يوم السبت الموافق ٢١ نيسان ٢٠١٨
” حيفا ” أُم موانىء فلسطين ،… ساحرة البحر المتوسط ، ملاك الشاطىء الفلسطيني ،…!
كُلّما حاولتُ أنْ أعودَ للكتابة عَنْ حكايةِ نَكْبتها ،… يَدْمى قَلبي ،… تَدْمَعُ عيناي ،… وأشعرُ أنَّ نَكْبتنا الكُبرى في العام ١٩٤٨ تَكَرَّسَت لمّا سَقَطَت حيفا صريعةً حملة الغدر والتطهير العرقي الصهيونية ،…!
نيسان ١٩٤٨ ،… لا يُنسى على الإطلاق ،
في ذلك الشهر ، نَسِيَ الربيع فلسطين ،… لم تُزهر أشجاره، لم تَتَفَتّح زهوره ،.. لم تَهُبُّ نسائمه ،… لم تستيقظ الفصول ،…!
تَجَمَّد الزمن ،…!
تَوَقَّفت عَقارِب الساعات في ميناء حيفا ، وفِي محطةِ القطارات كذلك ،…!
لَمْ تَعُد عقارب ساعات أهل حيف تلتقي أبداً ،… !
ولم يَعُد الناس يلتقون هُناك ، وبَقِيَت السُّفُن في أماكنها ،… أطلقت صُفّاراتها حزناً عَلَيْكِ يا حيفا …!
ماذا فعلَ هؤلاء الغُرباء في حيفا،…!
كيف تَمَكّنوا من اغتيالها ،…!
نعم ، عَقاربُ صهيون أبْدعَت في النَّاسِ لَسعاً ،
فارَتْ كلّ سموم العنصرية الصهيونية في نيسان …! تحول النحل الى دبابير ،… !
غَرِقَت حيفا في ربيعَ ذلك العام في بحرٍ من دمٍ فلسطينيٍ قانٍ حار ،…!
تَلَفَّتَت حولها ذات اليمين ، وذات الشمال ،…!
لم تجد الا دماراً وخراباً ودماء …!
تَحَلَّقَت عيناها إلى السّماء ،…! تَوَسَّلَت ،… تَضَرَّعَت ،…لعلها تُنْزِلُ مَطراً يَغْسِل أرضها من أدرانِ كراهية عنصرية صهيونية سوداء …!
لَمْ يَسْتجب أحداً ،..!
بَقِيَتْ مع إحباطاتها ، وحيدةً ، أسيرةَ الخوفِ والإرهاب ،..
كيفَ تحَوّلَ هؤلاء الذين كان ميناءها يستقبلهم بين يومٍ وآخر ،مُهاجرينَ الى رُبوعها ،… كيف تحولوا الى جَزَّارين ،.. الى قَتَلَة ،…إلى ” حراميِّة ” ،… الى لا بَشَر ،….!
كيف تَبَخَّرَت الإنسانية ، ونَسَِي المُضْطَهَدون ما تعرضوا له من إضْطِهاداتٍ في اوروبا ، وحَوَّلوا معاناتهم الى دروسٍ في ممارسة فنون أساليب القتلِ والقهرِ والتعذيب والتطهير العِرْقي ،…! ،
وضِدَ مَنْ …؟ !
ضِدَ من استقبلهم على أرضه وَإِنْ على مَضَض ، وضِدَ مَنْ مِنَ المُفْتَرَض أنْ يتعايشوا معه على الأَرْضِ ذاتها، ويتقاسموا معه لُقْمَة العيش من خَيرات أرضِ فلسطين الطيبة……!
لكنها شَعَرَت في نيسان ١٩٤٨ بالحِقْدِ لأولِ مَرَّة ،…! وهي لا يُعْرَفُ عنها أنها تَحْقِد على الإطلاق ،…!
فَمِنْ مِيناءها ، كانت تُبْحِرُ في ذلك الـ “نيسان” ،… سُّفُنٌ بريطانية تَنْقلُ على مَتْنِها الدَّبابات والمُصَفّحات والعَرَبات والمدافع والأسلحة والذخائر العسكرية ، مِمّا لَمْ تَرْغَب سُلْطات الإنتداب البريطاني أن تتركها هدية للإرهابيين الصهاينة فوق ما تركته طواعية لهم أو سَمَحَت لهم بِنَهبه ،…
كان سُكّانها يْحملقون في عيون الجنود والضباط البريطانيون الذين تَرَكُوا أهل البلاد في ذلك الـ” نيسان ” الى مصيرهم الأسود ، ليَفْتِك بهم إرهابيوا الهاچاناه والشتيرن ، والإرغون ،…بعد أن أنْجَزوا مُهِمّة الإمعان، خلال ثلاثين عاما خَلَت ، في مُلاحَقتهم وإضْطِهادَهم ، كُلما رغبوا أن يَصُدّوا عن أَنْفُسِهم مَخاطِرَ العنصرية والهمجية الصهيونية التي كانوا يَرونَها ، فلا يَجِدوا حَوْلهم مَنْ مِنَ المفترض أن يحميهم ويحمي “حقوقهم المدنية والدينية”
ومَنْ تَعَهَّد والتزم أمام نفسه وأمام العالم أجمع بتلك المُهِمّة ،…!
نعم ، شعروا بحقدٍ لا مثيل له ، وهم الذين لا يحقدون،..! فهؤلاء الضباط والجنود ، يعودون هذه المرّةِ الى بلادهم ليُخْبِروا مَلِكَتَهم وحكومتهم وساستهم في أحزاب المحافظين والعمال والأحرار بأن المُهِمّة التي تنطَّعوا بها وأوكلت لهم منذ ثلاثين عاما قد أُنْجِزَت بالكامل Mission Accomplished ،…وأن انتدابهم لفلسطين ، قد نجح في تعليم سكان البلاد كيف يحكمون أنفسهم بأنفسهم بديمقراطية ، وكيف يقيمون العدل في البلاد ، وكيف يسود القانون بلا محاباة على الجميع بلا تمييز ، وبمساواة ،…!
يا لعارِ بريطانية الإستعمارية ، وَيَا لبؤس المهمة القذرة التي تنطعت بها ،…!
لم يلقَ أهل البلاد منهم الا الملاحقة والسجن ، والإضطهاد ، والشَّنْق لِمَن تَمَكّّن مِنَ الإفلات من القتل ،..!
لقد أُنجِزَت المُهِمّة ، وتَكَلَّلَت في الفصل الأخير من تواجدهم على أرض فلسطين في السَّماح للمهاجرين الصهاينة الذين اسْتَقْدَمَتهم أو سّمَحَتْ باسْتِقدامهم من كل مكان في اوروبا مِنْ أنْ يُمارسوا أبشع أشكال الإبادة والتطهير العِرْقي ضد شعبٍ جَرَّدته من كل سلاحٍ ممكن ، وتركته لأقداره أمام آلة الفتك والإرهاب والقتل الصهيونية …!
كيف يشعر هؤلاء بعد سبعين عاماً من إغراقِ شعبٍ بكامله في بحور التشرد ، والمعاناة ، والضياع ، والجوع ، والحصار ، …!
كيف لعيونهم أن تغمض أجفانها وقد ارتكبوا ما ارتكبوه من جرائم …!
أما مثقفوا فلسطين واحرار العرب، واحرار اليهود ، واحرار العالم ،… فإن مهمتهم تكمن هنا ؛ … في ايقاظ الضمير الإنساني ، في تحريك المياه الراكدة ،.. في نبش ماضي هؤلاء العنصري السادي الفاشي ،… في إبقاء الذاكرة متقدة ،… في منع النسيان من الطغيان ،…
تلك هي مهمتنا وهي أقل ما نقوم به في خدمة الشعب الفلسطيني المضطهد ، والإنسانية المعذبة ، وفِي تحرير يهود دولة الكيان الصهيوني ويهود العالم والبشرية جمعاء من شرور الوحش الصهيوني العنصري الكاسر ،…!
بعد هذه المقدمة ، دعونا نبدأ نحكي قصة ” حيفا ” المريرة …!
في مثل هذا اليوم بالتحديد قبل سبعين عاماً بالتمام والكمال ، بدأت القوات البريطانية في اخلاء القطاع السكني من مدينة حيفا فجأة بلا سابق إنذار .
كان اليوم يوم أربعاء ، والتاريخ هو الحادي والعشرين من نيسان الأسود .
يقول بني موريس في كتابه ” طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين ” انه ما بين كانون اول ونيسان ١٩٤٨، جرى إخلاء تدريجي ( السكان ) شَمَلَ ما بين (٢٠،٠٠٠ و ٣٠،٠٠٠) من سكان مدينة حيفا، وان ذلك أدى الى إضعاف معنويات السكان العرب الباقين في المدينة والذين يقدر عددهم ما بين (٤٠،٠٠٠ و ٥٠،٠٠٠) “.
في نيسان ١٩٤٨، كانت القوات البريطانية في القطاع الشمالي الذي يشمل مدينة حيفا تحت قيادة الجنرال ” ستوكويل “.
يقول الدكتور مايكل .ب في كتابه ” الأسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية ” انه مع تزايد القتال في حيفا ، قرر الجنرال ‘ ستوكويل ‘ في ١٨ نيسان ١٩٤٨ نقل القوات البريطانية “من المنطقة السكنية والتجارية في المدينة وتركيز جنوده في الميناء الذي كان مخصصا في الأساس لإجلاء البريطانيين من فلسطين “
ويقول ، أنه في حيفا ” كان واضحا ان اليهود أقوى من العرب. إضافة الى ذلك ، فإن حيفا كانت مخصصة للدولة اليهودية ” في قرار التقسيم ، ولذلك ، ” أبلغ الجنرال “ستوكويل” زعماء الطائفة اليهودية عن نيته في إخلاء معظم المدينة ، ولكنه لم يُعط العرب أي إشعار مسبق عن ذلك “.
ويقول أيضا انه ” وكما توقع الجنرال البريطاني ، فإنه حالما غادرت قواته المواقع الإسترتيجية الهامة في حيفا ، كانت قوات الهاچاناه مستعدة لاحتلال هذه النقاط القوية . “
تلازمت عملية إعادة تموضع القوات في حيفا مع تنفيذ البريطانيين في ذات الوقت انسحابا لقواتهم من طبريا ، وقد مهّدَ هذا الأمر لقوات الهاچاناه كي تهاجم طبرية وكذلك صفد .
أما بني موريس فيقول في كتابه ” طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين ” انه وفي بعد ظُهر يوم ١٩ نيسان ، جاء آبا حوشي ( شنلر ) زعيم الهستدروت ومباي في حيفا الى قائد القطاع الشمالي البريطاني ( ستوكويل ) لكي يعرف منه الموقف المتوقع الذي قد يتخذه البريطانيون في حال قيام الهاچاناه بهجوم مخطط له ضد عرب حيفا .
ويقول بأن الجنرال ستوكويل رد على حوشي بقوله :
” إن هجوماً يهوديا كبيراً سيكون عملاً غير ذكي “.
وفي إشارة له الى نفس الاجتماع المنعقد في ١٩ نيسان ، أكٌَدَ بني موريس في كتابه المشار اليه اعلاه أن ” ستوكويل قد أُدرك أنَّ ” هجوماً يهودياً واسع النطاق على حيفا على وشك التنفيذ ” . لذا فقد قرر إصدار أمر الى قواته التي كانت مُرابِطة كحاجز بين اليهود والعرب في المدينة بالإنسحاب مع ” الضوء الاول من يوم ٢١ نيسان ” .
ويقول بأنَّ إطلاق النار المتبادل بين العرب واليهود في المدينة بدأ فور انسحاب القوات البريطانية من مواقعها ، وان اليهود والعرب سعوا للسيطرة على المواقع التي أخلاها البريطانيون .
وفي ذات الوقت الذي كانت الهاچاناه تُنهي فيه التحضيرات للهجوم على حيفا ، كانت قوات الجهاد المقدس تحاول في يوم ٢٠ نيسان إغلاق الطريق الممتد من الساحل الفلسطيني والمؤدي الى الأحياء العربية في القدس ، وقد نَشَبَت معركة ضارية للتصدي لقافلة كبرى للهاچاناه كانت تمر بالقرب من قرية ‘ دير أيوب ‘ غربي القدس .
ولما حلَّ يوم الحادي والعشرين من نسيان ، يقول بني موريس ان الجنرال ستوكويل” استدعى اليه وجهاء عرب وآخرين يهوداً من المدينة ، وأبلغهم بأمر الإنسحاب البريطاني ، وان قوات الأمن البريطانية لن تتدخل من الآن فصاعداً ،”ولا بأي شكل كان” في الاشتباكات بين الطرفين .
أما الدكتور ب. مايكل ، فيصف في كتابه ” الأسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية الأحداث الاولى للهجوم الصهيوني على حيفا ويقول ” ان الجنود الصهاينة قاموا في يوم ٢١ نيسان بطرد ” أخوات ( راهبات ) القديسة حِنَّة في حيفا بإطلاق الرصاص والقنابل اليدوية على باب بيتهن ، وبعد ذلك بعدة ايام ، أُبلغ الڤاتيكان عن طرد اخوات ( راهبات ) القديس شارل من مستشفاها بحيفا ” ويضيف قائلا بأن الكاثوليك قد اغتاظوا ” من أن العديد من التحف الدينية قد غُطِّيَ بالقاذورات ( الغائط ) ” وأنهى كلامه بالقول أنه ” وفي حالة هوسبيس تراسانطة في حيفا ،(فقد) وُضِعَت إشارة كراهية محددة …”.
أما بني موريس ، فقد وصف في كتابه المذكور آنفاً أحداث الساعات الاولى من يوم الأربعاء الموافق ٢١ نيسان ويقول : ” انه وبعد الانسحاب المفاجئ للقوات البريطانية من الخطوط الفاصلة بين العرب واليهود ، قَرَّرَت الهاچاناه بدء تنفيذ الهجوم على حيفا من عدة اتجاهات في آن واحد للسيطرة على ” حيفا التحتا “. وقامت في ضوء ذلك وحدة من اللواء اليهودي بالهجوم على مبنى ” لجنة الأقاليم العربية الشرقية ” ( بيت نجادا ) الذي كان مسيطراً على جسر روشيمة . وتلى ذلك قصف كثيف بقنابل الهاون الامر الذي أدى الى انهيار القوة العربية في المدينة وبدأ سكان المنطقة يفرون باتجاه وادي الصليب ومنطقة المدينة التحتا .
ويقول ، بأنه في نفس الوقت ، صدرت الأوامر الى الكتيبة / ٢٢ من لواء ” كرملي ” بقتل كل عربي يشاهدونه ، وإشعال النار بواسطة القنابل المحرقة في كل شيء قابل للإشتعال، وتوزيع منشورات باللغة العربية تدعو العرب الى الاستسلام وعدم المقاومة .
تلك كانت أحداث اليوم الاول من الهجوم على حيفا ، أي أحداث يوم الأربعاء الأسود والتي حصلت كما ذَكَرْتُ قَبْلَ قليل قَبْلَ سبعين عاماً تماماً .
وللحديث بقية .