يوم الأحد الموافق ٢٢ نيسان ٢٠١٨
أيام حارّة في هايدبيرغ .
الناس تخرج من بيوتها ، لا بل ومن ملابسها في استقبال حرارة أشعة الشمس ، وتفترش الأرض على ضفة النهر الساحر ، في رَدّةِ فِعلٍ على شتاء كان بارداً ، كما يقول أهل المدينة ،…!
كان مِشْوارنا مساء يوم أمس على الضّفة الأخرى من النهر ،
وهناك ، كان للنهر شط عريض ، وكانت ملكة جمال الطبيعة تتربع على عرش تُحيط به أشجار باسقة تتدلى عروقها الباكية باستسلام نحو أرض الشاطىء ، وتهيج رؤوس أشجارها الأخرى بورود ليلكية اللون ، تُزَيِّن فروعها الناهضة الى السماء في كل الإتجاهات…!
كُنّا نتحدث يوم أمس عن أحداث الحادي والعشرين من نيسان . وقد لاحظت هذا الصباح أن السيِّدة روان الضامن قد كتبت على صفحتها في الفيسبوك كلمات تقول ؛ “في مثل هذا اليوم ٢١ ابريل انسحب البريطانيون تماما من مدينة ‘حيفا’. ماذا حدث بعد ذلك؟ شاهد دقيقتين من سلسلة النكبة” ،
وأرفقت مع الملاحظة التي كَتَبَتها فيلماً مُدَّتَه دقيقتين سّجَّل شيئاً مُعَبِّراً عن أحداث ذلك اليوم .
أما الصديقة ” الحيفاوية ” حنان تركي/ سالم ، والتي حَرَمها صهاينة التطهير العِرْقي أن تعيش يوماً واحداً في مدينتها حيفا ، والتي رَضِعَت حليب الحُب الحيفاوي وفُطِمَت على عِشقِها لتراب مدينتها وهواءها من أُمها الحيفاوية حتى الثَّمالة ‘ زُبَيدة ‘، عليها الرَّحمة، فقد كَتَبَت تقول :
” ‘وادي الصليب’ و ‘حارة الكنائس’ و ‘الهدار’ و ‘الحليصة’ و ‘ساحة الحناطير’ و ‘وادي النِسْناس’ و ‘الكَرْمِل’ و ‘الخَضِر’ و ‘العباس’ و ‘شارع الألمانية’ …..و ‘الجامع الصغير’ و ‘جامع الجرينه’ و ‘جامع الاستقلال’ …..
أحياء من حيفا في الذَّاكِرة المَوْروثة ، كانت تَنْعَم بالحياة الطبيعية الجميلة ،..بُيوتٌ بَلاطُها لوحات مزخرفة، وحيطانها لوحات فَنِّية، ألوانُ الدهان تتراوح بين الأخضر الفُسْتُقي والأزْرَق الفاتح والزَّهري، حديد الشبابيك ؛ يتفنن الحَدّاد في تشكيلِه وتَزْيينِه ، أثاثها خَشبٌ مَحْفور ، خَزائن مُمْتلئة بفناجين الشاي والقهوة المَرْسوم عليها صور روميو وجولييت ، شَراشف الأَسِّرة صَنَعَتها أيدي الفتيات قبل ان يَنْتقِلن الي بيوت الزوجية ، حتى مَقابِض الأبواب كانت على شكل يدٍ أو رأس ثعبان ، أو حَلَقه يَسهل طرق الباب فيها ، يتزاور الجيران ، … أو…. لتَستعير الجارَة مِن جارِتِها كاساً من الأَرُز لتُكَمِّل طَبْخَتها قَبْلَ أن يَعود الأولاد من المدرسة
، كل هذه الحياة ظَلَّت في حيفا، ولكن بلا حياة .”
وعند انبلاج أنوار صباح يوم الخميس ؛ يوم الثاني والعشرين من نيسان ١٩٤٨ ، كانت وجوه الناس من أهل حيفا تَنْطقُ خوفاً و ذُّعْراً وحُزناً وقلقاً، وتيهاً وضياعاً وحِيرةً وألَماً ووَجَعاً و بؤساً ، وهم يَلمُّون من شوارعها جثامين من سَقَطَ دفاعاً عن المدينة ، ….وَيَرْقُبون الغُزاةَ الصهاينة في عَرَباتهم بأبواقها الزاعِقة ، أو مُشاةً يختالون في شوارع المدينة ويغتصبون كل زقاقٍ من أَزِقَّتها بضحكاتهم وزعيقهم ،
وفِي الميناء ، كان يَتَكَدس الفارُّن إليه من سُكَّان المدينة ممن طُرِدوا من بيوتهم…. ، وهناك ، أخذوا يَرْقُبون أيضاً صفوف الجنود البريطانيين المنسحبين من المدينة والذين غَدَروا بأهلها وتركوهم لمصائرهم يواجهون غزاة المدينة بصدورهم العارية ؛
نَعَم ، كان الجنود هناك يَنتظرون نَقلهم الى السُّفن الراسية في الميناء وظُهورهم مُثْقَلَةٌ بأغراضهم في رحلةٍ باتجاهٍ واحد وبلا رَجْعة..! فلم تَعُد هناك حاجة لِرَجْعة بعد أنْ ” أَنْجَزَتْ حكومتهم المُهِمة ” ؛ مُهِمّة تهيئة فلسطين لإقامة الوطن القومي اليهودي فيها ، وبالتمام والكمال.
كانت قد تَشَكَّلت في المدينة لُجنة طوارىء أطْلَقَتْ على نفسها إسمَ ” لجنة الطوارىء العربية “. وكانت اللجنة لا زالتْ تأمل أن يعاود البريطانيون التدخل لمنع الجراد الصهيوني من التهام المدينة . وفِي هذا يقول بني موريس في كتابه ” طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين ” أنَّه ” وفي ساعات الصباح الباكِر من يوم ٢٢ نيسان ، كانَ الوضع العسكري مَحْسوماً لصالح قوات الهاچاناه ، عندما طلبت ‘ لجنة طوارئ عربية ‘ من ‘ ستوكويل ‘ القائد البريطاني، التدخل لوقف اليهود عن ذبح العرب في المدينة ” .
لكن الغزاة الصهاينة ، كانوا بالمرصاد لتلك المحاولات ، وفِي هذا يقول :
” إنَّ قَصْف مدافع الهاون ( مدافع الهاون /٣) على الأحياء العربية صباح يوم ٢٢ نيسان أدّى الى تحطيم الروح المعنوية في وَسَط السكان العرب وكسرِ مقاومتهم بسرعة ” ويُضيف قائلاً :
” صَدَرَ أمرٌ بِقَصفِ ساحةِ السوق (….)
في تلك السّاعة كانتْ جماهيرُ غَفيرة تتجمع في الساحة (…..)،
وعندما بدأَ القَصْف ، ذُعِرَ الجميع ، وبَدَأتْ الجماهير تَنْدَفع نحو الميناء (….) ،
هَجَموا على الزَّوَارق ، وبَدأوا يهربون من المدينة “.
أما البريطانيون، وكما يقول بني موريس ، فقد وصفوا أحداث يوم ٢٢ نيسان في حيفا على النحو التالي :
” طِيلةِ صباح اليوم (٢٢نيسان)،، قَصَفت قوات الهاچاناه ، بصورة متواصلة الجماهير العربية التي كانت تتحرك في وادي النِسّناس ، والبلدة القديمة. وشَمَلتْ اطلاق النار، الرِماية بدون تمييز من الرشاشات على النِّساء والأولاد الذين حاولوا الخروج من حيفا عبر البوابات المؤدية الى الأرصفة (….) بجانب الباب الشرقي للميناء،
تَجَمَّعَت جماهير غفيرة من العرب نِساء وأطفالاً وشيوخا ، في حالة من الهستيريا والذعر ، وفتح اليهود النار عليهم بدون رحمة”.
ويقول :
” في المَوجة الاولى للهِجْرة العربية من حيفا في يومي ٢١ و ٢٢ نيسان ، هَربَ حوالي (١٥،٠٠٠) عربي ، وقد أبحرَ مُعْظَم هؤلاء المهاجرين بواسطة زَوارق من الميناء الى عَكَّا ولبنان ” وذلك قبل ” أن تُنهي لُجنة الطوارئ العربية اجتماعاتها مع اليهود في مبنى البلدية”.
أما الدكتور ب. مايكل في كتابه ” الأسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية “، فيقدم وصفاً حَيَّاً لما حصل في ذلك اليوم ، فيقول :
” أنَّ الوُجَهاء العرب في حيفا كوَّنوا لجنة أسموها ” لجنة الطوارئ العربية ” ، وأن اللجنة قابلت الجنرال ” ستوكويل ” وأنَّ الوفد الذي اشتملَ على المحامي ” إلياس كوسا ” والمصرفي ” فريد السعد ” ورجل الاعمال ” فكتور خياط ” قَدَّم مُذَكَّرة الى الجنرال البريطاني تحتج فيها على قيامه بسحب ” قواته من معظم المدينة ( في ٢١ نيسان) ، وأن ذلك ” كان انتهاكاً صريحاً للسياسة المعلنة للحكومة البريطانية بأن تكون مسؤولة عن الحفاظ على النظام والسلام ” ، وأنَّ الوفد طَلَبَ من الجنرال البريطاني ” أن يَصُدَّ هجوم الهاچاناه أو على الأقل أنْ يَسمحَ بدخول النَّجدات العربية الى المدينة “.
ويستطرد قائلاً ، بأن الجنرال ” ستوكويل ” وقف موقفاً حازماً ، وقال :
” في سَبِيلِ الإنسانية ، أصدرتُ أوامري بعدمِ السّماح لأية نَجْدات بدخولِ المدينة “
وخاطب الوفد العربي الذي التقاه قائلاً :
” لستُ مُسْتَعِداً للتَّضحية بأرواحِ الجنود البريطانيين في هذا الموقف . واقتراحي الوحيد ( لكم) أن تَبدأوا مفاوضات مع اليهود( في حيفا) من أجل هُدْنة “.
ويُضيفُ قائِلاً بأنَّ الوفدَ بعد أن اقتنعَ ” بعدم وجود بديل ” ، فقد طَلَب من الجنرال البريطاني ” أن يطَّلعوا على الشروط اليهودية “.
فقرأ لهم الجنرال ” ستوكويل ” الشروط ببطء :
• “…. سيطرة تامة للهاچاناه على حيفا ، و
• تسليم جميع الأسلحة ، و
• إعلان منع تجول فوري في الأقسام العربية من المدينة”
ونَقلَ لهم ” ستوكويل أنَّ الهاچاناه وَعَدت بأنْ يَتَمتع الفلسطينيون ، بحقوق متساوية تحت الحكم اليهودي “.
ويقول الدكتور مايكل أنٌَ الوفد غادر بعد سَماع الشروط ، وأنّه وافقَ على طَلبِ الجنرال ستوكويل بعقد اجتماع مع ” وفد من اليهود في بلدية المدينة في السّاعة الرابعة بعد الظهر “.
ويضيف، بأنَّ إلياس كوسا عضو الوفد ، تَوَجَّه بعد الاجتماع الى القُنْصُلية السورية ، وأنَّه أرسل منها برقيات الى دمشق ” تَصِفُ فَرار السُّكان العرب من حيفا وشُروط الهُدنة اليهودية ” ، وأنّه ” رغم الطلبات المتكررة للتعليمات( من القيادة العربية هناك ) ، فإنَّ إلياس كوسا لم يتلق جواباً “.
ويقول ، بأنَّ الوفد دَخَلَ دار البلدية في الساعة الرابعة، والتقى بالوفد اليهودي الذي كان يرأسه ” شبتاي ليڤي ” رئيس بلدية حيفا ، ويَصِف الاجتماع الذي ترأسه الجنرال ستوكويل كوسيط وحَضَرَه ايضا القنصل البريطاني سيريل ماريوت وعدد آخر من المسؤولين البريطانيين بأنه ” كان هناك في البداية قدر كبير من المودة عندما حيّا الوفدان بعضهما كأصدقاء قُدامى ” ، وأنَّ مداولات قد حَدَثَت ، وأنَّ اليهود أدخلوا تغييرات على شروط الهدنة وذلك بِناءً على طلب الجنرال ” ستوكويل “. وأنَّ ” شبتاي ليڤي ” عبَّر عن ” الأمل بأنَّ العرب الذين لم يَهْربوا فعلاً سيبقون في المدينة “.
ويقول ايضاً ، بأن صِراعاً حامياً قد حصل خلال الاجتماع ، وأن ” الياس كوسا ” قال خلاله :
” لقد خَسِرنا جَولة ، ولكن هناك جولات “.
وأنَّ هذه الملاحظة لم تَلْقَ ترحيباً من ” اليهود والبريطانيين “، وأَنَّ الجنرال ” ستوكويل” قال مخاطباً العرب بعد ان نَفَذَ صَبْره :
” إذا لم تُوَقِّعوا على هذه الهُدنة ، فلنْ أكون مسؤولاً إذا قُتِلَ منكم ثلاثماية أو أربعمائة آخرون بحلولِ يوم غد “.
ويقول ، بأن ” فكتور خياط ” حاولَ تَهدِئة الموقف بقوله :
” بالإمكان التوصل الى ‘ اتفاق ‘ لأننا أصدقاء قدامى ‘”.
ويقول أيضاً ، أنَّه وفي الساعة ٥:١٥ مساءً ، ” طَلَبَ الوفد مهلة (٢٤) ساعة قبل التّوقيع على الهدنة بحيث يتشاورون حول الشروط التي كانت قاسيةً جداً بالنسبة لهم “.
إلا أنَّ الوفد اليهودي طَلَبَ من الوفد العربي التوقيع ” فوراً “، لكن وبناءً على إصرار الجنرال ” ستوكويل ” ، فقد اتُّفِقَ على تأجيل المُهلة حتى السّاعة السابعة كآخرِ مَوعد .
ويقول ، بأنه خلال فترة المُهلة ، أرسلَ ” إلياس كوسا ” برقية مستعجلة مَحْمومة الى دِمَشق ، وَصَفَ فيها الأزمة والنزوح العربي المُتزايد عن المدينة . وأنَّه لم يَتَلَقَّ أيضاً جواباً . “
ويقول الدكتور مايكل أنَّ إطلاق النار في المدينة كان مسموعاً في الوقت الذي كان فيه الوفد العربي مجتمعاً مع الوفد اليهودي ، وأن إلياس كوسا ورفاقه ” كان عليهم اتخاذ القرارات بأنفسهم “، وأن ” المَزيد من المُقاومة ” كان ” مستحيلاً بسبب إنذار الجنرال ‘ ستوكويل ‘ “.
ويقول بأن الاجتماع قد استؤنف في دار البلدية في الساعة ٧:١٥ مساءً ، وفيه ، قام أعضاء الوفد بتبليغ الوفد اليهودي ؛
” بأنهم لن يُوَقِّعوا على الهدنة “.
عندها ، وصف الجنرال ” ستوكويل ” القرار بأنه:
” قرار أحمق”.
ويَذكر الدكتور مايكل ، ان رئيس البلدية ليڤي توسل الى الوفد العربي بإعادة النظر ، لكن الزعماء العرب وقفوا عند قرارهم ” بإصرار “، وطلبوا مساعدة من الجنرال ستوكويل في تنفيذ الإخلاء .
ويقول ، أنَّه وفي نهاية الاجتماع ، ” نَهَضَ العرب من مقاعِدِهم وعلى وجوههم علامات العذاب”.
كان الغُزاة الصهاينة يُطْلِقون إسماً حركياً لكل عَمَلية من عمليات التطهير العرقي ، أمَّا عَمَلية تَطهير حيفا عِرْقياً من أهلها واحتلالها ، فكان إسمها ” مسبارييم ” ، ونَفَّذَتها الهاچاناه في سِياق عمليات خُطة التّطهير العِرْقي الشاملة المسماة الخطة ‘ د’ .
لقد استندتُ في رواية الحكاية على سِجِلاَّت وَرَدَت في كتابين ألٌَفَ الأول منهما مؤرخ اسرائيل طليعي ، أما الثاني ، فقد كتبه كاتب أمريكي .
ولا أدعي أن الوقائع صحيحة أو كاملة تماما .
كما أني لا أعرف إن كان هناك سجلات عربية تؤرخ لوقائع ذلك اليوم .
ومهما كان الأمر ، فقد أردتُ عبر إيراد تلك الوقائع في هذه اليومية ، ومن ذِكرِ أسماء الوجوه التي ساهمت في صناعة أحداث تلك الأيام ،أن أضعَ تلك الإحداث في إطار ذو طابع إنساني ، وواقعي قَدْرَ الإمكان.
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٢ نيسان ٢٠١٨