار البغيضة التي خلقها هذا المشروع لكل هؤلاء الذين يعيشون في فلسطين ، وفي خارج فلسطين وكذلك لشعوب بلداننا العربية التي اكتوت بنيران هذا المشروع الصهيوني الفاشي العنصري ، وفي بناء مجتمع ديمقراطي في فلسطين ديمقراطية لا تمييز فيها ،ولا عنصرية ولا فاشية .
لميس
في فلسطين الآن ، كيان صهيوني يكافح من اجل ابقاء يهود فلسطين ( وعددهم نحو ٦،٧ مليون ) ملتفون حول مشروعه الصهيوني عبر استرضاءهم واغرائهم بكل الطرق ، وهو الكيان ذاته الذي يتفنن في اضطهاد الفلسطينيين العرب في فلسطين ( وعددهم نحو ٦،٧ مليون ايضا) وفي تأبيد حرمان نحو ( ٦،٧) مليون فلسطيني اخر يعيشون في بلدان الشتات حول فلسطين ، وفِي العالم كله ، من حق العودة واستعادة الاملاك . هذا الكيان العنصري الفاشي هو بالتحديد ما نجحت الصهيونية العنصرية الفاشية من تحقيقه في فلسطين بعد ١٢٥ عاما من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بال في سويسرا في العام ١٨٩٧.
هذه هي متلازمة الصراع الدائرة الآن في فلسطين .
ما نجحت الصهيونية في تحقيقه في فلسطين بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٦٧ ، افشلته حربها في حزيران ١٩٦٧ بسبب نهمها وطمعها الاستعماري الاستيطاني الذي لا حدود له ، وأفشله يقظة المارد الفلسطيني ، وعودته الى ساحة الصراع على ارض فلسطين ذاتها ؛ كل فلسطين ، من البحر الى النهر ، وفي كل ساحات العالم ايضا حيث يتواجد فلسطيني واحد او حر واحد من احرار العالم .
المشروع الصهيوني في مأزق ، وهو مشروع لا افق له ، وستقوده قيادته اليمينية الدينية الصهيونية الفاشية والعنصرية الى حتفه المحتوم .
عبد الرحمن البيطار
عمان ٢٤ نيسان ٢٠٢٢